عندما يُذكر الحسين بن علي، تُذكر الحرية والثورة على الظلم والجور. ولا يُعد الحسين حفيدًا لنبي الإسلام محمد ﷺ فحسب، وإنما هو شخصية شديدة المحورية لدى المسلمين، سواء من السنة أو الشيعة.
وتنبع هذه الأهمية التي يحظى بها الحسين من ارتباطه في الذاكرة الجمعية الإسلامية بمفاهيم عليا من المثل، ومن النهاية التي كُتبت له في مشهد استشهاده، والتي تشبه ارتطام المثالية التي مثلها بصخرة الواقع الفاسد.
وفي شهر محرم، تمر ذكرى استشهاد الحسين بن علي في كربلاء، يوم عاشوراء سنة 61 هـ، مخلفة جرحًا عميقًا في الجسد الإسلامي لم يندمل حتى اليوم، رغم مرور القرون، وكانت من الوقائع التي عمقت الانقسام بين المسلمين.
وقد تصدى لتأريخ هذه الواقعة الدموية كثير من الكُتّاب والمؤرخين الذين حاولوا استعادة مشاهد ما يشبه الإبادة الجماعية لآل بيت النبي.
وعلى كثرة هذه المحاولات، تبقى محاولة عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيتيه «الحسين ثائرًا» و«الحسين شهيدًا» حاضرة كلما حلّت ذكرى كربلاء.
كتب عبد الرحمن الشرقاوي مسرحيتيه متأثرًا بنكسة يونيو عام 1967، وأراد، بشكل ما، أن يجد في التاريخ ما يعود إليه، مستحضرًا معاني العدل في مجتمع انتشر فيه الجور.
وفي مسرحية «الحسين ثائرًا»، صنع لنا الشرقاوي أسطورة الثائر الذي ينهض من أجل العدل والمساواة، ومن أجل جموع الفقراء، ومن أجل النبوة التي رآها تُنتهك وتتحول إلى كسروية وهرقلية، أو كما وصفها الرسول ﷺ: «ملكًا عضوضًا».
وتبدأ «الحسين ثائرًا» بلحظة وفاة معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية، الذي أراد تغيير سنة الشورى، وأخذ البيعة من بعده لابنه يزيد بولاية العهد، وهي البيعة التي رفضها الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر.
ورفض الحسين مبايعة يزيد في حياة معاوية، ورفضها أيضًا بعد وفاته، كما أصر عبد الله بن الزبير على موقفه. ويصور لنا عبد الرحمن الشرقاوي هذا الرفض بوصفه رفضًا للنظام الأموي الجائر بشكل عام، ورفضًا لشخص يزيد بشكل خاص.
وفي «الحسين ثائرًا» نشعر أن الحسين، في بؤرة الأحداث، هو رمز العدل، والرجل الذي قام من أجل الناس والدين، بينما يمثل يزيد بن معاوية رمز الجور والظلم، وكما يراه أتباع الحسين، مغتصبًا لحق الخلافة.
ويخرج الحسين من مدينة جده محمد ﷺ إلى مكة، هربًا بنفسه وأهله من بطش بني أمية في المدينة، وعلى رأسهم واليها، الذي بعث إليه يزيد يأمره بأخذ البيعة من المعترضين دون رخصة في الشدة، ومروان بن الحكم، المشاكس الأكبر لبني هاشم وآل البيت.
ويصور عبد الرحمن الشرقاوي خروج الحسين إلى الكوفة، بعد أن كتب أهلها إليه بالمبايعة والعهود بالوقوف معه لطلب الخلافة، كأنه خروج محتوم، رغم معارضة أصحابه لهذا الخروج، وتذكيرهم له بأن هؤلاء القوم غدروا بأبيه وأخيه.
ويأتي الغدر بمسلم بن عقيل، ابن عم الحسين ورسوله إلى الكوفة، ليعمق الفهم لأسطورية سبط رسول الله التي يريد الشرقاوي لنا أن نعيها؛ فالرجل يمضي إلى مصير محتوم من أجل الحق، حتى لو كان في هذا الطريق نهايته.
وفي نهاية «الحسين ثائرًا»، وبداية «الحسين شهيدًا»، تصبح الصحراء، وتحديدًا كربلاء، أرضًا للأحداث. وهنا تتحول المسرحية إلى مأساة تراجيدية، لها بطل تجتمع فيه كل صفات الأبطال الأسطوريين.
ويصبح العطش والوحدة صاحبي الإمام الحسين في محطته الأخيرة. وهنا يرينا الشرقاوي كيف وقعت تلك المأساة، وكيف انفض الناس عن ابن بنت نبيهم، وكيف تحولت السيوف من مناصرتهم له إلى محاربته وقتله.
ويصور الكاتب هذا المجتمع شديد الفساد؛ فالناس تُرشى، وتُخوَّف، وتتقاعس عن الذود عن الحق، وفي المقابل يتناسون النسب والفضل.
وهنا يُسقط عبد الرحمن الشرقاوي مجتمع يزيد بن معاوية على أي مجتمع، ويرينا أن فكرة الظلم والجور لم تنته، وأنها لم تكن يومًا مرتبطة بصراع هاشمي أموي، وإنما تتجدد كلما وجد الشر، الذي يوجد معه الخير في صراع أزلي لا ينتهي.
وكان في زمان كربلاء الحسين بن علي حامل لواء الخير، وكان يزيد بن معاوية حامل لواء الشر، لكن هذا لا يعني حصر الصراع بين الرجلين؛ فما يؤكد عليه الكاتب أن كم من يزيد في عصور مختلفة متجبر جائر، وكم من حسين مخذول مغدور.
واستطاع عبد الرحمن الشرقاوي، بلغة شعرية شديدة الثراء، أن يكتب قصيدة مطولة امتدت عبر المسرحيتين. ويمكن الوقوف عند مقاطع تنتزع المشاعر من الوجدان، كمشهد طلب البيعة من الحسين عقب وفاة معاوية، والرد البليغ الذي صاغه الكاتب عبر الولوج إلى معنى الكلمة.
وصنعت هذه اللغة الشعرية من المسرحيتين ملحمة شعرية متصلة عن محطة مهمة في تاريخنا الإسلامي، لكن الشرقاوي انتزع هذه اللحظة من الصراعات المذهبية، وركز على المعنى الأسمى لقضية الحسين، الذي لم يكن مجرد خارج على حاكم سيئ لا يصلح، وإنما كان تجسيدًا لمعنى العدل.
وتبقى مسرحيتا «الحسين ثائرًا» و«الحسين شهيدًا» عملين يُعاد إليهما كلما أردنا استعادة معنى العدل في مواجهة الظلم.