• العندليب كما رآه طبيبه الخاص.. بين إنسانية النجم ووجع الجسد وصدق الحكاية
• كيف تحولت حياة عبد الحليم إلى صراع يومى مع تليف الكبد والنزيف؟
• طفولة قاسية بين اليتم والملجأ صنعت شخصية العندليب الحساسة
• قصة الحب المعقدة بين عبد الحليم وسعاد حسنى التى بقيت بلا نهاية مؤكدة
• حياة عبد الحليم بين ثلاث دوائر.. الحب والمرض والغناء
قبل أيام قليلة مرت الذكرى السنوية الـ 49 لوفاة المطرب الكبير عبد الحليم حافظ، الذى رحل عن عالمنا فى 30 مارس عام 1977، وبهذه المناسبة تعرض «الشروق» الكتاب الصادر عن دار الشروق بعنوان «حليم وأنا» للدكتور هشام عيسى، الطبيب الخاص للمطرب الكبير، وتحت شعار: «نبتدى منين الحكاية»، بدأ عيسى ، سرده لعلاقته بالعندليب الأسمر، من موضع الصديق الملازم، والطبيب الذى رأى ما لا يراه الجمهور، وعرف من التفاصيل ما لا تتيحه الأضواء.
واستهل شهادته بعهد واضح مع القارئ، نصّه: «هذه هى حكاية عبد الحليم حافظ أرويها الآن بكثير من التفاصيل التى أتاحتها لى عِشرة طويلة معه، وبكل الصدق الذى تفرضه صداقة أعتز بها، وثقة كسبتها». ومن خلال هذه العبارة الأولى، يدرك القارئ أنه أمام كتاب لا يطلب الإثارة بقدر ما يطلب الإنصاف، ولا يلاحق الأسطورة قدر ما يحاول أن يردّها إلى إنسانيتها.
كان الدكتور هشام عيسى يعتبر الكتابة عن عبد الحليم حافظ أمرا بالغ المشقة؛ لأن الاقتراب من حياة بهذا القدر من الثراء والتعقيد يحتاج إلى شجاعة وعدل معا؛ ولهذا ظل، على مدى ثلاثين عاما، يرفض نداءات دور النشر والصحف الفنية المصرية والعربية كى يكتب سيرة عبد الحليم؛ مدركا أن أى شهادة ناقصة ستظلم الرجل، وأن أى إفراط فى التبسيط سيشوّه التجربة، غير أنه استجاب أخيرا لطلب الكاتب الصحفى الكبير عبد الله السناوى، أثناء رئاسته تحرير جريدة العربى، فخرجت هذه الأوراق إلى النور، بوصفها شهادة حياة كاملة، تتقاطع فيها الصداقة والمرض والفن والتأريخ. وما يلى قراءة فى كتاب «حليم وأنا» الصادر عن دار الشروق، ليقدم شهادة الدكتور هشام عيسى.
طبيب لم يكن زائرا فى حياة المريض
ما يمنح شهادة هشام عيسى وزنها الخاص أنه لم يكن طبيبا يزور المريض عند اللزوم ثم ينصرف، بل كان يقيم مع عبد الحليم أغلب الوقت: فى منزله بالقاهرة، وفى المصيف، وفى الرحلات المتعددة للعلاج أو السياحة أو الغناء أو حتى التسوق؛ وهذه المعايشة الطويلة جعلته يعرف عبد الحليم فى حالاته كافة: «الفنان حين يلمع على المسرح، والإنسان حين يتألم فى غرفته، والنجم حين تحاصره الشائعات، والرجل حين يحاول أن يخبئ انكساره تحت دعابة سريعة أو مجاملة رقيقة».
ومن هنا جاءت أوراقه حافلة بالوقائع والأيام والأسماء؛ تفتح نافذة واسعة على عصر كامل، بما فيه من رموز فنية وثقافية وسياسية؛ فى هذه الصفحات تمر أسماء من أجيال متعددة، وتظهر مشاهد من القاهرة والإسكندرية وباريس ولندن والرباط.

