من المتوقع أن يؤدي سقوط المجلس العسكري الحاكم في مالي إلى زعزعة استقرار منطقة غرب أفريقيا بشكل عميق، وقد تمتد تداعياته إلى دول الجوار، وذلك وفقا للمحلل السياسي تريفور فيلسيث، مدير تحرير قسم الدفاع والأمن القومي في مجلة " ناشونال إنترست"، والحاصل على درجتي البكالوريوس والماجستير من جامعة برانديز الأمريكية.
وقال فيلسيث، في تحليل نشرته "ناشونال إنتريست"، إنه خلال عطلة نهاية الأسبوع، شن متمردون إسلاميون هجوما واسع النطاق على المجلس العسكري الحاكم في مالي، استهدف عشرات المدن والبلدات في مختلف أنحاء البلاد، وذلك في مفاجأة للمجلس العسكري وحلفائه من المرتزقة الأجانب؛ حيث سيطر المسلحون على مدينتين على الأقل، من بينها مدينة كيدال، المهمة في شمال البلاد، وألحقوا خسائر فادحة بالقوات الحكومية في مناطق أخرى. وفي خطوة جريئة بشكل خاص، هاجم المتمردون المقر العسكري للمجلس العسكري في كاتي، وهي بلدة محصنة تقع خارج العاصمة باماكو، واقتحموا المقر وقتلوا وزير الدفاع المالي في تبادل لإطلاق النار.
واعتبر فيلسيث أن الهجوم كان مذهلا في جرأته ونطاقه، وأكد كذب تأكيد المجلس العسكري، رغم الأدلة المتزايدة التي تثبت عكس ذلك، على أن الوضع الأمني في مالي مستقر ويتحسن. كما يشير إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الفرع الإقليمي لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل والمحرض الرئيسي على الهجمات، على وشك إطلاق المرحلة التالية من حربه على الحكومة المركزية، الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة على منطقة الساحل، وربما بداية أزمة لاجئين جديدة.
وكان هجوم نهاية الأسبوع على الأرجح مسألة وقت لا أكثر، نظرا لأنه خارج العاصمة باماكو، ويسيطر المسلحون فعليا على الطرق التي تربط العاصمة بباقي أقاليم مالي. وبدلا من استخدام القوة لعزل العاصمة تماما- وهي خطوة قد تدفع السلطات للتحرك لحل الأزمة على الفور، وقد تدفع روسيا، الداعم الأجنبي الرئيسي للمجلس العسكري، إلى تدخل أكبر - فرضت الجماعة حصارا غير محكم، وطالبت سائقي الشاحنات بدفع مبالغ مالية، وصادرت أو أعادت شحنات ذات أهمية استراتيجية، كالبنزين. وقد حال هذا الوضع دون اندلاع حرب شاملة في العاصمة حتى الآن، لكنه أثرى المسلحين وحرم المجلس العسكري من موارده الأساسية. وقد أدى عجز باماكو عن معالجة الأزمة إلى اتضاح حقيقة الوضع وهي، تزايد قوة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وتراجع قوة المجلس العسكري.
وأشار فيلسيث إلى أنه حتى نهاية هذا الأسبوع، كان المسلحون راضين تماما عن استمرار هذا الوضع. وبالفعل، بعد الهجمات الأخيرة، عاد الوضع إلى طبيعته إلى حد ما، على الأقل في العاصمة وضواحيها. ومع ذلك، فإن جرأة هجوم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ورد فعل المجلس العسكري الضعيف، من المرجح أن يشجع الجماعة على شن عمليات أكثر طموحا في المستقبل. وإذا استمرت الأوضاع الراهنة، فإن انهيار الحكومة العسكرية ليس مسألة احتمال، ولكن مسألة وقت، وعلى صانعي السياسات في الغرب أن يدرسوا العواقب بعناية.
روسيا لا تستطيع إنقاذ مالي
اليوم، أصبح الموقف الروسي في مالي يشبه إلى حد كبير موقف الاتحاد السوفيتي في أفغانستان قبل أربعة عقود، حيث تتمركز القوات الروسية في عدد قليل من المناطق الحضرية المالية، وتتولى حمايتها وتقوم بشكل دوري بتطهير الطرق السريعة الرئيسية، بينما لا تبذل جهدا كبيرا لمواجهة سيطرة المسلحين على الريف. ولم تنجح تلك الاستراتيجية في أفغانستان، كما أنها لا تحقق نجاحا في مالي.
ويرى فيلسيث أن أوجه القصور في النهج الروسي واضحة. بالإضافة إلى نمط انتشار استباقي بشكل أكبر، كان لدى المستشارين العسكريين الفرنسيين جهاز استخباراتي متطور، يستخدم لتحديد وتتبع المسلحين في المناطق المدنية، والتعرف على عملياتهم واستخدام المعلومات الاستخباراتية التي يتم تجميعها لاستهداف تدفقاتهم المالية وتقويض تحالفاتهم الإقليمية.
