ربيع وهبة يكتب: الطيبات والسموم الرقمية - البطل اللابطل بين الفاعلية والاستلاب
آخر تحديث: الأحد 28 يونيو 2026 - 5:56 م بتوقيت القاهرة
من واقع ما أمارسه من أبحاث وترجمات، اعتدت النظر إلى كثير من الظواهر اليومية من زاويا مختلفة؛ فما إن أجد نفسي أمام فكرة جديدة تجذب الناس أو شخصية يزداد أتباعها يومًا بعد يوم، حتى يبدأ مشهد مألوف في التشكل داخل رأسي؛ يقفز فرويد بتفسيراته النفسية، ويتقدم نيتشه بتعليقاته الحادة، وربما يحاول ماركس أن يقول كلمته في الخلفية.
تتداخل أصوات كثيرة داخل عقلي في حوار معقد لا ينتهي حول الإنسان وحاجته الدائمة إلى المعنى واليقين والخلاص.
ولعل مفهوم القابلية للإيحاء هو أحد المفاهيم التي ظلت تطاردني منذ سنوات. أستدعيه وأنا أتأمل اصطفاف الناس حول فكرة أو ظاهرة أو حركة تتوسع بسرعة، أو شخصية تتحول شيئًا فشيئًا إلى مرجعية يلتف حولها الأتباع أو المريدون.
أتساءل: ما الذي يخلق أتباعًا للفكرة؟ وما الذي يجعلها تتشعب لاحقًا إلى تيارات متعددة، بعضها يحافظ على النص الأصلي، وبعضها يصبح أكثر راديكالية من صاحب الفكرة نفسه؟
ربما كان الإنسان في كل العصور قابلًا للإيحاء بدرجات مختلفة. ولا يفترض أن نعتبر ذلك عيبًا أو ضعفًا، فمعظم ما نتعلمه في حياتنا يأتي أصلًا من التقليد والتأثر بالآخرين. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الحاجة إلى التعلم مجرد حاجة إلى اليقين، وعندما يغدو الإعجاب بفكرة أو شخص تعطيلًا للقدرة على التساؤل. عندها يظهر البطل! ليس بالضرورة البطل التاريخي أو السياسي، بل أي شخص يبدو قادرًا على اختصار تعقيد العالم في مجموعة قليلة من الإجابات الواضحة والمطمئنة.
لقد لفت انتباهنا جميعًا خلال الشهور الماضية صعود نموذج غريب من "الأبطال" على المنصات الرقمية. وأضع كلمة الأبطال بين قوسين لأن أصحاب هذه النماذج لا يشبهون الصورة المعتادة للبطل التي عرفناها طويلًا. فنحن اعتدنا البطل الذي يدعو إلى فضيلة، أو يبشر بمشروع، أو يحفز الناس على النجاح، أو يعدهم بمستقبل أفضل. أما النموذج الجديد فيأتي غالبًا من باب مختلف. إنه لا يبدأ بالبناء بل بالهدم؛ يهدم مسلمات مستقرة، يشكك في عادات يومية، يفتح ملفات اعتدنا التعامل معها بوصفها حقائق لا تحتاج إلى مراجعة.
ومن أكثر الظواهر إثارة للاهتمام خلال الأسابيع الأخيرة ظاهرة "الطيبات" التي ارتبطت باسم الطبيب ضياء العوضي. ولست هنا بصدد مناقشة النظام نفسه، ولا الحكم على نتائجه، ولا حتى تقييم التجارب الفردية للناس معه. فهذه أمور تحتاج إلى مختصين وإلى دراسات طويلة، لكن ما يثير فضولي هو شيء آخر تمامًا.
لا أحد يعرف لماذا ينجذب هذا العدد من الناس إلى هذه الفكرة؟ وما الذي يجعل بعضهم يغير نمط حياته اعتمادًا عليها؟ فهل نحن أمام مثال على الفاعلية الذاتية أم مثال جديد من أمثلة الاستلاب؟
قد يبدو السؤال مستفزًا! لأن كلمة الاستلاب تحمل دلالة سلبية في أذهان كثيرين. لكن ما أقصده هنا أبسط بكثير: إلى أي مدى يتخذ أي فرد منا قراراته بناء على اقتناع شخصي أو استنادًا إلى البحث أو التجربة؟
والأهم إلى أي مدى أجد أمامي شخصًا يبدو واثقًا من نفسه إلى درجة تغريني بالاطمئنان إلى يقينه؟ خاصة لو وجدت أناسًا أثق فيهم وأقرب إلى عواطفي وأهوائي يسيرون على هذا النهج؟
ما يميز هذه الحالة أن دوافع الناس فيها تبدو مشروعة تمامًا. فليس سرًا أن كثيرًا من البشر فقدوا ثقتهم في جزء كبير من أنماط الحياة الحديثة. كما أن هناك قلقًا حقيقيًّا من الغذاء الصناعي، ومن الأمراض المزمنة، ومن الاستهلاك المفرط، ومن هيمنة الشركات الكبرى على تفاصيل الحياة اليومية.