البداية من النهاية: يوم انطفأ الصوت
اختار هشام عيسى أن يبدأ حكايته من مشهد النهاية؛ يوم 30 مارس 1977، عيد الربيع، ذلك اليوم الذى تزامن مع عاصفة خماسينية ملأت جو القاهرة بتراب خانق، ومنحت اليوم طابعا كئيبا كأنه كان يتهيأ لخبر مفجع؛ كان الطبيب نائما، مستغلا اليوم للراحة، حين استيقظ على مكالمة هاتفية ظنها فى بادئ الأمر حالة مرضية طارئة، فإذا بالصوت يأتيه حاسما موجعا: «حليم... تعيش أنت». لم تكن العبارة فى حاجة إلى تفسير.. ثم أعقبتها مكالمة أخرى من مستشفى كينجز كوليدج فى لندن تحمل النبأ نفسه وتضيف إليه بعض التفاصيل الطبية، ثم ثالثة من صحفى فى جريدة الأخبار يطلب من طبيب حليم أن يكتب رثاءه. وهكذا كتب هشام عيسى رثاءه الشهير بعنوان: «دمعة على صديق». كان الحزن الذى يصفه الكتاب على رحيل حليم عميقا؛ القاهرة كلها كانت مكسوة بالكآبة والسود وامتد الحزن إلى القطر المصرى بأكمله، وإلى العالم العربي؛ كان رحيل عبد الحليم حافظ، بالنسبة إلى الملايين، سقوط صوت ارتبط بأعمارهم، وأفراحهم، وخيباتهم، وبمراحل مفصلية من التاريخ الحديث. لكن هشام عيسى لا يترك هذا اليوم قائما وحده فى الهواء، بل يردّه إلى مقدمات طويلة بدأت قبل الوفاة بسنوات.
نزيف الخوف: المرض الذى راح يقترب
من أكثر الفصول وجعا فى الكتاب؛ ذلك الذى يربط بين الحالة الصحية لعبد الحليم وبين الصدمات الوطنية الكبرى؛ فعند وفاة الرئيس جمال عبد الناصر ينقل هشام عيسى صورة حليم وهو يتلقى النبأ بما يشبه الانهيار الكامل؛ صدمة أطاحت بتوازنه، فاندفع يضرب المرآة بيديه ثم برأسه، وقد اجتاحه خوف مروّع على الوطن. وفى هذه اللحظة داهمه نزيف غزير من الفم، مصدره دوالى المرىء؛ تلك القنبلة الكامنة فى داخله والقابلة للانفجار فى أى وقت. ذهب عبد الحليم إلى مستشفى المواساة بالإسكندرية، وهناك نُقلت إليه زجاجة دم -وكانت زجاجات الدم فى ذلك الزمن تُعطى بهذه الصورة البدائية نسبيا غير أن هذه الزجاجة ــ بحسب رواية الطبيب ــ كانت ملوثة بفيروس (ب). وهنا نقطة محورية فى التاريخ المرضى لعبد الحليم؛ إذ إن الرجل كان مريضا بالبلهارسيا منذ طفولته، وقد تسببت له هذه الإصابة القديمة فى تليف كبدى، وارتفاع فى ضغط الدورة الدموية البابية، وتضخم فى الطحال، ودوالى فى المريء، لكن دخول فيروس (ب) على هذا الجسد المرهق جعل التليف مزدوجا، وفتح الباب أمام تدمير أشد لخلايا الكبد ومن ثم صار المريض عرضة لأعراض القصور الوظيفى الكبدى، وصولا إلى الفشل الكبدى نفسه.

والجميل فى سرد هشام عيسى أنه وإن توسع فى شرح الحالة، لم يغرق القارئ فى تعقيدات طبية صماء. لقد عرف كيف يترجم العلم إلى أثر إنسانى مفهوم؛ فالقارئ قد لا يستوعب كل التفاصيل البيولوجية، لكنه يدرك تماما معنى أن يعيش رجل مهددا بالنزيف فى كل لحظة، وأن يصبح العلاج فى جانب كبير منه قائما على السيطرة على النزيف، وعلى الاستعداد المستمر لنقل الدم، حتى جاء النزيف الأخير فى مستشفى كينجز كوليدج بلندن، وهناك اختار المقاتل أن يستريح.
