أعرب مايك فرومان، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، عن اعتقاده أن من المبكر للغاية الإجابة على سؤال جوهري يتعلق بالحرب الأمريكية-الإسرئيلية على إيران، مفاده: هل كان الأمر يستحق كل ذلك فيما يتعلق بالمصالح الأمريكية؟
وكتب فرومان في تحليل نشره المجلس على موقعه الإلكتروني، أن الحكم بنجاح الحرب أو فشلها في خدمة المصلحة الوطنية للولايات المتحدة يعتمد بقدر ما يعتمد على ما سوف تكشف عنه الأيام، وعلى ما جرى خلال الأيام الواحد والأربعين الماضية.
كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن الأسبوع الماضي تحقيق النصر على إيران، ثم وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، وأشاد بما وصفه بـ"يوم عظيم للسلام العالمي.!"
وبحسب رواية وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، فإن عملية "ملحمة الغضب" كانت "نصرا عسكريا حاسما".
أما رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، فقد وضع هذا النصر في إطار "ثلاثة أهداف عسكرية واضحة: تدمير قدرات إيران من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وتدمير البحرية الإيرانية، وتدمير القاعدة الصناعية الدفاعية لإيران، لضمان عدم استطاعتها إعادة بناء القدرة على إسقاط القوة خارج حدودها". ويتسق ذلك مع الأهداف التي وصفها وكيل وزارة الحرب للسياسات إلبريدج كولبي خلال حديثه في المجلس مع بداية الحرب.
ويرى فريدمان أنه، بلا شك، "أحرزنا تقدما مهما نحو تحقيق هذه الأهداف. فقد جرى تقويض قدرة إيران بشكل كبير على استخدام وإنتاج الصواريخ الباليستية، فضلا عن الطائرات المسيّرة. كما تم إغراق أو تعطيل أكثر من 90% من البحرية الإيرانية. وتم استهداف أهداف عسكرية عالية القيمة — من أنظمة الدفاع الجوي إلى المصانع إلى البنية التحتية للقواعد — بشكل شديد."
وأكد أنه: "في المجمل، تم ضرب أكثر من ثلاثة عشر ألف هدف بواسطة القوات الأمريكية وحدها. ومع ذلك، ورغم مقتل قيادات عليا في الأجهزة العسكرية والأمنية الإيرانية بضربات أمريكية وإسرائيلية، قد يكون من الأدق القول إن النظام الإيراني أعيد ترتيبه قسرا، دون تغييره".
ولكنه يتابع بالقول إن هناك فجوة بين تحقيق هذه الأهداف والواقع في مضيق هرمز" فإذا أثبتت إيران شيئا خلال عملية /ملحمة الغضب/، فهو الصمود اللافت وفعالية لقدرات محدودة نسبيا في إغلاق أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم".
لقد نجحت إيران في "استغلال الاعتماد المتبادل كسلاح" - أو على الأقل نسختها الخاصة من المفهوم "الذي طرحه الباحثان هنري فاريل وأبراهام نيومان، اللذان وصفا كيف يمكن للقوى الكبرى استغلال اعتماد الدول الأخرى على الشبكات التي تشارك فيها. وفي هذه الحالة، أدركت إيران أنها تستطيع استخدام اعتماد العالم- ليس فقط على السلع المصدّرة عبر المضيق، بل على سوق الطاقة العالمية نفسها-كسلاح".
وبحسب فرومان، لعبت أمريكا دورا مهما في تطوير هذا المفهوم عمليا عبر استغلال النظام المالي الأمريكي كسلاح منذ أوائل العقد الأول من الألفية، مستفيدة من سيطرتها على الدولار وأنظمة الدفع والمؤسسات المالية لفرض عقوبات والضغط على خصومها. واليوم، "كما كتب زميلي في المجلس إيدي فيشمان، تبحث كل دولة عن نقاط اختناق- سواء كانت مالية أو تكنولوجية أو جغرافية".
وقد اقتبست الصين هذا النهج الأمريكي، عبر تحويل سلاسل التوريد إلى سلاح، حيث ااستغلت بكين منذ عام 2010، سيطرتها على المعادن الأرضية النادرة لمعاقبة اليابان في نزاع بحري. وفي العام الماضي، ومن خلال التهديد بفرض نظام عالمي للرقابة على تصدير المعادن الحيوية والمغناطيسات ومدخلات التصنيع، أظهرت قدرتها على استخدام نقاط الاختناق كأداة ضغط قوية - لدفع إدارة ترامب إلى التراجع عن الرسوم الجمركية المتشددة.
ولكن إيران، "هي التي كتبت الفصل التالي في هذه القصة، عبر استغلال الجغرافيا كسلاح، وتحويل قدرتها على التحكم في مضيق هرمز إلى نقطة اختناق حقيقية يمكن من خلالها التحكم في تدفق النفط والغاز والأسمدة والهيليوم وغيرها من المدخلات الحيوية، مع التهديد بفرض "رسوم مرور" مقابل العبور الآمن"، مما أدى إلى تكلفة باهظة على الاقتصاد العالمي، من خلال زيادة التضخم وتقليص النمو، مع أشد الآثار السلبية على الدول الأقل قدرة على تحمل الصدمات.
وكما كان الحال مع استعراض الصين لقوتها في سلاسل التوريد، شكلت قدرة إيران خلال الشهر الماضي على إحداث اضطراب واسع في الاقتصاد العالمي، جرس إنذار لبقية العالم. غير أن تقليل الاعتماد على مضيق هرمز سوف يستغرق سنوات، وربما عقودا، ويتطلب الأمر استثمارات هائلة، في بناء خطوط أنابيب بديلة أو تنويع مصادر الطاقة بعيدا عن النفط والغاز.
ويقول فرومان: "خلاصة القول، إن تجنب نقاط الاختناق مشروع صعب ومكلف وطويل الأمد- سواء عبر إيجاد بديل للنظام المالي القائم على الدولار، أو تنويع مصادر المعادن والرقائق الإلكترونية، أو تقليل الاعتماد على شحن النفط والغاز عبر مضيق هرمز... ولهذا تسمى /نقاط اختناق/، فهي ليست مجرد عقبات عابرة، بل تتمتع بحصانة نسبية — ولو مؤقتا".
ووفقا لرئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، يعيدنا ذلك إلى إيران وإلى أحد أبرز دوافع الحرب: برنامج طهران النووي، حيث إنه من المفترض أن الهدف الأساسي لإيران من السعي لامتلاك سلاح نووي هو ردع إسرائيل والولايات المتحدة عن مهاجمتها. وبعد هذا الصراع، قد تستخلص طهران درسين، إما أنها تحتاج أكثر من أي وقت مضى لسلاح نووي لمنع هجمات مستقبلية، أو أن قدرتها على شل الاقتصاد العالمي باستخدام وسائل تقليدية تعني أنها لا تحتاج إلى سلاح نووي أصلا، بل فقط إلى استغلال نقطة الاختناق، كسلاح.
وربما وجدت إيران بذلك وسيلة ردع تقليدية- غير نووية- يصعب احتواؤها ويمكن استخدامها مرارا، وبتكلفة منخفضة نسبيا، ودون وصمة الانتشار النووي.
ولكن القيادة الإيرانية قد لا تقتنع بهذا الطرح، "خاصة في مواجهة إسرائيل، التي تنظر إلى التهديد الإيراني من زاوية وجودية. لكن أحد نتائج الحرب قد يكون إعادة توازن في حسابات الردع لصالح إيران".
ويكرر فرومان سؤاله الأساسي: هل كانت الحرب تستحق؟، ويجيب أن الأمر سوف "يعتمد على مدة وقف إطلاق النار وما إذا كان سيتحول إلى تسوية دائمة أو مجرد هدنة مؤقتة تتخللها جولات جديدة من التصعيد".
ويقول فرومان إن "التاريخ قد يحكم على هذه الحرب بشكل إيجابي، لكن فقط إذا كانت نتائجها إيجابية ودائمة. يجب أن تخرج إيران أضعف وأكثر حذرا، مع إعادة فتح مضيق هرمز، واستعادة المنطقة الاستقرار اللازم للتنمية الاقتصادية. لكن لا شيء من ذلك مضمون أو وشيك".
ولكن "حال غياب هذه النتائج، سوف يقول البعض إن الحرب لم يكن ينبغي أن تبدأ، بينما سيقول آخرون إنها لم تذهب بعيدا بما يكفي، وفي الوقت الراهن، لا يزال كلا الرأيين قائمين".
وفي ختام التحليل، يخلص فرومان إلى أن "ثمة أمر واحد مؤكد: فتحت إيران /صندوق باندورا/*صندوق الشرور) وأظهرت قدرتها واستعدادها لتحويل أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم إلى سلاح. ولن ينظر إلى أي صراع معها مرة أخرى بنفس النهج".