الوقت الذى يمر لا يمضى أبدا - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 12 أبريل 2026 12:38 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

الوقت الذى يمر لا يمضى أبدا

نشر فى : السبت 11 أبريل 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : السبت 11 أبريل 2026 - 6:15 م

زار القاهرة الأسبوع الماضى الروائى والأكاديمى اللبنانى، شريف مجدلانى، بعد 15 عاما من الغياب عن العاصمة المصرية التى عاش فيها والداه قبل ردح من الزمان. تجول فى الأماكن التى استقر بها أهله قبل أن ينتقلوا فى خمسينيات القرن الماضى إلى بيروت حيث عمل الأب فى تجارة الأقمشة بعد أن أسس ثروة مناسبة. توجه إلى عمارة الإيموبيليا بوسط البلد، وقبل أن يغادر حرص على زيارة الإسماعيلية وقراءة بعض الكتب عن تاريخها المعمارى، إذ أقامت أمه فى المدينتين لسنوات وهى التى وُلِدت فى الخرطوم قبل مجىء عائلتها إلى مصر. تحركات مجدلانى كانت قطعا بسبب الفضول، ولكن أيضا لدوافع مهنية، لأن روايته التى انتهى منها للتو تتناول مشوار أسرة والدته، فالمؤلف مغرم بتاريخ العائلات القديمة، يتتبع مساراتها فى كتبه ويضيف إليها شيئا من الخيال لكى يسد الفراغات وينسج بدقة بعض التفاصيل، وفى النهاية تسمح المحصلة برسم صورة عن شكل الحياة خلال حقبة زمنية محددة وأماكن بعينها. يحاول تفكيك حالة الحنين الدائم للماضى التى تلازم الكثير من أبناء وطنه، ويعتبر حكايات العائلات فضاءً صغيرا يعكس الصورة الأكبر لما كانت عليه الحياة، وغالبا يكون هناك ما ينغص راحة الأفراد ويقلب الدنيا رأسا على عقب. وهنا نصل للب الموضوع الذى تشترك فيه مجمل أعماله وهو تأثير مفارقات التاريخ على رحلة البشر فى عالم تحكمه الصدفة والعشوائية فى كثير من الأحيان، يحدث انهيار ما أو كارثة تؤدى إلى أفول وانقلابات فلا يظل شىء أو أحد على وضعه، وذلك بالضبط ما يتحدث عنه فى آخر روايته التى صدرت بالفرنسية عام 2025 تحت عنوان «أسماء الملوك» (Le nom des rois)، فقد اختار من بداياته أن يكتب بلغة موليير التى تعلمها وأتقنها منذ الطفولة، وصار يطوعها لتناسب ثقافته وذائقته الشخصية التى تميل إلى الفخامة والزخرفة والإيقاع الداخلى للجمل.


• • •
الراوى فى الكتاب هو شريف مجدلانى نفسه خلال فترة الصبا والمراهقة، يهوى الأدب والتاريخ ويصول ويجول بين صفحات المعاجم وأرفف المكتبات بحثا عن بطولات ملوك لا نعرفهم بالضرورة، تجذبه أسماؤهم الغريبة أحيانا وتشعل خياله، وقد وضع نابليون والإسكندر الأكبر وملحمة الإلياذة لهوميروس فى مرتبة خاصة من الإعجاب. لا يحب كثيرا الذهاب إلى متجر والده فى السوق ويفضل التجول بين شوارع وأزقة بيروت التى يصحبنا إليها. نرى كل شىء بعينيه وينطبق ذلك على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وهو فى الخامسة عشر من عمره. انهيار يلغى كل ما سبق، لكنه يرويه دون عنف وصور مفزعة. الأخبار تصله عن بعد، فقد لجأ مع أهله إلى المناطق الجبلية هربا من الصراع الدائر فى العاصمة. يرصد فى سيرته الروائية تنامى اليسار وقراءاته الأولية فى مرجعيات الثورة، ودور الفصائل الفلسطينية الموجودة على الأرض وكذلك الاتجاهات المختلفة السائدة وقتها بين مساند للنضال ومؤيد لفكرة «اللبنانية الخالصة»، بعيدا عن التدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية. عرف كل ذلك خلال سنوات شبابه المبكر وتشابكت السياسة مع تجارب حبه الأولى، وكأنه يكتشف العالم من حوله، وليس فقط عن طريق الكتب كما اعتاد قبل الحرب. وفى النهاية، يقرر السفر إلى فرنسا لاستكمال دراسته كالعديد من أقرانه فى الثمانينيات، ويحصل على درجة الدكتوراه فى الأدب المعاصر، ثم يعود إلى بلاده عام 1993 ليلتحق بالمجال الأكاديمى ويحتل مكانة رفيعة فى الأوساط الجامعية ويتحول إلى كاتب محترف مع صدور أولى رواياته عام 2005 بعنوان «حكاية البيت الكبير» (Histoire de la grande maison) التى استوحاها من قصة جده لأبيه.


• • •
احتفظ بذكريات الحرب لنفسه خلال سنوات طويلة، لم يكن بوسعه الكتابة عنها... رغم أنه سجل بالفعل الجزء الخاص بفترة الطفولة التى سبقت الحرب منذ حوالى عشرة أعوام. شىء ما بداخله منعه عن تناول ظروف وملابسات الحرب الأهلية التى قادته سريعا إلى سن النضج، فهو يعلم أن التاريخ يكرر نفسه وأن الوقت الذى يمر لا يمضى أبدا ولا تزول آثاره وتصبح قيد النسيان، بل هى باقية فى أعماق كل اللبنانيين حتى جيل الأبناء الذين لم يشهدوا هذه الحرب وغيرها. دقت الكثير من الطبول على رأس بلاد الأرز، وطيف الماضى يسكن الحاضر دائما أبدا. وحين وقع انفجار مرفأ بيروت فى أغسطس 2020 وتغير وجه المدينة التى أنهكتها أزمة اقتصادية حادة، كانت هذه الهزة الجديدة دافعا لأن يبدأ فى التأريخ الشخصى لمرحلة الحرب كما عاشها، وأن يتعدى فترة «الثلاثين عاما المجيدة» التى تمتد من 1945 إلى 1975 إلى سواها من المآسى والانهيارات. تحدث عن الحرب فى كتابه الأخير ولكن على طريقته، دون إراقة قطرة دماء. ورغم اشتداد القصف على بيروت خلال وجوده فى القاهرة، ظل محتفظا برباطة جأشه وثباته المعهود، يحاور طلبة الجامعات ودارسى اللغة والأدب، ويشارك فى اللقاءات التى نظمها المعهد الفرنسى ضمن فاعليات الاحتفال بشهر الفرانكوفونية، ويؤكد لنفسه وللآخرين أن التعايش هو خيار البقاء الوحيد أمام أبناء شعبه بكل أطيافه.

التعليقات