- محافظة الإسكندرية: جاهزية أسطول النقل البديل المخصص لخدمة خط ترام الرمل بإجمالي 153 مركبة
تصوير:محمد صابر
أطلق ترام الرمل الأزرق في الإسكندرية صافرة رحلته الأخيرة، مودعا ركابه بعد سنوات طويلة من الخدمة، مع إصدار آخر تذكرة قبل التوقف الكامل؛ تمهيدا لبدء مرحلة جديدة من التطوير الشامل.
ويُعد ترام الرمل أحد أقدم وأعرق خطوط الترام في العالم؛ إذ يعود تشغيله إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث بدأت أعمال إنشائه وتشغيله خلال الفترة من 1897 إلى 1902، ليربط منطقة محطة الرمل بضواحي فيكتوريا شرقا، ويصبح شاهدا حيا على تطور المدينة عبر عقود طويلة.
وداع بالصور التذكارية
ورصدت "الشروق" أجواء الرحلة الأخيرة في شرق الإسكندرية، حيث حرص عدد كبير من الركاب على استقلاله للمرة الأخيرة، وتوثيق اللحظة بالتقاط الصور التذكارية داخل العربات وعلى الأرصفة، وبدا الترام وكأنه يتحول إلى مزار مؤقت، يتبادل فيه المواطنون الذكريات والابتسامات، بينما اختلطت مشاعر الحنين بالحزن مع إسدال الستار على واحدة من أقدم وسائل النقل التي ارتبطت بحياة السكندريين لسنوات طويلة.
وقال عصام سعيد، أحد ركاب الترام، إنه حرص على التقاط صور تذكارية داخل العربات وخارجها، لتوثيق لحظات الوداع الأخيرة، مؤكدا أن الترام لم يكن مجرد وسيلة نقل بالنسبة له، بل جزءا من تفاصيل حياته اليومية منذ سنوات الدراسة الثانوية، مرورا بمرحلة الجامعة.
وأضاف سعيد لـ"الشروق" أن رحلاته على متن الترام ارتبطت بذكريات لا تُنسى، ما بين الذهاب إلى المدرسة والجامعة ولقاء الأصدقاء، معتبرا أن توقفه يمثل نهاية فصل مهم من حياته وذكريات جيل كامل.
وقالت نعمة حسن، إحدى راكبات الترام، إنها اعتادت استقلال الترام يوميا في طريقها إلى العمل، حيث كانت تستخدمه من محطة الإبراهيمية إلى محطة الرمل، مؤكدة خلال حديثها لـ"الشروق" أنه يُعد من أوفر وسائل النقل وأكثرها أمانا، فضلا عن كونه وسيلة للهروب من زحام الكورنيش وشارع أبو قير، مضيفة أنها تشعر بحزن شديد لوقف تشغيله، معربة عن أملها في أن تنتهي أعمال التطوير في أقرب وقت ممكن.
وأعرب الحاج خالد عبدالرحمن، أحد ركاب الترام، عن حزنه الشديد لإيقاف ترام الرمل، مؤكدا أنه جزء لا يتجزأ من تاريخ الإسكندرية، وأيقونة ظهرت في جميع الصور والاحتفالات التي تحمل اسم مدينة الثغر، حاملة ذكريات أجيال عديدة.
وقال محمود شريف، أحد المحصلين وقاطعي التذاكر على ترام الرمل الأزرق، إن شعور الحزن يعم الجميع مع توقف الترام، مشيرا إلى أنه يعمل فيه منذ أكثر من 20 عاما، موضحا أن ارتباطه بالترام ليس مجرد كونه وسيلة نقل، بل إنه جزء من حياته اليومية، حيث يبدأ عمله منذ الساعة السادسة صباحا أو وفقا للوردية.
وأكد لـ"الشروق" أنه قضى في الترام أكثر مما قضى في منزله، ما يجعل توقفه حدثا مؤثرا بالنسبة له ولزملائه.
