وهل يعيد التاريخ نفسه؟ - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الخميس 16 أبريل 2026 8:13 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. هل استحق الأهلي ركلة جزاء أمام سيراميكا كليوباترا؟

وهل يعيد التاريخ نفسه؟

نشر فى : الأربعاء 15 أبريل 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 15 أبريل 2026 - 6:35 م

هناك قول لكارل ماركس مفاده أن هيجل كتب بأن كل الأحداث والشخصيات الكبرى فى تاريخ العالم تعاود الظهور بهذه الصورة أو تلك، لكن هيجل نسى أن يضيف بأن عودة ظهورها الأولى تكون عادة فى صورة مأساة دراماتيكية، أما ظهورها للمرة الثانية فإنها عادة ما تكون فى صورة مهزلة مضحكة.

 


لكن كاتب القصص الإنجليزى جوليان بارنز علق بسخرية طريفة على تلك المقولة من قبل هيجل وماركس فرفض فكرة عودة التاريخ بتلك الصور المهيبة الجادة أو المضحكة وأضاف ساخرًا أن كل ما فى الأمر أن التاريخ يتجّشأ بين الحين والآخر فنتذوق نحن طعم ساندوتش البصل الذى ابتلعه التاريخ عبر القرون.
خطرت فى بالى تلك الأقوال والتعليقات المستهزأة بشأن التاريخ وأنا أتصفح كتاب «آفاق التعاون العربى فى التسعينيات» الذى صدر عن مداولات مجموعة من المفكرين العرب فى مؤتمر فى القاهرة سنة 1991، دعى لعقده منتدى الفكر العربى ومركز الأهرام للدراسات واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة.
من أجل أن يعرف القارئ نوع ومقدار الارتباط بين هذه المقدمة وبين ذلك المؤتمر دعنى أنقل حرفيًا بعضًا ممّا جاء فى ذلك الكتاب.
أولًا: «إن المنهج الإصلاحى الذى ساد العمل العربى المشترك خلال العقد المنصرم (أى الثمانينيات من القرن الماضى) هو منهج (لا يزيد عن) تنقية الأجواء العربية، الذى يقصر عن تقديم الحد الأدنى اللازم لأى إصلاح جذرى يقسم بقدر من الفاعلية.. لأن الحديث عن الإصلاح يفترض معالجة مصادر الاختلال».
ساندوتش البصل هذا الذى واجهنا به أهوال ما قبل خمسين سنة تلك، أليس هو نفسه بالتمام والكمال الذى تتجشّأه عودة تاريخنا الحديث المماثل لنواجه به الأهوال التى تواجه هذه الأمة فى هذه اللحظة؟ ألم يصبح همّنا الأول وهدفنا القومى الأكبر حاليًا هو محاولة، مجرد محاولة، تنفية الأجواء العربية الفاسدة المتصارعة المليئة بالعبث؟
ثانيًا: يشير الكتاب بحسرة إلى «التراجع الحاد فى قدرة النظام (العربى) على مواجهة التهديدات الخارجية»، ويشير إلى لجوء بعض الأنظمة إلى الاعتماد على حلفاء دوليين. تمامًا فهل كما هو الحال حاليًا عند البعض، وهل هناك موضوع عربى واحد لا يكون «الحلفاء الدوليون» هم اللاعبون الأساسيون فى معالجته بتآمر وبألف وجه ووجه؟ وهكذا عجز النظام العربى آنذاك عن «أن تكون له إرادة جماعية وقدرات ذاتية»، تمامًا كما هو الحال الآن، بل وبصورة أسوأ الآن. وهكذا منع غياب تلك الإرادة والقدرة دعم الانتفاضة الفلسطينية فى عام 1987، تمامًا كما منعها من دعم انتفاضة غزة ومن دعم مقاومة لبنان ودعم الشرعية فى السودان وغيرها فى أيامنا الحالية.
ثالثًا: يشير الكتاب إلى أزمة الخليج آنذاك التى كشفت بشكل سافر «الاختلال الهيكلى فى النظام (العربى)»، وإلى وصول المؤتمرات إلى نتيجة مرعبة من: «إما أن يكون هناك نظام عربى جديد، أو لا يكون نظام عربى على الإطلاق». وأكدوا بقوة بوجود ضرورة للتطلع إلى نظام عربى جديد بعد كارثة أزمة الخليج.
أليس تاريخنا فى هذه اللحظة، وبعد مرور حوالى نصف قرن، يتجشّئ. المقولة تلك بقوة أشد وصراحة أكثر، بعد أن أصبح الوطن العربى لا يواجه أزمة واحدة وإنما عشرات الأزمات الكارثية، وآخرها أزمة خليج جديدة بمحاولة جر دول مجلس التعاون الخليجية إلى الدخول فى أتون الحرب العبثية الصهيو - أمريكية ضد إيران؟
رابعًا: ولقد أعطى المؤتمرون أهمية كبرى تفصيلية للأسس التى يقترحونها لبناء أسس النظام العربى الجديد، والتى كانت بالغة الشمول والعمق والشجاعة والجدّة، والتى سنحاول تلخيص أهم بنودها فى مقالات قادمة، حتى يقتنع الجيل الجديد بأنها، مثلما كانت صالحة كعلاج قبل نصف قرن فإنها صالحة للمرحلة التاريخية التى نعيشها فى أيامنا هذه.
وحتى لا ينبرى البعض لاعتبار تلك الأسس بالأحلام القديمة التى عفا عليها الزمن وما عادت قادرة على التعايش مع متطلبات عصر العولمة النيوليبرالية، بالرغم من وجود المئات من النواقص فى تلك المتطلبات التى يشير إليها آلاف الكُتاب فى بلدان مصادرها الغربية، فإننا سنحاول تقديم تصوّر عن إمكانات بناء أسس النظام العربى الجديد الذى آن أوان الانتقال إليه، وذلك بالرغم من كل العراقيل التى سيضعها أعداء هذه الأمة أمام تلك المحاولة القديمة - الجديدة التى بدأت فى القرن التاسع عشر وما زالت تنتظر التحقق والتحرّر من قيودها الذاتية والخارجية.
لا نريدها عودة للتاريخ بكل الملابسات التى ذكرناها فى المقدمة، وإنما نريدها تتمّة تجديدية لمسيرة التاريخ العربى الحديث على يد شابات وشباب هذه الأمة من الذين لا يؤمنون باليأس والقنوط ولا ينحنون أمام تخريفات العولمة الجديدة.

 

مفكر عربى من البحرين

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات