عرف التنمر بأنه سلوك عدوانى من طرف معتدٍّ بقوته، بمعزل عن واقعية أسباب اعتداده، تجاه طرف آخر، بهدف التقليل من شأنه وإيذائه.
ويبدو أن هذا المصطلح قديم فى العربية؛ فلقد أنشد البحترى، المولود سنة 821م والمتوفى سنة 897م: كفّوا وإلا كُفِفتم مضمرى أسف إذا تنمّر فى إقدامه النمر، وإذا تركنا جانبًا التنمر الفردى فى المدارس والعمل والحياة اليومية، وأثر هذه العدوانية فى الآخر المُتنمَّر عليه، ودلفنا إلى العالم الأخطر للتنمر الجمعى، والخطاب الذى يصدر عن بعض المنتمين إلى عالم الكتابة والصحافة، وقعنا على شرٍّ أخلاقى بامتياز. أما إذا انتقل هذا الشر من عالم الخطاب إلى الممارسة، فإن التاريخ قد يشهد كوارث لا تُعدّ.
ما خطاب التنمر الأيديولوجى؟ خطاب التنمر الأيديولوجى هو خطاب يُعلى من شأن الجماعة التى ينتمى إليها، ويُعلى تفوقها، ويُقلّل من شأن جماعة أو جماعات أخرى.
ومفهوم الجماعة هنا يشير إلى مكوّن طبقى أو شعبى أو عرقى أو أى مكوّن جمعى آخر. فهذا الوعى بالذات الجمعية ليس سوى مظهر من مظاهر الوعى الأيديولوجى الزائف.
وخطاب التنمر هذا قديم جدًا، وما زال هذا الخطاب حاضرًا حتى الآن، وبصور متنوعة الشعوبية التى انتشرت فى نهاية القرن الثانى الهجرى والقرن الثالث للهجرة، شهدت ظاهرة تنمر الفرس على العرب عبر شعراء الموالى، وخاض الجاحظ معركة فكرية معها.
ومع نشوء الحركة الطورانية، انتشر الخطاب القومى التنمرى فى ذم العرب.
والمركزية الأوروبية مثال صارخ على الخطاب الأيديولوجى للتنمر، حتى عند من يُحسن الظن بهم. ولقد أشرت فى كتابى (أطياف فلسفية) إلى تنمر شاعر وفيلسوف لا يليق بعقله التنمر. فقد كتب الشاعر الفرنسى الشهير بول فاليرى رسالة إلى المؤرخ رينيه جروسيه يقول فيها: «ليس ثمة غير اليونانيين ونحن». فالأوروبى يجعل من ذاته سلطة التقدم فى علاقته بالآخر.
ومع حديث برتراند راسل عن فضل الحضارة الفرعونية والبابلية على الحضارة اليونانية، فإنه كتب فى كتابه «حكمة الغرب» يقول: «لقد توصّلت مصر القديمة وبابل إلى بعض المعارف التى اقتبسها الإغريق فيما بعد، ولكن لم تتمكن أى منهما من الوصول إلى علم أو فلسفة. على أنه لا جدوى من التساؤل فى هذا السياق عمّا إذا كان ذلك راجعًا إلى افتقار العبقرية لدى شعوب هذه المنطقة أم إلى أوضاع اجتماعية؛ لأن العاملين كان لهما دورهما، ولا شك».
راسل، بكل نزعته الإنسانية فى مواقع أخرى من مؤلفاته، يمنح الأوروبى احتكار العلم والفلسفة.
النازية جعلت من العرق الآرى المتوهَّم سيد الأعراق على سائر الأعراق البشرية، وهذا شكل من التنمر العرقى الذى يبرر السلوك العنفى تجاه العرق المختلف.
وقِس على ذلك التنمر المؤسس على الوهم اللاهوتى الذى يمارسه المحتل على الفلسطينى.
فالفصل العنصرى بكل صوره، الذى يمارسه القوى على الضعيف، لهو أسوأ أنواع التنمر الخطابى والعملى.
ومن أغرب خطابات التنمر الأيديولوجى خطاباتُ التنمر بالماضى السحيق لدى ثلة من مثقفى وسياسيى وصحفيى بعض البلدان العربية التى تعيش واقعًا لا يسر صديقًا ولا يغضب عدوًا.
فهذا النكوص، بالعودة المتنمرة إلى ماضٍ ينتمى إلى ما قبل الميلاد مثلًا، لن يقوم بأى دور فى حل مشكلات فى غاية الصعوبة.
بل ماذا يعنى أن تعيش فى عالم بائس، وتتنمر على الآخرين بماضٍ غارق فى القدم، صارت آثاره للفرجة، ولن يُنجب لك أى نوع من أنواع الخلاص؟
فمن حق أى شعب أن يفخر بماضيه، ويحتفل بماضيه ورموزه، لكن ليس من حق أحد أن يتنمر بماضيه على الآخرين.
وإذا كانت كثير من الدول تعاقب التنمر الفردى أو الجماعى بوصفه جريمة ضد الآخر، فإن التنمر الأيديولوجى الذى ينال من الشعوب على وسائل التواصل الاجتماعى لا يقل خطرًا عن التنمر الفردى، وقدرته على توليد شعور الكراهية مفسدة للنزعة الإنسانوية المناهضة لأيديولوجيا التنمر.
أحمد برقاوى
جريدة الخليج الإماراتية