وقال أحمد مصطفى، أحد سائقي الترام الأزرق، إنه يشعر بالحزن مثل جميع العاملين، مشيرا إلى أن مشروع التطوير المرتقب سيُحسن سرعة الترام ويزيد عدد الركاب، لكنه أكد أن ارتباطه بالترام يتجاوز كونه وسيلة نقل، فهو جزء من حياته وصديقه الذي يقضي معه أطول فترة في اليوم، حيث يقوده بين المحطات في شرق الإسكندرية، مضيفا أن هذه الرحلة كانت آخر رحلة له على الترام قبل انتهاء الخدمة، وهو شعور يمزج بين الحنين والأمل في المستقبل.
وكان من المقرر بدء الإيقاف الكامل للمرحلة الثانية من ترام الرمل، الممتدة من محطة الرمل إلى محطة مصطفى كامل، في 1 أبريل 2026، إلا أنه تم تأجيله إلى السبت 4 أبريل 2026.
وأوضح أحمد شعبان، رئيس هيئة النقل العام بالإسكندرية، في تصريحات صحفية، أن التأجيل جاء استجابة لتقارير الأرصاد الجوية، لضمان انسيابية الحركة خلال موجة الطقس السيئ.
وأضاف أن الهيئة دفعت بـ7 عربات إضافية لتقديم الخدمة، وهو ما لاقى ترحيبا واسعا من المواطنين قبل الرحلة الأخيرة للترام.
وكانت المرحلة الأولى للإيقاف الجزئي قد بدأت في 11 فبراير 2026، وشملت المسار من فيكتوريا إلى مصطفى كامل، حيث تم إزالة محطة فيكتوريا ورفع القضبان من بعض أجزاء المسار تمهيدا لأعمال التطوير.
وسائل النقل البديلة
وكانت قد أعلنت محافظة الإسكندرية جاهزية أسطول النقل البديل المخصص لخدمة خط ترام الرمل، بإجمالي 153 مركبة، في إطار خطة المحافظة لتيسير حركة تنقل المواطنين خلال فترة توقف الترام، ويضم الأسطول 15 أتوبيسا و46 ميني باص تعمل على امتداد شارع الجيش (الكورنيش)، إلى جانب 48 ميكروباص تعمل على المسار الموازي لخط الترام، بالإضافة إلى 44 ميني باص لخدمة باقي المسارات.
وأكدت المحافظة أنه تم تحديد محطات توقف معتمدة لوسائل النقل البديلة، بهدف منع التوقف العشوائي، وضمان انسيابية الحركة، مع الالتزام بمعدل تقاطر يتراوح بين 3 و5 دقائق، وأوضحت أن متابعة حركة المركبات تتم لحظيا من خلال كاميرات "الشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة"، بما يضمن انتظام التشغيل والتدخل الفوري للتعامل مع أي معوقات ميدانية.
وفي السياق ذاته، أشارت المحافظة إلى تخصيص 3 مسارات رئيسية لوسائل النقل البديلة، تشمل مسار الكورنيش، ومسار طريق الحرية (شارع أبو قير)، ومسار الترام (خطي النصر وباكوس)، مع توزيع محطات التوقف على كل مسار وفقا للجدول والخريطة المعتمدة.
أهداف التطوير
ويهدف مشروع تطوير ترام الرمل، كما أعلنت محافظة الإسكندرية، إلى تحسين كفاءة الخدمة بشكل كبير، حيث يشمل رفع الطاقة الاستيعابية من 80 ألف راكب يوميا إلى نحو 220 ألف راكب، وتقليل زمن الرحلة إلى حوالي 33 دقيقة بدلا من أكثر من ساعة، بالإضافة إلى تقليل زمن التقاطر بين العربات من 9 دقائق إلى 3 دقائق.
كما يستهدف المشروع تقليل الحوادث الناتجة عن مزلقانات الترام، وتحسين السيولة المرورية، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة بشرق المدينة.
