أكد الدكتور محب الرافعي، وزير التربية والتعليم الأسبق، أن بناء الدولة المصرية الحديثة يبدأ من المدرسة وليس فقط من قاعات المحاضرات الجامعية، مشيرًا إلى أن تجارب الدول المتقدمة مثل فنلندا أثبتت أن الاستثمار في معلم التعليم الأساسي هو السر الحقيقي وراء القفزات الحضارية، داعيًا إلى ثورة في الثقافة المجتمعية لتغيير النظرة التقليدية للمهن التكنولوجية.
وأضاف الدكتور محب الرافعي، خلال لقاء ببرنامج “المواطن والمسؤول”، مع الإعلامي نافع التراس، المذاع على قناة “الشمس”، مساء السبت، أن مرحلة التعليم الأساسي هي الأساس الخرساني لأي بناء إنساني؛ فإذا لم يكن الأساس متينًا، لن يصمد المبنى مهما ارتفعت أدواره، مستشهدًا بالتجربة الفنلندية التي اشترطت حصول معلمي المرحلة الابتدائية على درجة الماجستير أو الدكتوراه، إيمانًا بأن من يبني مهارات الطفل واهتماماته الثقافية والأخلاقية في البداية هو الأهم على الإطلاق، معقبًا: "المدرسة ليست مكانًا للتلقين، بل هي محضن لبناء شخصية متكاملة تمتلك مهارات اجتماعية وعلمية تؤهلها لقيادة المستقبل".
ووجه نصيحة للشباب والطلاب في المرحلة الجامعية، مشددًا على ضرورة الخروج من عباءة التعليم التقليدي والتوجه نحو مهارات الابتكار والإبداع، وضرب مثلاً بمؤسس فيسبوك مارك زوكربيرج، الذي بدأ فكرته كتطبيق بسيط للتواصل بين زملائه في الجامعة، ليتحول بفضل الابتكار إلى إمبراطورية عالمية غيرت وجه التكنولوجيا واقتصاد العالم، مؤكدًا أن المهارات المكتسبة في مجالات الابتكار هي المحرك الحقيقي لتطوير المجتمع، وهي التي تمنح الخريج ميزة تنافسية في سوق العمل العالمي الذي لا يعترف إلا بالمبدعين.
ودعا المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية إلى تكاتف الجهود لتغيير الصورة الذهنية المرتبطة بالتعليم الفني والتقني، معقبًا: "يجب أن يدرك أولياء الأمور أن خبير التكنولوجيا اليوم قد يحصل على رواتب تفوق الأطباء والمهندسين، ومستقبله بات أكثر استقرارًا في ظل الثورة الرقمية".
وأوضح أن الدولة المصرية نجحت في خلق مسار آمن لطلاب التعليم الفني عبر تدشين الجامعات التكنولوجية، لتمكينهم من استكمال مسارهم الأكاديمي والمهني والحصول على درجات عليا، مما يكسر الحاجز النفسي والاجتماعي القديم.
واختتم بتقسيم مسارات التعليم في مصر إلى ثلاث شرائح رئيسية تتكامل فيما بينها لتلبية احتياجات الدولة؛ أولها الشريحة التقليدية وتضم كليات الطب والهندسة والعلوم الأساسية، علاوة على الشريحة المهنية التكنولوجية وهي الشريحة الحيوية التي تمد المصانع والمشروعات القومية بالأخصائيين التقنيين، فضلا عن شريحة الذكاء الاصطناعي وهي قمة الهرم التكنولوجي الحديث التي تدير الأنظمة الذكية ووظائف المستقبل.
وأضاف أن مواجهة الاستقطاب الفكري ومخاطر السوشيال ميديا تبدأ من بناء إطار أخلاقي متين للطلاب في مرحلة التعليم الأساسي، مشددًا على أن النهضة الإسلامية الكبرى لم تكتفِ بالعلوم الدينية، بل قاد سدنتها العالم في الطب والكيمياء والفيزياء، وهو النموذج الذي يجب استعادته لبناء جيل يعتز بهويته ويواكب عصره.
وأوضح أن الغرب لم يبنِ حضارته إلا على الأسس التي وضعها علماء المسلمين؛ حيث برع "الحسن بن الهيثم" في الكيمياء والبصريات، ووضع "ابن سينا" قواعد الطب العالمية، مؤكدًا أن ازدهار الإسلام ارتبط تاريخيًا بعدم الانغلاق على العلوم الدينية فقط، بل بالانفتاح على العلوم التطبيقية والكونية، وهو التوازن الذي نحتاجه اليوم لصناعة إنسان ناجح يفيد مجتمعه ووطنه.
وردًا على مخاوف الأسر من الانفتاح غير المنضبط على السوشيال ميديا كشف وزير التعليم الأسبق، عن أهمية تطبيق استراتيجية الأمن الفكري في المدارس والجامعات، موضحًا أن هذه الاستراتيجية تستهدف بناء الوعي النقدي وتمكين الطالب من التمييز بين الغث والسمين، والأخذ بالإيجابي والابتعاد عن السلبي والهدّام، علاوة على التحصين الأخلاقي وغرس مفاهيم الوسطية الدينية البعيدة عن التطرف أو الأفكار السلبية التي تبثها المنصات الرقمية، فضلا عن تأهيل المعلمين والأخصائيين الاجتماعيين ليكونوا حائط الصد الأول لنشر ثقافة الوعي والوسطية بين الطلاب.
وشدد على أن الأسرة تظل هي المدرسة الأولى في تكوين الإطار الأخلاقي للطفل، لكن دور المؤسسات التعليمية مدرسة وجامعة يكتمل من خلال الأنشطة الطلابية، مشيرًا إلى أن الأنشطة الثقافية والدينية والرياضية ليست رفاهية، بل هي المختبر الحقيقي الذي يُبنى فيه ولاء الطالب لوطنه ويُعزز من إيجابيته خلف قيادته السياسية التي تبني الدولة بشكل كامل، بعيدًا عن محاولات التخريب والفتنة التي قد تُبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي.