فى اللحظة التى يتلقى النظام الدولى ضربات بالغة العنف، تهز كل ما يحكمه من قواعد وأعراف وأسس قانونية، يتزايد التساؤل عن موقف ألمانيا ودورها فيما يجرى من أحداث تمس جوهر هذا النظام الذى كانت من أشد الحريصين عليه والمدافعين عنه والضامنين له أخلاقيًا وسياسيًا. فبخلاف بعض التصريحات الباهتة للمسئولين الألمان حول الحرب الجارية بين الحلف الأمريكى الإسرائيلى وإيران، وما يصاحبها من هدم ممنهج لقواعد الشرعية الدولية، لم نشهد لألمانيا محاولة لقيادة أى تحرك دولى لحماية ما تبقى من قيم القانون الدولى، وبدت برلين عاجزة عن مجرد المساهمة فى صياغة موقف أوروبى موحد ذى تأثير.
الحقيقة أن تاريخ ألمانيا الحديث على الساحة الدولية شهد نقطتى تحول رئيسيتين. النقطة الأولى كانت الانتقال من الحقبة النازية، حيث تطلعت ألمانيا إلى مكانة متفوقة على المسرح الدولى، معتمدة منهج القوة ومنطق الهيمنة سبيلًا لتحقيق ذلك، الأمر الذى أفضى إلى الحرب العالمية الثانية بكل ما ارتكب فيها من جرائم، وانتهى بهزيمة ألمانيا وسقوط النازية، إلى مرحلة ما بعد الحرب، حيث شهدت ألمانيا مراجعة شاملة وعملية نقد ذاتى عميقة بهدف التخلص من هذا التراث المظلم. تضمنت هذه المراجعة بناء دولة ديمقراطية حديثة، وإقامة علاقات تعاون وثيقة مع الجيران، وإعلاء شأن احترام القانون الدولى وحقوق الإنسان، وجعل القيم الإنسانية العليا ضابطًا لسياستها الخارجية، والتخلى صراحة عن هدف تبوُّء مكانة قيادية فى المجتمع الدولى. ساعدها على ذلك أنها وجدت فى القيادة الأمريكية للتحالف الغربى، ومشاركتها مع فرنسا فى أوروبا، ما يحقق لها السياق الدولى المنشود من أمن واستقرار وفرصة للرخاء الاقتصادى، دون إثارة قلق جيرانها من طموحاتها.
ظل الحال كذلك فى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة. لكن الألفية الجديدة جاءت بتطورات وضعت النظام الدولى برمته محل تحد. كانت البداية بحرب غزو العراق عام 2003، التى عارضتها ألمانيا بشدة، إذ مثلت خروجًا صريحًا عن قواعد القانون الدولى التى كانت قد حققت لألمانيا ما حققته من استقرار وازدهار. ثم جاءت بعد ذلك أعراض تراجع الولايات المتحدة عن التزامها بالتحالف مع أوروبا، متجسدًا فى «التحول نحو آسيا» الذى تبناه الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما. تبع ذلك الغزو الروسى لأوكرانيا، الذى هدد النظام الأمنى القائم فى أوروبا بشكل مباشر. ووصل الأمر إلى ذروته بتولى دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة، خاصة فى دورته الثانية، عندما بدأت أمريكا نفسها فى هدم بعض من أهم أسس النظام الدولى القانونية والاقتصادية والأمنية التى أقامته ورعته، وإعادة العلاقات الدولية إلى ما يشبه «الغابة»؛ حيث البقاء للأقوى.
فى ظل هذه التطورات واجهت ألمانيا نقطة التحول الثانية فى تاريخها على الساحة الدولية، حينما اتجهت الأنظار إليها أكثر من أى دولة أخرى، باعتبارها الدولة الغربية الأقدر سياسيًا واقتصاديًا وحضاريًا وأخلاقيًا على قيادة الدفاع عن النظام الدولى. ليس بمفردها بطبيعة الحال، فهى غير مؤهلة للتصدى لقوتين بحجم الولايات المتحدة وروسيا فى آن واحد، لكن بأن تقود أوروبا وتعمل معها بشكل مشترك لبناء توافق بين الدول الحريصة على تجنب المصير المظلم الذى تنزلق إليه البشرية، على النحو الذى عبر عنه أكثر من زعيم مؤخرًا، كان أفصحهم رئيس وزراء كندا فى المنتدى الاقتصادى العالمى فى 20 يناير 2026. مثل هذا التوافق يمكن أن يضم دولًا مثل الصين واليابان وكندا، وكثير من دول الجنوب كالبرازيل وجنوب إفريقيا، ودولًا عربية وتركيا وغيرها. بعبارة أخرى، كان التوقع أن تستعيد ألمانيا فى هذه اللحظة المفصلية روح القيادة التى تخلت عنها فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتقوم بدور ينتظرها أكثر مما ينتظر أى قوة أخرى، دفاعًا عن القيم والمصالح التى رافقت نهضتها فى حقبة ما بعد الحرب.
إلا أن ما جرى خلال السنوات الأخيرة، ومنذ نشوب حرب غزة وحتى الحرب على إيران، هو أن ألمانيا فعلت العكس تمامًا. إذ لم تكتفِ بالتخلى عن مسئولية القيادة التى كانت تناديها فى هذه اللحظة المصيرية من تاريخ الإنسانية، إنما أيضًا أسقطت القيم العليا التى تبنتها بعد الحرب، وعادت مجددًا إلى التعايش مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حتى إنها تخضع حاليًا للمحاكمة أمام محكمة العدل الدولية بتهمة المشاركة فى ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وجرائم حرب أخرى فى غزة، من خلال ما قدمته من دعم عسكرى واقتصادى ودبلوماسى لإسرائيل فى حربها على القطاع المحتل.
ومن المفارقات أن ألمانيا، التى كانت تمثل رمزًا للتحول الديمقراطى الناجح والمصالحة التاريخية، والتى جعلت من مبادئ القانون الدولى واحترام حقوق الإنسان وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية شعارات لها بعد الحرب، تتنكر لهذه القيم فى حرب غزة وحرب إيران، بل إنها استخدمت ثقلها الدبلوماسى داخل الاتحاد الأوروبى لإفشال أى محاولة لمساءلة إسرائيل أو وقف إطلاق النار.
لا شك أن التاريخ سيمضى، لكنه سيسجل أيضًا أن ألمانيا، التى كانت محط أمل الكثيرين، وقفت فى الموقع الخطأ، وتخلت عن مسئولياتها فى أكثر اللحظات حساسية. ولا شك أنها ستدفع ثمنًا باهظًا لهذا الاختيار، ليس فقط على مستوى مصالحها، ولكن أيضًا على مستوى مصداقيتها الدولية ومكانتها الأخلاقية التى بنتها على مدى السنين.
سفير مصر السابق فى إسبانيا، ودبلوماسى سابق لمصر فى ألمانيا