المؤشر العالمي للفتوى يصدر العدد 51 من نشرة فتوى تريندز: فيلم برشامة يشعل الجدل الديني والرقمي
آخر تحديث: الخميس 25 يونيو 2026 - 4:24 م بتوقيت القاهرة
آلاء يوسف
- الفن يتصدر خريطة التريندات الإفتائية في مصر.. و% 65 من التريندات العربية موضوعات عامة
- من برلين إلى المنصات الرقمية.. تصاعد الدعوات لحماية المقدسات وتعزيز التعايش دوليا
أصدر المؤشر العالمي للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، العدد رقم (51 – مايو 2026) من نشرة (فتوى تريندز)، الذي يسلّط الضوء على خريطة الفتاوى والموضوعات الدينية الأكثر تداولًا وتأثيرًا في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي خلال الشهر.
وكشف العدد عن مشهد ديني وإفتائي بالغ الثراء والتنوع، إذ تصدرت القضايا الجدلية ذات الأبعاد الاجتماعية والثقافية والإعلامية قائمة الموضوعات الأكثر تداولًا، بالتوازي مع تصاعد الاهتمام بالتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي ومخاطر الفضاء الإلكتروني، فضلًا عن استمرار حضور القضايا المرتبطة بالشعائر الدينية الموسمية والفتاوى الاقتصادية المعاصرة، والتحديات الفكرية والمجتمعية التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية.
برشامة يشعل الجدل
أظهر التحليل الموضوعي والإحصائي في مصر على وسائل التواصل، هيمنة واضحة للموضوعات التي تدمج بين الدين والإعلام والفن والسلوك الاجتماعي على حساب الفتاوى المعتادة، إذ أظهرت نشرة "تريندز"، أن المشهد الإفتائي والديني في مصر خلال شهر مايو شهد تصاعدًا ملحوظًا في تفاعل الجمهور مع القضايا الجدلية والمثيرة للنقاش المجتمعي.
وتصدر الجدل المرتبط بفيلم «برشامة» وتصريحات أحد الفنانين حول الصحابة قائمة التريندات الدينية بنسبة تفاعل بلغت (28%)، ونال فيلم "برشامة" الاهتمام الجماهيري الأكبر عقب طرحه على إحدى المنصات الرقمية.
وأوضح مؤشر الفتوى، في نشرته، أن الجمهور المتلقي انقسم تجاه الفيلم إلى تيارين: تيار محافظ (والذي شكّلت كثافته الانفعالية تفاعلًا سلبيًّا تقاربت نسبته إلى 40%)؛ الذي رأى في الفيلم جرأةً آثمة على المقدسات والرموز الفقهية من خلال زج أسماء أئمة كبار، كالإمام أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل، في إيفيهات كوميدية، فضلًا عن تشبيه الشخص المتدين بالجاهل والرجعي.
وفي المقابل، جاء التيار المؤيد الذي يحمل رؤية إيجابية تجاه الفيلم بنسبة تفاعل اقتربت من (50%)، معتبرًا العمل نقدًا اجتماعيًّا مشروعًا للتدين الشكلي واستغلال الدين، في حين لعبت المنصات الرقمية، وخاصة تداول المقاطع القصيرة عبر منصة "تيك توك"، دورًا حاسمًا في تضخيم الأزمة، والتزمت النسبة الأخرى الباقية بموقف الحياد تجاه العمل الفني.
وفي إطار آخر، أشارت نشرة "فتوى تريندز" إلى أن (68%) من التفاعل الجماهيري مع الفتوى التي تُجيز الأضحية بالطيور جاءت رافضة لها تمامًا؛ لاعتبارها خروجًا عن إجماع المذاهب الأربعة وتصادمًا مع المعلوم من الدين بالضرورة، بينما تعاملت (22%) من التعليقات مع الموضوع ذاته من منظور ساخر وكوميدي (ميمز ونكات شعبية مثل: "أضحية كنتاكي")، واكتفت نسبة ضئيلة جدًّا بلغت (10%) بالدفاع عن الفتوى من باب حق الاجتهاد الفقهي واستدعاء الآراء المهجورة في التراث.
الإفتاء تشتبك بالمراهنات الإلكترونية
واحتلت فتوى دار الإفتاء، بتحريم المراهنات الإلكترونية وتطبيقات القمار الرقمي المرتبة الثالثة محليًّا بنسبة (15%) من إجمالي تريندات الفتاوى والموضوعات الدينية التي أحدثت تفاعلًا وصدى على وسائل التواصل، وأظهر تحليل البيانات تجاه تلك الفتوى نجاحًا منقطع النظير لدار الإفتاء؛ إذ حظي بيانها بتفاعل إيجابي ومؤيد واسع بلغت نسبته نحو (74%) من إجمالي التفاعلات الجماهيرية والشعبية.