بحكم أن المؤلف طبيب، كان من الطبيعى أن يولى مسألة المرض عناية واسعة، لكن الأهم أنه لم يقدّم المرض كملف إكلينيكي، بل كقدَر يومى يفرض نفسه على النوم والطعام والسفر والغناء.
كان عبد الحليم، مثلا، لا يستطيع أن ينام مستلقيا بزاوية منبسطة على نحو كامل كما يفعل أغلب الناس بل كان سريره يُرفع قليلا إلى الأمام بواسطة مربعات خشبية لتخفيف بعض الأعراض، وفى كل حفلة يوجد متبرعون احتياطيون بالدم، تحسبا لنوبة نزيف مفاجئة؛ وخلال السفر، كان طبيبه يحمل ثلاجة صغيرة فيها زجاجات دم جاهزة. هذه التفاصيل العملية تظهر فداحة المرض وتكشف أيضا عن حجم الانضباط والحذر اللذين أحاطا بحياة النجم الذى كان الجمهور يراه متأنقا، خفيف الظل، حاضر البديهة، بينما كان يعيش فى الداخل على حافة خطر دائم.
ومن أشد ما يكشف قسوة هذه الحياة أن حليم حُرم من معظم أصناف الطعام التى يشتهيها؛ كان يمتلك طباخا ماهرا، وتُعد فى بيته كل ليلة تقريبا مائدة عامرة، يحضر إليها الأصدقاء ويجلس هو بينهم يقدّم لهم الأطباق ويُلِحّ عليهم فى الأكل، كأنه يعوّض حرمانه الشخصى برؤية الآخرين يأكلون. أما نصيبه هو فكان محدودا: طعاما مسلوقا، وقليلا من اللحم، ونظاما صارما.
من الملجأ إلى المجد
يرتد عيسى بالزمن إلى البدايات الأولى، إلى الطفل عبد الحليم على إسماعيل شبانة، الذى عرف اليتم مبكرا على نحو يبدو قاسيا فوق الاحتمال؛ ماتت الأم متأثرة بحمى النفاس، ثم لحق بها الأب بعد خمسة أشهر فقط. وهكذا دخل الطفل فى واحدة من أبكر دوائر الفقد، قبل أن يعرف من الدنيا شيئا؛ ثم انتهى به المطاف إلى ملجأ عبد اللطيف بك وهبة فى أطراف الزقازيق، ذلك الرجل الثرى الذى خصص جانبا من ماله للعمل الخيرى.
وفى هذا الملجأ عاش حليم فى السرير رقم 94 فى عنبر جمعه أيضا بأحمد فؤاد نجم؛ جمعتهما المؤسسة ذاتها، والمكان ذاته، ومشقة البداية ذاتها، لكن الطباع والطرق والنتائج اختلفت؛ فبعد ثمانى سنوات من حياة الملجأ، انتقل ليعيش فى كنف خاله المتولى عماشة، غير أن زوجة الخال اعتبرته نحسا، فألحت على زوجها أن يعيده إلى الملجأ؛ وهذه الواقعة، تركت فى نفس حليم جرحا غائرا؛ إذ كبر وفى قلبه أثر تلك الكلمة القاسية: «النحس». ولعل هذا كان السبب فى أنه كان يردد فيما بعد، ما معناه أنه ليس وجه نحس على أحد، بل وجه سعد على كل من اقترب منه.
هذه الخلفية النفسية مهمة للغاية فى فهم كثير من اختيارات حليم العاطفية، وحساسيته الشديدة، وخوفه المزمن من الفقد، بل وربما حاجته المستمرة إلى القبول والحب. إن صعوده من هذا القاع الاجتماعى إلى قمة الفن كان انتصارا لإرادته على بدايات جارحة.
