تتعالى الأصوات المعارضة والناقدة لـ"نظام الطيبات" يوما بعد يوم، وفي الوقت نفسه يُقبل آلاف على تجربته وتأكيدها، ولكل منهم رؤيتهم واقتناعاتهم الخاصة، لكن بالطبع توجد فروق بين ما قد يبدو مريحا لبعض المرضى على المدى القصير، وبين ما قد يحمل مخاطر حقيقية على المدى الطويل، وهذا ما نوضحه خلال هذا التقرير من خلال الاستعانة بالدكتور محمد ممدوح عبدالباري، مدرس واستشاري أمراض الباطنة والكلى في جامعة المنصورة.
نظام يحبس المريض داخل حلقة فكرية
يقول الدكتور محمد عبدالباري، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، إن أكثر من 130 حالة متضررة بسبب نظام الطيبات تواصلت معه، معظمهم حدثت لهم مضاعفات نتيجة التوقف عن تناول الأدوية، وخصوصا من لديهم أمراض مزمنة.
ويوضح استشاري الباطنة أن النظام بالفعل قد يمنح إحساسا سريعا بالتحسن خاصة لدى مرضى القولون، لأنه يعتمد على منع عدد كبير من الأطعمة التي تسبب الانتفاخ والغازات ومشكلات الهضم، لكن هذا التحسن الجزئي قد يدفع المريض للاعتقاد بأن حالته الصحية تحسنت بشكل عام ويتوقف عن الأدوية، بينما في الواقع يكون التأثير محدودا ومؤقتا، محذرا من أن خطورة النظام تكمن في الإطار الفكري الذي يحيط بالمريض، حيث يتم إقناعه بعدم وجود أمراض مزمنة من الأساس، والتشكيك في نتائج التحاليل الطبية.
وشرح مثالا: "حتى ولو أجرى مريض السكر تحاليل، على سبيل المثال، ووجد النسبة مرتفعة فلن يصدق المريض أنه في خطر وسيكذبها، لأنه تم إقناعه أن ارتفاع السكر أمر طبيعي أو حتى مفيد، يعني أن الكبد جيد ويصنع السكر، وكذلك الحال مع ضغط الدم الذي يعتبر ارتفاعه مفيدا لإيصال الدم إلى الشرايين، وكل ذلك كلام غير علمي تماما".
وأشار إلى أن هذا النوع من القناعات قد يؤدي إلى تأخر اكتشاف المضاعفات، لافتا إلى أن كثيرا من المرضى لا يدركون تدهور حالتهم إلا بعد حدوث مشكلات خطيرة مثل جلطات القلب أو نزيف المخ أو فشل كلوي يؤدي إلى احتباس السوائل على الرئة، مضيفا أن بعض المرضى قد يلتزمون بالنظام لأشهر ويشعرون بأنهم بخير، لكن عند إجراء الفحوصات يتبين عكس ذلك، ما يبرز خطورة الاعتماد على الشعور الذاتي والداخلي فقط دون متابعة طبية.
العلاج الدوائي لا غنى عنه لحالات الأمراض المزمنة
ويؤكد عبدالباري أن الطب لا يتجاهل أهمية التغييرات الحياتية مثل تنظيم الغذاء والنوم وتقليل التوتر، ويعتبرها خطوة أساسية في التعامل مع أمراض مثل الضغط، لكنه في ذات الوقت يشدد على أن هذه التدخلات لا تكون كافية في كثير من الحالات، ما يستدعي استخدام الأدوية خاصة في حالات الأمراض المزمنة.
وأعطي مثالا على الفرق بين الحالات الحادة والمزمنة في أمراض الكلى، موضحا أن القصور الحاد في الكلى قد يتحسن مع العلاج والالتزام الدوائي، بينما يتطور القصور المزمن على مدار سنوات ويحتاج المريض فيه إلى علاج مستمر، وهو ما يتعارض مع فكرة عدم وجود أمراض مزمنة التي يروج لها نظام الطيبات، لكنه يرى أن هناك بعض الجوانب التي قد تكون مفيدة في النظام فيما يخص الجانب الغذائي، مثل تقليل الدقيق الأبيض أو استخدام الصيام المتقطع بهدف إنقاص الوزن، بشرط الالتزام بشرب كميات كافية من المياه، لأن تقليل شرب المياه كما يروج النظام قد يؤدي إلى زيادة لزوجة الدم وارتفاع خطر حدوث التجلطات.
كما انتقد بشدة باقي التوصيات ووصفها بـ"الكارثية"، خاصة فيما يتعلق بتشجيع تناول السكريات أو العصائر المصنعة، ومنع مصادر مهمة للبروتين مثل البيض والدواجن.
التجارب الإيجابية الفردية غير قابلة للتعميم
وأوضح أن التعامل مع الحالات وتشخيصها وتحديد ما يناسبها هو أمر يتم وفق مجموعة عوامل مجتمعة يحددها الطبيب، لا يمكن تعميمها على الجميع، فيمكن نصح مرضى القولون بتحديد الأطعمة التي تسبب أعراضا حسب كل مريض على حدة واستبدالها أو تعديل طريقة طهيها، بدلا من فرض حرمان تام قد يضر بالتوازن الغذائي.
وشدد الطبيب على أن أخطر ما في النظام هو الدعوة إلى التوقف عن الأدوية، خاصة لمرضى السكري والضغط وأمراض الكلى والأورام، مؤكدا أن التوقف عن الدواء له مخاطر كبيرة لأصحاب الأمراض المناعية مثل الذئبة الحمراء أو القولون التقرحي، لأنها لا تختفي بمجرد إيقاف العلاج، وقد تمر بفترات هدوء مؤقتة يعقبها انتكاس أشد.
واختتم استشاري الباطنة والكلى تصريحاته بالتأكيد على أنه لا يوجد مريض يعاني من مرض مزمن حقيقي، مثل السكري من النوع الأول أو الفشل الكبدي أو الكلوي، يمكن أن يتوقف عن العلاج ويشفى تماما فقط باتباع نظام غذائي، إضافة إلى أن بعض الحالات البسيطة مثل القولون العصبي أو الحساسية الغذائية قد تتحسن مع تعديل النظام الغذائي، وهو أمر يفسر بعض التجارب الإيجابية التي يتم الترويج لها فقط، ولا يعني ذلك أن يتم تعميم التجربة على جميع الأمراض والحالات.