تطوير البنية التحتية
ويأتي هذا المشروع ضمن خطة الدولة لتحديث البنية التحتية في الإسكندرية، بما يواكب طبيعتها كمدينة سياحية تستقبل ملايين الزوار سنويا، مع الحفاظ على طابعها التاريخي وتطويره بشكل متوازن يلبي احتياجات الحاضر والمستقبل.
حقيقة إلغاء الترام
نفذ المكتب الاستشاري الألماني (AS & P) وفريق من أساتذة جامعة الإسكندرية دراسات الوضع الراهن لجميع القطاعات ضمن المخطط الاستراتيجي لمحافظة الإسكندرية حتى عام 2032، والتي شملت قطاع النقل (الطرق ووسائل النقل) داخل المحافظة، بدءا من تصميم الطرق وتحديد السرعة كعناصر للتحكم، مرورا بالشوارع الرئيسية الطويلة والشوارع الثانوية متوسطة الطول، وصولا إلى وسائل النقل الجماعي مثل الترام، والقطارات، والأتوبيسات، والميكروباص.
وخلُصت دراسة ترام الرمل إلى أن وسائل النقل الجماعي مثل قطار أبو قير وترام الرمل تعاني من التقادم وتحتاج إلى تحديث بأنظمة آمنة وبيئية، فضلا عن وجود مشكلات ناتجة عن المزلقانات على خطوط القطار والترام، ما يستدعي تغييرا شاملا في أنظمة النقل الجماعي، وبدء مشاريع تطوير مسار قطار أبو قير وترام الرمل، وربطهما بمسارات جديدة حتى برج العرب.
وبدأت وزارة النقل، من خلال الهيئة القومية للأنفاق، الإجراءات التنفيذية مع محافظة الإسكندرية منذ عام 2019 لتنفيذ الدراسات التصميمية والفنية لمشروع تأهيل ترام الرمل، إضافة إلى دراسات تقييم الأثر البيئي والاجتماعي، بالتعاون مع المكاتب والجهات التالية: "المكتب الاستشاري سيسترا الفرنسي، إيكو كونسرف، جامعة الإسكندرية، جامعة القاهرة، والمعهد القومي للنق"ل.
وأشارت الدراسات إلى وجود مشكلة مرورية بسبب 26 مزلقانا تشكل تقاطعات حرجة تؤثر على سرعة تقاطر وحدات الترام.
كما كشفت الدراسات عن تقادم أسطول وحدات الترام، والحاجة إلى تحديث شامل للشبكة الكهربائية والمركبات والإشارات، حيث نتج عن ذلك احتراق بعض الوحدات أثناء عملها بين 10 فبراير 2019 و18 أغسطس 2025.
وأوضحت ضرورة زيادة القدرة الاستيعابية من 4700 راكب في الساعة إلى 13,800 راكب في الاتجاه، نظرا لاعتماد فئات عديدة، خصوصا الطلاب، على هذا المسار.
كما تضمنت رفع مسار ترام الرمل علويا لتمكين تحقيق سرعة تقاطر تصل إلى 3 دقائق، وتقليل زمن الرحلة ليصبح 25 دقيقة.
وأكدت المحافظة أن مشروع تطوير ترام الرمل لا يستهدف إلغاء هذا المرفق التاريخي، بل يهدف إلى تطويره وتأهيله ليواكب متطلبات النقل الحديث، مع تحقيق أعلى معايير السلامة والكفاءة البيئية، والحفاظ على دوره الحيوي في خدمة المواطنين، خاصة الطلاب وكبار السن ومحدودي الدخل.
وشددت المحافظة على أن جميع الدراسات والإجراءات التنفيذية تمت وفق أسس علمية وفنية دقيقة، وبمشاركة جهات استشارية دولية ووطنية متخصصة؛ لضمان تحسين مستوى الخدمة، وتقليل زمن الرحلة، وحل الاختناقات المرورية، وتحقيق منظومة نقل جماعي متكاملة ومستدامة تليق بمدينة الإسكندرية وأبنائها.