الوطنية بالأغنية لا بالمهمة السرية
يتطرق الدكتور هشام عيسى إلى الدور السياسى لعبد الحليم، لكنه يفعل ذلك بقدر من الاتزان يبتعد عن المبالغات الشائعة. فهو ينفى، مثلا، ما تردد أحيانا عن تكليف عبد الحليم بنقل رسائل دبلوماسية من الرئيس جمال عبد الناصر إلى ملوك ورؤساء عرب؛ لا يرى الكاتب أن طبيعة حليم أو تكوينه يؤهلانه لهذا الدور، كما أن شعبيته الواسعة لا تكفى وحدها لتحويله إلى مبعوث سياسى بالمعنى الدقيق. لكن هذا النفى لا ينتقص من وطنية عبد الحليم، بل يضعها فى مكانها الحقيقى: الأغنية؛ فدور عبد الحليم الوطنى تجسد أساسا فى أغانيه؛ لقد كان صوته لسان حال مرحلة بكاملها؛ يعبّر عن الحلم القومى، ويواسى بعد الهزيمة، ويستنهض الروح فى أعقاب الانكسار.
وقد كانت علاقته بجمال عبد الناصر وثيقة بالفعل، وكان عبد الناصر يرى فيه قيمة تتجاوز حدود الطرب إلى ما يشبه تمثيل القوة الناعمة المصرية. وحين رحل عبد الناصر، حاول حليم أن يغنى فى رثائه عملا من شعر نزار قبانى يتضمن العبارة الشهيرة: «قتلناك يا آخر الأنبياء»، لكن أسرة الرئيس الراحل رفضت ذلك، معتبرة أن العبارة لا تليق.
عبد الحليم الإنسان
من أجمل ما يكشفه الكتاب أنه لا يكتفى بعبد الحليم الفنان، بل يستعيد الإنسان؛ ذلك الجانب الذى غالبا ما تضيعه الأسطورة.. على صفحات الكتاب نراه، مثلا، فى فرنسا، راكبا سيارة أجرة مع طبيبه ويلبى دعوة السائق العربى الأصل ويذهب إلى منطقته، ويتصور مع الجيران فى مشهد بسيط.
ونراه أيضا ينتبه إلى مناشدة الكاتب الصحفى منير عامر بعد أيام من رزقه بابنه شريف –الإعلامى شريف عامر- حين كان الأب عاجزا عن العثور على دواء ضرورى للطفل؛ فيفاجأ منير عامر بطرد من عبد الحليم يحمل الدواء ورسالة رقيقة يتمنى فيها الشفاء للمولود. ويتكرر الأمر نفسه مع حنان ابنة مفيد فوزى.
وتتجلى إنسانية عبد الحليم كذلك فى صلحه مع محمد الموجى بعد خلاف امتد بينهما. كان الخلاف قد تفاقم على خلفية شائعة سخيفة قالت إن زوجة الموجى «أم أمين»، صنعت عملا لعبد الحليم، ثم تسربت الشائعة إلى صفحات الجرائد، فرد الموجى بعنف، واستحكمت القطيعة؛ لكن عبد الحليم، فى لحظة نضج وصفاء، طلب من هشام عيسى أن يهاتف محمد الموجى ليأتى ويجلس معهم؛ وما هى إلا ساعة حتى دخل الموجى، وتعانق الرجلان، وانتهت الغيبة؛ ومن طريف ما يذكر فى هذا السياق أن القطيعة المُشار إليها كادت تحرم عبد الحليم من «رسالة من تحت الماء» لو ذهبت الأغنية فعلا إلى هانى شاكر، كما تردد آنذاك.
فى المغرب: الفن وسط رائحة الانقلاب
من الفصول اللافتة أيضا ذلك الفصل الذى يتناول وجود عبد الحليم حافظ فى المغرب بالتزامن مع أجواء محاولة انقلاب الصخيرات. كان مقررا أن يغنى فى عيد ميلاد الملك الحسن الثانى أغنية من كلمات محمد حمزة وألحان بليغ حمدى تقول: «أقبل الحسن علينا ومن الحسن ارتوينا». وكان عبد الحليم فى مبنى الإذاعة المغربية يسجل الأغنية حين وجد نفسه، فجأة، وسط أجواء مرتبكة ومحاصرة بالخوف، مع سيطرة المتمردين مؤقتا على الإذاعة وتداعيات المحاولة الانقلابية.