وفي مواجهة كل ذلك، من الطبيعي أن يبحث الناس عن بدائل. لكن البحث عن البديل شيء، والتوقف عن طرح الأسئلة والتحقق من الأمور شيء آخر.
هنا نستطيع أن نتخيل مقياسًا بسيطًا يمتد بين قطبين: قطب الفاعلية الذاتية: أقرأ وأبحث وأسأل وأجرب وأراجع نفسي، وقد أقتنع اليوم بما أرفضه غدًا إذا ظهرت لي أدلة جديدة؛ والقطب الآخر الاستلاب: لا تعود الفكرة محل اختبار، بل تصبح جزءًا من الهوية. ولا يعود صاحب الفكرة شخصًا يمكن الاتفاق معه أو الاختلاف حوله، بل يتحول إلى مرجع يمنح اليقين في عالم يزداد اضطرابًا وهلعًا.
والأرجح أن أغلب الناس لا يقفون عند أحد القطبين بالكامل، بل يتحركون بينهما بدرجات متفاوتة. ولهذا لا يبدو السؤال المهم هو: هل الطيبات نظام صحيح أم خاطئ؟ بل: هل تجعلنا أكثر قدرة على التفكير استنادًا إلى تجاربنا وخبراتنا الذاتية، أم نحن في حاجة إلى من يفكر بالنيابة عنا؟
والتفصيل الأهم: كيف يمكنني أن أفكر بنفسي، وما هي المؤهلات والمهارات التي تمنحني هذه القدرة؟
لا تخص هذه الاسئلة نظامًا غذائيًا بعينه، لكنها تمتد لتشمل عشرات الظواهر التي تتكرر حولنا كل يوم.
في زمن الاستهلاك السريع وفي ظل تنافس الشركات والمنصات والمؤثرين على جذب الانتباه والترويج لسلع وخدمات لا قيمة لها، ربما تصبح المحافظة على حقنا في التساؤل والمراجعة أهم من المحافظة على أي يقين جاهز، مهما بدا مطمئنًا أو جذابًا.
اليوم يختلف الناس حوّل نوع الطعام المناسب أو حول جدوى نظام غذائي معين. لكن شيئًا فشيئًا يتشكل استقطاب من نوع آخر. اذ يرى كل طرف نفسه في موقع التحرر، ويرى الطرف الآخر في موقع الخداع أو التبعية.
انظر حولك إلى أنصار نظام الطيبات الذين يرون أنهم تخلصوا من أوهام الصناعة الغذائية الحديثة، ومن سلطة الشركات التي تتربح من المرض أكثر مما تتربح من الصحة.
في المقابل يرى المعارضون لهذا النظام أننا أمام نموذج جديد من التأثير الرقمي قد يدفع بعض الناس إلى تبني قرارات صحية ذات آثار وخيمة وتزداد خطورتها إذا استبدلوا النصيحة الطبية بالثقة المطلقة في شخص واحد أو فكرة واحدة.
دعونا نفكر في الكيفية التي نتعامل بها مع الحقيقة، ونعرف كيف نبحث ونفكر ونجرب ونراجع أنفسنا، بدلًا من الانتقال من يقين جاهز إلى يقين جاهز يحل محله؟
الخطوة الأولى في هذا المسار تبدأ بتفكيك ظاهرة المؤثرين ومحاولة فهم علاقتها باقتصاد المنصات الرقمية. فذلك الاقتصاد لا يكافئ بالضرورة الجمهور الأكثر استقلالًا ونقدًا.
المتابع الذي يشكك ويسأل ويقارن ويغادر بسهولة ليس هو المتابع الأكثر ربحية. أما المتابع الذي يثق وينتمي ويدافع ويعود كل يوم طلبًا لجرعة جديدة من اليقين، فهو أكثر قيمة بكثير في عالم الانتباه الرقمي.
فإذا كان الأمر كذلك، يحق لنا أن نسأل: هل أصبح الاستلاب مجرد عرض جانبي غير مقصود؟ أم أنه تحول إلى نموذج اقتصادي قائم بذاته؟
ذلك سؤال آخر، وربما قصة أخرى تحتاج إلى فحص وتأمل.
* ربيع وهبه - باحث ومترجم