وبرهنت الفتوى، على قدرة دار الإفتاء على الاشتباك السريع والفعال مع مستجدات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي من جهة، وحماية الشباب والأسرة من الإدمان السلوكي والخسائر المالية المحرمة من جهة أخرى.
وسلّطت نشرة تريندز الضوء على تنامي اهتمام المؤسسات الدينية بالقضايا المجتمعية والسلوكية المستجدة، ومن أبرزها التحذير من انتشار مقاطع مصورة بين بعض المراهقين تتضمن تناول أدوية منومة بغرض تحقيق المشاهدات والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، وهي الظاهرة التي أثارت حالة من القلق المجتمعي الواسع، وشهدت تفاعلًا كبيرًا من جهات دينية وطبية ونفسية وأسرية، بما يؤكد اتساع دور المؤسسات الدينية في رصد الظواهر المجتمعية والتوعية بمخاطرها.
وفي الإطار ذاته، تناولت النشرة، عددًا من القضايا ذات الطابع التنظيمي والإرشادي، من بينها التأكيد على عدم جواز ذبح الأضاحي في الشوارع؛ حفاظًا على النظام العام والصحة العامة، إضافة إلى الجدل المرتبط بعمليات التجميل وضوابطها الشرعية، وهي موضوعات وإن جاءت بمعدلات تفاعل أقل من القضايا الجدلية، إلا أنها عكست تزايد الوعي المجتمعي بالقضايا المرتبطة بالسلوك الحضاري والبيئة والصحة العامة.
مرجعية أساسية في مواجهة الجدل
وخلصت نتائج الرصد والتحليل، إلى استمرار الثقة المجتمعية في دار الإفتاء المصرية والمؤسسات الدينية الرسمية بوصفها المرجعية الأساسية القادرة على تفسير القضايا المستجدة وضبط المفاهيم الشرعية في أوقات الجدل والاستقطاب، حيث كشفت العديد من التريندات أن الجمهور لا يزال يلجأ إلى منصات دار الإفتاء طلبًا للتوضيح والتفسير والحسم العلمي في القضايا المثيرة للجدل.
وأظهرت المؤشرات، تنامي الحاجة إلى خطاب ديني مؤسسي قادر على التعامل مع طبيعة البيئة الرقمية الجديدة، التي أصبحت تحكمها سرعة التداول وكثافة المحتوى واختصار الرسائل الإعلامية، وهو ما يفرض على المؤسسات الدينية مواصلة تطوير أدواتها الإعلامية والتواصلية بما يتناسب مع طبيعة الجمهور المعاصر.
التريندات العربية والخليجية
وعلى المستوى العربي والخليجي، أظهرت النشرة، تنوعًا ملحوظًا في القضايا والفتاوى المتداولة، واستحوذت تريندات الموضوعات والقضايا على نحو (65%) من إجمالي التريندات، مقابل (35%) فقط لتريندات الفتاوى، بما يعكس تحولًا ملحوظًا في اهتمامات الجمهور الرقمي من البحث عن الأحكام الشرعية المباشرة إلى التفاعل مع القضايا الدينية ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية والفكرية والمؤسسية.
وجاءت المملكة العربية السعودية، في صدارة قائمة الدول الأكثر حضورًا في تريندات الفتاوى والموضوعات الدينية على مستوى النطاق العربي والخليجي بنسبة بلغت (37%)، إذ تصدرت الفتاوى المرتبطة بموسم الحج وعشر ذي الحجة المشهد، بجانب التفاعل مع تحذيرات وزارة الشئون الإسلامية من مخاطر توظيف الذكاء الاصطناعي في نشر الفتاوى المضللة، فضلًا عن المبادرات الداعية إلى تعزيز الوسطية ومواجهة خطاب الكراهية.
وفي ليبيا، تصدرت فتاوى المعاملات المالية الحديثة المشهد، وعلى رأسها الأحكام الشرعية المتعلقة ببيع الفضة عبر الإنترنت وضوابط التقابض الإلكتروني، أما في سوريا، فتداخلت القضايا الإفتائية مع الملفات المجتمعية والسياسية، إذ شهدت الساحة الدينية تفاعلًا مع مبادرات تعزيز السلم الأهلي ووحدة الخطاب الإسلامي، بجانب الجدل حول بعض الفتاوى المرتبطة بالأضحية.
وفي قطر، برز اهتمام واسع بإطلاق خدمات دينية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لدعم الحجاج عبر تطبيقات التواصل الحديثة.
وفي تونس، استحوذت الفتاوى المرتبطة بالأضحية والاستطاعة الشرعية في ظل ارتفاع الأسعار على جانب كبير من النقاشات، إلى جانب الجدل حول قضايا المرأة ودورها المجتمعي.
ورصدت النشرة، تفاعلًا واسعًا في الأردن مع الفتاوى المتعلقة بأفضلية الأضحية على التصدق بثمنها، بينما شهدت فلسطين نقاشات موسعة حول بعض الرخص الفقهية المرتبطة بمناسك الحج، وخاصة مسألة رمي الجمرات قبل الزوال للحجاج المتعجلين.