وأشار إلى أن القوات الروسية في مالي أقل تطورا بكثير. ويتسم نهج فيلق أفريقيا بأنه أبسط وأكثر وحشية، وهو دخول المناطق التي يشتبه في وجود نشاط مسلح فيها، واستخدام العنف والفظائع في محاولة لإخضاع السكان. وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى مقتل آلاف المدنيين في منطقة الساحل، وأثارت إدانات دولية. كما أنها كانت خطأ استراتيجيا فادحا، حيث أدت إلى كراهية المجلس العسكري في المناطق الداخلية، ودفعت السكان إلى أحضان جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تعد، وفقا لبعض التقديرات، أسرع الجماعات المسلحة نموا في العالم.
ويرى فيلسيث أنه على المدى القريب، يبقى الوضع الأمني غير مستقر، على الرغم من أنه من غير المرجح سقوط باماكو على الفور. وقد أكد الكرملين مجددا التزامه بالمنطقة، وطالما بقيت القوات الروسية هناك – وتحظى بحماية نيران روسية من الجو - فلا يوجد ما يشير إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ستسعى إلى مواجهة شاملة معها.
انهيار مالي سيؤدي إلى فوضى إقليمية
غالبا ما تحدث التغيرات السياسية على شكل موجات. ثورتا عامي 1848 و1989 في أوروبا، والربيع العربي عام 2011، وسلسلة انقلابات الساحل في أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، كانت في الأساس معدية، فبعد حدوث تطور ما في دولة ما، تشاهده الدول المجاورة، وتستخلص منه الدروس، ثم تكرره.
وفي حالة دول الساحل، ينذر هذا الوضع بعواقب وخيمة. ففي جوهرها، تعد المجالس العسكرية الحاكمة في تحالف دول الساحل (مالي وبوركينا فاسو والنيجر)، حكومات هشة ومصطنعة، لا تدعمها سوى القوة العسكرية الروسية. وبمجرد سقوط هذه الحكومات، فإنها ستسقط سريعا، والدليل على ذلك انهيار أفغانستان في أغسطس 2021 وسوريا في ديسمبر 2024. ونظرا لأن جميع أنظمة منطقة الساحل هي في الأساس أنواع مختلفة لنفس النمط، فلا يوجد ما يدعو إلى توقع أن يكون الانهيار في مالي مختلفا.
وتستعد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لهذا الاحتمال. ففي الأراضي التي تسيطر عليها، تحكم بالفعل كشبه دولة، حيث تجمع الضرائب من النشاط الاقتصادي، وتوفر الخدمات الاجتماعية الأساسية، وتدير نظاما قضائيا، وتسعى إلى بناء الشرعية. ومع ذلك، فإن احتمالات تحول دكتاتورية عسكرية وحشية مدعومة من روسيا إلى حكومة إسلامية مستقرة، كما حدث في سوريا، ضئيلة للغاية.
واعتبر فيلسيث أن الوضع في مالي يثير قلقا بالغا يتجاوز منطقة الساحل نفسها. فمن المرجح أن تؤدي الفوضى أو الاستبداد الإسلامي في منطقة الساحل إلى تطور كارثي للأمن الإقليمي، ذي عواقب وخيمة. وسيكون الخاسرون الرئيسيون في هذا السيناريو، إلى جانب المدنيين الماليين، دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) الأخرى، التي سيتدفق عليها اللاجئون وستكون عرضة لمزيد من العدوان من جانب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، كما حدث بالفعل في توجو وبنين.
واختتم فيلسيث تحليله بالقول إنه على الرغم من ذلك، سيمتد أثر انهيار مالي في نهاية المطاف إلى مناطق أبعد بكثير. وتقع مالي في قلب شبكات الهجرة الحالية المتجهة شمالا، ومن المؤكد أن أوروبا ستشعر بتداعيات هذه الفوضى. و تتمتع أوروبا بحماية نسبية بفضل امتداد الصحراء الكبرى، فعلى عكس أزمة الهجرة الأفريقية السابقة التي انطلقت من ليبيا، الواقعة على ساحل البحر المتوسط، سيتعين على المهاجرين المحتملين إلى أوروبا عبور مئات الأميال من الصحراء، فضلا عن عبور الدول الموجودة هناك، والتي لا تعرف أي منها بحسن ضيافتها للمهاجرين. ومع ذلك، من المرجح أن يفوق حجم المشكلة حجم موجة الهجرة السابقة، حيث يبلغ عدد سكان مالي والنيجر وبوركينا فاسو مجتمعة 75 مليون نسمة، أي عشرة أضعاف عدد سكان ليبيا. وللأسف، لا يملك القادة الأوروبيون سوى أدوات قليلة لمواجهة هذه المشكلة، ولكن من الحكمة على الأقل التفكير فيها قبل أن تصل إلى بلادهم.