وجد نفسه أكثر من مرة فى تماس مباشر مع لحظات عربية مضطربة، لكن استجابته الأولى كانت دائما: أن يتمسك بدوره كفنان، لا كلاعب سياسى مباشر.
سعاد حسنى: الحب الذى لا يحتاج إلى حكم نهائى
على صعيد العلاقات العاطفية، يبقى اسم سعاد حسنى الاسم الأكثر اقترانا بعبد الحليم حافظ؛ وبين نفى الأسرة وإثبات بعض المقربين، ظل السؤال عن زواجهما سرا معلقا فى منطقة لا يبددها اليقين؛ غير أن قيمة ما يرويه هشام عيسى ليست فى حسم الجدل بقدر ما هى فى إضاءة طبيعة العلاقة.
بحسب روايته، بدأت الشرارة فى فيلم «البنات والصيف»؛ حين جسدت سعاد، فى بداياتها، دور شقيقة عبد الحليم، بينما كان هو يتمنى أن يتحول الدور إلى الحبيبة. ثم توهجت العلاقة أكثر فى رحلة المغرب سنة 1961، فى إطار بعثة فنية نظمتها إذاعة صوت العرب لإحياء حفلات لصالح ضحايا زلزال أغادير. ضمت البعثة عددا كبيرا من الفنانين، وجابت أنحاء المغرب، على هامش الرحلة عاش العاشقان أسعد أيامهما – وفقا لوصف الكاتب – وارتشفا رحيق حب كاملا؛ حتى انهما اتفقا على مستقبل الحياة؛ حيث تعيش سعاد فى بيت حليم بعد عقد القران ولم يكن مقررا سوى إعادة تأثيث غرفة النوم؛ وأثناء الرحلة عثر العريس وعروسه على سرير نحاسى واعتزما شراءه ودفعا ثمنه؛ واتفقا مع البائع على حجزه لحين شحنه للقاهرة، وكانت تلك المهمة الموكلة للإذاعى وجدى الحكيم؛ الذى تفاجأ أثناء وجوده فى المغرب بمكالمة من حليم يقول له «متشحنش السرير.. سعاد ألغت الزواج».

فى هذه النقطة تحديدا، يبدو من الحكمة ألا ننشغل كثيرا بإصدار حكم نهائى فى شأن بقى وسيبقى على الأرجح، من أسرار النجوم؛ فعبد الحليم وسعاد أكبر بكثير من أن تختزل قيمتهما فى جدل لم يُحسم، وأسمى من أن يُستهلكا فى سؤال: هل تم الزواج أم لم يتم؟ يكفى أن العلاقة -كيفما كانت صورتها النهائية- تركت أثرا عميقا فى حياة الاثنين، وأنها بقيت واحدة من أكثر قصص الوسط الفنى العربى إثارة للشجن والخيال.
الحب والمرض والغناء
يضع هشام عيسى عنوانا بالغ الدقة لحياة العندليب: «الحب والمرض والغناء». وهو بالفعل مثلث وجوده؛ ففى الحب، يبدو عبد الحليم كما لو أنه كان يفتش عن اكتمال مستحيل؛ يذكر الكتاب أكثر من علاقة لفتيات مصريات وعربيات، بل وأجنبية أيضا، لكنه يلمح خصوصا إلى سيدة بالغة الجمال لم يُفصح عن اسمها، لم تتكلل علاقته بها بالزواج لأنها كانت متزوجة، ويقال إنه خصها بأغنية «بتلومونى ليه».