وفي السودان، برزت فتاوى جواز شراء الأضحية بالتقسيط وصيام قضاء رمضان خلال الأيام الأولى من ذي الحجة، في حين تصدرت في الإمارات النقاشات المرتبطة بضرورة إصدار فتاوى تواكب متغيرات العصر، بجانب التفاعل مع قضايا الخطاب الديني وعلاقته بالتطورات الإقليمية، وتعكس هذه التريندات مجتمعة اتساع نطاق القضايا الدينية المتداولة عربيًّا، وانتقال الاهتمام من المسائل الفقهية التقليدية إلى قضايا أكثر ارتباطًا بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية التي تشهدها المجتمعات العربية.
حماية الحريات الدينية
وعلى المستوى الدولي، رصدت النشرة، استمرار تصدر القضايا المرتبطة بالهوية الدينية والتعايش المجتمعي وحقوق المسلمين في المجتمعات الغربية قائمة التريندات الدينية الأكثر تداولًا، حيث شهدت عدة دول أوروبية تفاعلات واسعة مع قضايا حرية ممارسة الشعائر الدينية وحماية الرموز والمقدسات الدينية من خطاب الكراهية والاستهداف المتكرر.
وبرزت نقاشات واسعة حول تزايد مظاهر الإسلاموفوبيا وخطابات اليمين المتطرف في بعض الدول، وما تفرضه من تحديات أمام جهود الاندماج المجتمعي وتعزيز ثقافة التعددية وقبول الآخر.
وتجددت المخاوف الأمنية عقب حادثة الاعتداء برذاذ الفلفل على مصلين داخل مسجد بحي "غيزوندبرونن" في برلين من قِبل شخصين قاما بتوثيق الاعتداء عبر نظارة مصوّرة، مما يبرز الحاجة لجهود دولية أوسع لمواجهة خطاب الكراهية.
ورصدت النشرة تفاعلًا لافتًا مع المبادرات والقرارات الرامية إلى حماية الحريات الدينية وتعزيز احترام التنوع الثقافي والديني، بجانب الاهتمام المتزايد بتوفير الخدمات والمرافق الملائمة للمسلمين داخل المؤسسات العامة، بما يعكس تنامي الاعتراف بالاحتياجات الدينية للمجتمعات المسلمة في عدد من الدول الغربية.
وشهدت الساحة الدولية كذلك نقاشات متعلقة بأمن دور العبادة وحمايتها في ظل تكرار بعض الحوادث ذات الدوافع الدينية، وما ترتب عليها من دعوات لتعزيز التشريعات والإجراءات الوقائية لمواجهة جرائم الكراهية.
وفي سياق متصل، برزت التحديات الرقمية بوصفها أحد أهم الملفات الدولية المرتبطة بالشأن الديني، حيث تزايدت المخاوف من توظيف الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في نشر المعلومات المضللة والمحتويات المحرضة على الكراهية أو التلاعب بالوعي العام، الأمر الذي دفع العديد من المؤسسات إلى المطالبة بوضع ضوابط أخلاقية وتشريعية تضمن الاستخدام المسئول للتقنيات الحديثة.
كما كشفت التريندات الدولية عن تنامي الاهتمام بدور المؤسسات الدينية في تعزيز قيم السلم المجتمعي والحوار بين الأديان، باعتبارها أحد أهم الأدوات لمواجهة الاستقطاب والتطرف وترسيخ التفاهم بين الثقافات المختلفة.
تعزيز الوعي الديني ومواكبة التحولات الرقمية
واختتمت النشرة بعددٍ من التوصيات والمقترحات، في مقدمتها ضرورة مواصلة تطوير أدوات الخطاب الديني الرقمي بما يتناسب مع أنماط التلقي الحديثة على منصات التواصل الاجتماعي، وتعزيز الحضور المؤسسي للجهات الإفتائية في معالجة القضايا المستجدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية.
وأوصت بتكثيف برامج التوعية بمخاطر المراهنات الإلكترونية والإدمان الرقمي، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والإعلامية والتربوية لمواجهة الظواهر السلوكية السلبية بين الشباب.
في حين دعت النشرة إلى دعم المحتوى الديني الرصين القادر على منافسة المحتوى المثير للجدل، وترسيخ ثقافة التحقق والتثبت قبل تداول الفتاوى أو التعليق عليها، بما يسهم في ضبط المشهد الإفتائي وتعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ قيم الاعتدال والتعايش والاستقرار المجتمعي.
وأكدت أن الرصد الدوري للتريندات الإفتائية والدينية يمثل أداة مهمة لاستشراف اتجاهات الرأي العام، ودعم صانعي القرار والمؤسسات الدينية والإعلامية في التعامل مع القضايا المستجدة، بما يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ قيم الاعتدال والتعايش والاستقرار.