بين طهران وواشنطن.. من ربح الحرب؟ - أحمد عبد ربه - بوابة الشروق
الأحد 12 أبريل 2026 12:16 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

بين طهران وواشنطن.. من ربح الحرب؟

نشر فى : السبت 11 أبريل 2026 - 6:05 م | آخر تحديث : السبت 11 أبريل 2026 - 6:05 م

بينما كان يهدد الرئيس الأمريكى ترامب بـ«محو حضارة كاملة» من التاريخ، ورغم صلفه المعهود فى الحديث عن الآخرين، حتى لو كان هؤلاء حلفاءه الأوروبيين، كان ترامب يعرف تمامًا ما يريد، ألا وهو الضغط على طهران لقبول التفاوض المباشر معه وبضمانات طلبها مسبقًا! هنا يكون السؤال: لماذا جلس الطرفان الآن تحديدًا؟ وماذا يريد كل منهما فعلًا من هذه المفاوضات؟ وكيف يمكن قراءة نتيجتها بوصفها مؤشرًا على من خرج من الحرب بمكسب أكبر؟


• • •
ليس من سبيل المبالغة القول إن هذه المفاوضات قد تكون الأهم بين البلدين، وتحديدًا منذ أن قامت الثورة الإسلامية فى ١٩٧٩، وما أعلنته منذ يومها الأول من كراهية للولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك يمثل الطرفان وفودًا رفيعة المستوى ومتصلة مباشرة بصناع القرار فى الدولتين، حيث ذهب الوفد الأمريكى إلى التفاوض بقيادة نائب الرئيس جى دى فانس، وبرفقته ستيف ويتكوف المطور العقارى ومبعوث ترامب للشرق الأوسط، وجاريد كوشنر صهر الرئيس والمعروف بصلاته الوثيقة بإسرائيل، بينما ارتبط الجانب الإيرانى باسمين ثقيلين هما وزير الخارجية عباس عراقجى ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
دلالة ذلك لا تكمن فقط فى الأسماء والمناصب، بل فى مستوى التمثيل نفسه. حين يدفع كل طرف بوجوه من هذا الوزن، فهذا يعنى أن القضية لم تعد مجرد اختبار نيات أولى، بل انتقلت إلى مستوى سياسى أعلى، حتى لو ظلت الفجوات واسعة جدًا. التمثيل هنا يقول إن الطرفين مستعدان للجلوس والتفاوض، لكنه لا يقول بعد إنهما مستعدان للتنازل، رغم أن استعداد أى طرفين للتفاوض يعنى منطقيًا قبولًا أوليًا بالتنازل. نحن إذن أمام تفاوض جدى، لكن تحت سقف منخفض من الثقة، وتحت ضغط الوقت، وهو ما يعنى أن الوضع يظل فى النهاية هشًا!
أما عن الوسطاء، فباكستان هى الطرف المضيف وصاحبة الدور المباشر فى جمع الوفدين ودفع الهدنة المؤقتة إلى الأمام، وقد ارتبط هذا الجهد باسم رئيس الوزراء شهباز شريف وقيادة الجيش الباكستانى ووزير الخارجية إسحاق دار. لكن هذه الوساطة لم تعمل فى فراغ، فتقارير متعددة أشارت إلى دور مساهمات صينية وتركية ومصرية للوصول إلى هدنة ودعم مبدأ التفاوض، الأمر الذى يعكس حجم المخاوف الدولية من انفجار جديد يضرب الطاقة والملاحة والأسواق. كما أن اتساع دائرة الوسطاء أو الداعمين لا يعنى بالضرورة اقتراب الحل، لكنه يعنى أن كلفة الفشل صارت عالية إلى درجة دفعت أكثر من عاصمة إلى محاولة منع الانهيار الكامل.


• • •
لكن ما الذى يحمله كل طرف إلى طاولة المفاوضات؟


هنا نصل إلى أهم نقاط الاتفاق والاختلاف. الاتفاق الأساسى أن كلا الطرفين وصل إلى قناعة بأن الاستمرار فى الحرب يحمل كلفة عالية. واشنطن لا تريد حربًا مفتوحة ترفع أسعار النفط وتزيد الضغوط السياسية الداخلية وتطيل أمد الاستنزاف. وطهران تريد وقفًا للهجمات ومخرجًا يحفظ الحد الأدنى من التوازن السياسى بعد مرحلة قاسية من الضربات والضغط. هذا هو الحد الأدنى المشترك: لا أحد يريد الانفجار الكامل فى هذه اللحظة. لكن هذا التوافق السلبى لا يعنى وجود رؤية مشتركة للسلام، بل يعنى فقط أن الطرفين وصلا إلى النقطة التى صار فيها تجنب الأسوأ أولوية عاجلة.


لكن ما بعد هذا الحد الأدنى هو منطقة الخلاف الحقيقى. إيران تربط أى تقدم جدى بمسألتين واضحتين على الأقل: تخفيف أو رفع جانب من العقوبات، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، مع إصرارها أيضًا على أن التهدئة لا يمكن أن تكون منفصلة بالكامل عن الجبهة اللبنانية. فى المقابل، تريد واشنطن من طهران الذهاب أبعد بكثير: تسليم مخزونها من اليورانيوم عالى التخصيب أو وضعه تحت ترتيبات تنزع خطره، وقف التخصيب، تقليص البرنامج الصاروخى الباليستى، ووقف تمويل الحلفاء الإقليميين المسلحين (حزب الله، الحوثى، وحماس). ومن هنا جاءت نبرة الحذر الواضحة فى التقديرات الدولية. الاتجاه العام فى هذه التقديرات لا يقول إن الفشل محتوم، لكنه أيضًا لا يتعامل مع المفاوضات بوصفها نجاحًا تاريخيًا مؤكدًا. داخل واشنطن نفسها توجد توقعات متشائمة إزاء إمكان تحقيق اتفاق واسع، خصوصًا فى ملف مضيق هرمز، كما أن المفاوضين الإيرانيين لوّحوا بتعطيل البداية نفسها أو الانسحاب من المفاوضات إذا لم تكن هناك التزامات مسبقة بشأن وقف الاعتداء الإسرائيلى على لبنان وموضوع العقوبات.