وربما وجد حليم نفسه فى أبيات نزار قبانى: «مقدورك أن تمضى أبدا فى بحر الحب بخير قلوع، وتكون حياتك طول العمر كتاب دموع». يبدو أن حليم فتّش عن حبه فى كل مكان، وسأل موج البحر وفيروز الشطآن، وجاب بحارا وبحارا وفاضت دموعه أنهارا وكبر حزنه حتى أصبح أشجارا ورجع مهزوما مكسور الوجدان؛ مكتشفا فى نهاية عمره أنه كان يطارد خيط دخان. أما الغناء فكان المعنى الذى أنقذه، والميدان الذى منح هذا الألم صورة قابلة للعيش؛ حتى المرض نفسه لم يكن يخيفه لذاته بقدر ما كان يخيفه لأنه قد يعطله عن الغناء. فى أمريكا، عرض عليه حل جراحى لتجاوز خطر النزيف عبر توصيل الوريد القادم من الأمعاء بالوريد الرئيسى الذاهب إلى القلب من دون المرور على الكبد. لكن هذه العملية كانت ستؤدى إلى مرور الأمونيا إلى المخ، بما يسبب نوبات من الغياب عن الإدراك. ورفضها حليم بعبارة شديدة الدلالة: «يعنى أكون بغنى زى الهوا وفجأة ألاقينى فى موعود». لم يكن يريد حياة بلا وعى، ولا غناء يفقد فيه السيطرة على نفسه.

عبد الوهاب ــ فريد ــ أم كلثوم
يخص الكتاب محمد عبد الوهاب بمساحة كبيرة وهو أمر مفهوم تماما؛ فالعلاقة بينهما شكّلت واحدا من أعظم الثنائيات فى تاريخ الأغنية العربية؛ من «توبة» إلى «أهواك» و«أنا لك على طول» و«ظلموه» و«نبتدى منين الحكاية» و«فاتت جنبنا»، وصولا إلى «من غير ليه» التى غناها عبد الوهاب بعد رحيل حليم، تبدو هذه الشراكة كأنها فصل قائم بذاته فى الموسيقى العربية الحديثة. والمفارقة أن الطريق إلى هذه العلاقة لم يكن ممهدا سبق ورفضت لجنة الإذاعة عبد الحليم مرتين وكان عبد الوهاب ضمن أعضائها، كذلك فشلت محاولات مجدى العمروسى أن يقنع موسيقار الأجيال بسماع صوت الفنان الصاعد عبدالحليم؛ لكن سوء الطالع فى البداية انقلب إلى حسن طالع فى ما بعد، فصار عبد الحليم الصوت الذكورى الأوفر نصيبا من ألحان عبد الوهاب.
وعلى خلاف العلاقة الفنية الوثيقة التى جمعت عبد الحليم حافظ بموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، فإن علاقته بالموسيقار فريد الأطرش لم تشهد تعاونا فنيا مباشرا؛ إذ لم يغنِّ حليم أيّا من ألحان فريد طوال مسيرته، وهو ما فتح الباب أمام شائعات عن خلافات متكررة بينهما. غير أن عبد الحليم نفسه حاول فى أحد لقاءاته مع الإعلامى سمير صبرى تبديد هذه الروايات، مؤكدا أنه لم يتعمّد يوما تجاهل ألحان فريد، بل كان يتمنى أن يغنى له، بل وأفصح عن رغبته فى تقديم أغنية الربيع بصوته.
ويروى الدكتور هشام عيسى أن فريد الأطرش أبدى استياءه من أغنية «مداح القمر» التى قدّم فيها عبد الحليم مقطعا شهيرا من القدود الحلبية: «قدّك المياس يا عمري… أيقظ الإحساس فى صدرى، أنت أحلى الناس فى نظرى… جلّ من سواك يا عمرى». وقد علّق فريد ساخرا: «أما كفى بليغ وحليم إفساد الفلكلور المصرى، مالهم بالفلكلور الشامى!». ومع ذلك، تبقى هذه المناوشات فى إطار المنافسة الفنية الطبيعية بين الكبار، ولم تكن يوما قادرة على حجب القيمة الفنية لكل منهما أو التأثير فى العلاقة الإنسانية بينهما؛ بدليل أن عبد الحليم انهار باكيا حين بلغه خبر وفاة فريد الأطرش.

وإذا كانت هذه واحدة من مناوشات الوسط الفنى، فإن المناوشة الأشهر فى مسيرة عبد الحليم ربما كانت تلك التى جمعته بكوكب الشرق أم كلثوم فى إحدى حفلات عيد الثورة . فقد اعتبر حليم تأجيل ظهوره حتى تنتهى أم كلثوم من وصلتها الغنائية نوعا من «المقلب»، وهو ما ترك أثرا من التوتر بينهما. وقد شاع لاحقا أن عبد الحليم اعتذر لها، غير أن الدكتور هشام عيسى يروى كواليس هذا الاعتذار؛ إذ تم بوساطة عازف الكمان الشهير أحمد الحفناوى، الذى اصطحب عبد الحليم إلى كواليس إحدى حفلات أم كلثوم، وقال لها: «حليم يود أن يقبّل يد الست»؛ ثم ساد الصمت لحظة مشحونة، قبل أن تنهى أم كلثوم الموقف بعبارتها المقتضبة: «خلاص يا أستاذ… خلاص، اتفضل»، فى جفاء خفيف ربما لم ينسه العندليب بسهولة.
ومع ذلك، لم تكن تلك نهاية الحكاية بينهما؛ إذ يروى الدكتور هشام عيسى واقعة طريفة جرت خلال حفل زفاف ابنة الرئيس أنور السادات، الذى أحيته أم كلثوم مع عبد الحليم. كان من المفترض أن تبدأ أم كلثوم الحفل بوصلة غنائية، ثم يدخل عبد الحليم، لتعود بعد ذلك بوصلتها الثانية قبل أن يختتم العندليب الحفل؛ غير أن عبد الحليم، بحجة ظروفه الصحية، طلب من السيدة جيهان السادات التوسط لدى أم كلثوم ليقدم وصلتيه متتاليتين ثم يغادر مبكرا، فوافقت أم كلثوم على ذلك.
لكن ما حدث بعد ذلك كان مفاجئا؛ إذ أطال عبد الحليم الغناء أكثر مما كان متوقعا، ولم يغادر القاعة كما وعد، بل جلس بين الحضور بعد انتهائه من الغناء يصفق بحرارة لأم كلثوم ويهتف مرارا: «الله عليكى يا ست». وهكذا امتد الحفل حتى الثانية فجرا؛ وربما كذلك رد حليم المقلب للست.
يوم الحفلة: بين المجد والطوارئ
لو عشنا يوما واحدا من حياة عبد الحليم، خاصة يوم الحفلة، لاكتشفنا إلى أى حد كان النجاح عنده يُنتزع انتزاعا من المرض. كان ينام نهارا نوما عميقا، ثم يستيقظ ليتناول جرعات كثيفة من الأدوية، منها ما يخص الالتهابات المزمنة فى الحلق واللوزتين، إذ لم يكن يستطيع استئصالهما خشية أن يتغير صوته. فإذا مرت الحفلة بسلام، من دون نزيف، اتجه بعد ذلك إلى شيراتون الجيزة مع مجموعة من الأصدقاء. أما إذا أعلن الجسد طوارئه، انقلب كل شىء فجأة، واستُدعى المتبرعون الجاهزون بين صفوف الجمهور، وعادت المأساة لتفرض نفسها على الليلة كلها.
هكذا انقسمت حياة عبد الحليم بين الغناء والعلاج، وبين شبح الحب وموعد المرض. ولم يكن هذا الانقسام يزيده قداسة كما يحب البعض أن يروّج، بل كان يؤثر بالفعل فى إنتاجه الفنى وفى طاقته النفسية؛ إذ كان يقضى نصف العام تقريبا على سرير العلاج. ومع ذلك، بقى صوته قادرا على أن يصل إلى الناس كأنه خالٍ من الشروخ.
فى النهاية، يقدم كتاب الدكتور هشام عيسى عبد الحليم حافظ على حقيقته المركبة: رجلا عاش بين الحب والوجع، وبين المجد والخوف، وبين التصفيق والوحدة. لقد كان عبد الحليم حافظ أكبر من مجرد مطرب ناجح، وأبعد من مجرد مريض شجاع، وأعمق من مجرد قصة عاطفية معلقة. كان سيرة زمن عربى كامل، بصعوده وانكساراته، بأغنياته الوطنية والعاطفية، بأحلامه التى كبرت ثم انكسرت ثم نهضت لتغنى من جديد.