العقدة الأكبر، بطبيعة الحال، هى عقدة انعدام الثقة الممتدة منذ ١٩٧٩. بعد الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن، لم تعد العلاقة بين واشنطن وطهران علاقة شراكة وتحالف كما كان الأمر فى عهد الشاه، لكنها أصبحت علاقة عداء رسمى ومعلن: قطع تام للعلاقات الدبلوماسية، أصول مجمدة، عقوبات، اتهامات متبادلة، نزاعات إقليمية، وملف نووى، بالإضافة بالطبع إلى إسرائيل الحليف الأكثر تدليلًا فى تاريخ الولايات المتحدة. لهذا لا يدخل المفاوض الإيرانى أو الأمريكى أى جولة وهو يفترض حسن نية الطرف الآخر. كل طرف يتعامل مع التفاوض باعتباره ساحة أخرى من ساحات الصراع، لا خروجًا نهائيًا منه. وهذا بالضبط ما يجعل أى اتفاق محتمل هشًا منذ لحظة ولادته، لأن النص وحده لا يكفى حين تكون الذاكرة مليئة بالخبرات السيئة السابقة.


ومع ذلك، فالتاريخ لا يقول إن نجاح التفاوض المباشر بين الطرفين مستحيل. الصحيح أنه نادر، ومقيد، ومشروط. كانت هناك تسوية الجزائر عام ١٩٨١ التى أنهت أزمة الرهائن الأمريكيين المحتجزين فى سفارة الولايات المتحدة فى طهران. وبعد ٢٠٠١ ظهر تعاون مهم بخصوص أفغانستان فى مؤتمر بون. ثم جاءت لحظة ٢٠١٣ مع الاتصال المباشر بين باراك أوباما وحسن روحانى، وما تبعها من مسار انتهى إلى اتفاق ٢٠١٥ النووى. كذلك فعلينا ألا ننسى «إيران كونترا»، التى كانت فضيحة أمريكية فى الثمانينيات، باعت فيها واشنطن سرًا أسلحة لإيران رغم العداء المعلن، واستخدمت جزءًا من العائدات لتمويل متمردى نيكاراجوا رغم القيود التى فرضها الكونجرس. وذكر هذه الواقعة هنا مهم، لا لأنها كانت تفاوضًا ناجحًا، بل لأنها تكشف أن القطيعة العلنية لم تمنع دائمًا وجود قنوات سرية ومصالح متبادلة خلف الستار. هذه السوابق لا تقول إن النجاح مضمون، لكنها تقول إن العداء لم يكن فى كل الأحوال مانعًا للتفاهم عندما تتلاقى المصالح!


• • •
يبقى السؤال الأكثر أهمية: كيف نحكم من خلال نتيجة هذه المفاوضات على من فاز بالحرب؟ الإجابة لا تكون بالشعارات ولا بالخطاب التعبوى، بل بما سيدخل فعلًا فى نتيجة التفاوض وما سيتم تنفيذه لاحقًا. إذا حصلت واشنطن على فتح مستقر وآمن لمضيق هرمز، وفرضت قيودًا واضحة على البرنامج النووى أو الصاروخى، فستعتبر نفسها قد ترجمت الضغط العسكرى إلى مكسب سياسى، حتى لو لم يتغيّر النظام كما أعلن ترامب ونتنياهو مع بداية الحرب. أما إذا خرجت إيران بتخفيف للعقوبات، أو إفراج عن أصول مجمدة، أو بتوسيع مفهوم التهدئة ليشمل ساحات أخرى مثل لبنان، أو باتفاق غامض مبهم العبارات بخصوص برنامجها النووى، فستقدم ذلك بوصفه دليلًا على أنها لم تنهزم، بل حولت صمودها العسكرى والإقليمى إلى ثمن تفاوضى.


المنتصر الحقيقى هنا هو من ينجح فى توظيف ما امتلكه فى ميدان المعركة إلى مكاسب على طاولة المفاوضات. بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك والقول إن الحكم على الفائز لا يتوقف فقط على بنود الاتفاق، بل على كيفية التطبيق على الأرض، وهو أمر قد يمتد لسنوات حتى نحكم عليه بدقة.


فى تقديرى، لا أحد يملك الآن حق ادعاء نصر حاسم. ما تكشفه هذه الجولة هو شىء آخر: كل طرف اكتشف أن القوة وحدها لم تمنحه ما يريد. الولايات المتحدة لم تحول الضغط العسكرى والاقتصادى إلى إذعان إيرانى كامل، وإيران لم تحول قدرتها على الصمود والتهديد إلى انتصار استراتيجى كامل. لذلك فالمفاوضات الحالية ليست تتويجًا لنصر طرف على آخر، بل اعتراف متبادل بأن الحرب وحدها لم تحسم المعركة السياسية. ومن هنا يمكن القول إن السؤال الحقيقى ليس من ربح الحرب حتى الآن، بل من يستطيع أن يكتب نص المستقبل بعدها؟


أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

أحمد عبد ربه أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر