المحللان ريتشارد هاس وديفيد ساكس: سياسات ترامب تفتح باب سيطرة الصين على تايوان بدون حرب

آخر تحديث: الثلاثاء 23 يونيو 2026 - 10:18 ص بتوقيت القاهرة

بكين - (د ب أ)

منذ قيام جمهورية الصين الشعبية تحت حكم الحزب الشيوعي وانشقاق جزيرة تايوان عن الصين الأم في نهاية الحرب الأهلية الصينية عام 1949، احتضنت الولايات المتحدة تايوان واعتبرت الدفاع عن بقائها مصلحة أمريكية عليا، في حين ظلت الحكومات الصينية المتعاقبة تؤكد تمسكها بعودة الجزيرة إلى السيادة الصينية.

وبعد أن أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، والقوة العسكرية التي يخشى منها في القرن الحادي والعشرين تؤكد حكومتا الولايات المتحدة والصين أن علاقتهما الثنائية هي الأهم في العالم، وتتفقان أيضاً على أن تايوان يمكن أن تكون الشرارة لنشوب الحرب بينهما.

وعندما زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصين في الشهر الماضي أصدرت الأخيرة بيانا تضمن تحذيرا كان الرئيس الصيني شي جين بينج قد وجهه لترامب وهو أنه إذا "تم التعامل مع تايوان بشكل سليم، فستتمتع العلاقات الثنائية باستقرار شامل"، أما إذا لم يتم ذلك، "فسيحدث صدام بين البلدين، بل وربما نزاعات، مما يعرض العلاقة برمتها لخطر جسيم".

في الوقت نفسه يبدو أن الرئيس الصيني يعتبر إحراز تقدم ملموس نحو إخضاع تايوان لسلطة الصين أمرا أساسيا لحكمه. ففي بداية رئاسه عام 2013، قال شي إنه لا يمكن الاستمرار في توريث قضية تايوان من جيل إلى جيل. ومنذ ذلك الحين، أكد أن السيطرة على تايوان أمر محوري لنهضة الصين، وهي مهمة يجب إنجازها بحلول عام 2049، أي بعد قرن من تأسيس جمهورية الصين الشعبية.

وفي تحليل مشترك نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال المحلل السياسي والدبلوماسي الأمريكي المخضرم ريتشارد هاس الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي وديفيد ساكس زميل برنامج الدراسات الآسيوية في مجلس العلاقات الخارجية إن شي يفضل السيطرة على تايوان دون إطلاق رصاصة واحدة رغم أنه أصدر تعليماته للجيش الصيني بالاستعداد لاحتمال الاستيلاء عليها بحلول 2027. فالحرب، حتى ضد خصم أضعف، محفوفة بالمخاطر، كما يتضح من غزو روسيا لأوكرانيا والحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران. كما أن شي يعلم أن استخدام القوة ضد تايوان سيأتي على حساب التنمية الاقتصادية لبلاده، لأن الولايات المتحدة وحلفاءها سيردون، على أقل تقدير، بحرمان الصين عن التكنولوجيا المتقدمة وفرض عقوبات اقتصادية ومالية قاسية عليها.

ويبدو أن شي استنتج أن الطريق الأضمن للسيطرة على تايوان دون حرب يمر عبر ترامب، الذي انتقد تايوان مرارا وشكك في جدوى الدفاع عن الجزيرة. وقد تجلى نفوذ شي في الأيام التي أعقبت قمة مايو، حيث استعار ترامب خطابا من بكين في تصريحاته حول السياسة الداخلية التايوانية، وأوقف صفقة بيع أسلحة معلقة لتايبيه.

ثم كرر ترامب ادعاءه بأن تايوان تسيطر على صناعة أشباه الموصلات الأمريكية، وأنه لا يريد للولايات المتحدة أن تخوض حربا بسبب تايوان التي تبعد 9500 ميل عنها. ولا يزال الدافع وراء تصريحات ترامب وتجاهله لعقود من السياسة الأمريكية بشأن مبيعات الأسلحة إلى تايوان غير واضح. قد يكون اعتقاده بأن هذا هو أفضل سبيل لتهدئة التوترات في مضيق تايوان وتجنب نشوب حرب فيه، أو أن هذا الموقف يعكس استنتاجا مفاده أن تقليص الدعم لتايوان ثمن مقبول للاستفادة من السوق الصينية أو لتحقيق انفراجة أوسع مع بكين.

في الوقت نفسه إذا تمكنت الصين من إحداث تغييرات في السياسة الأمريكية تجاه تايوان، ستتتعزز الشكوك حول مصداقية واشنطن، وهي شكوك تفاقمت بالفعل بسبب مواقف إدارة ترامب العام تجاه الحلفاء، بدءا من الحلفاء في آسيا وحتى الحلفاء في أوروبا، فقد يقتنع صناع القرار في تايوان أنه لا خيار أمامهم سوى السعي إلى تسوية بشروط بكين. ومن شأن هذا التطور إثارة قلق في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك تشكيك الحلفاء في آسيا في جدوى وضع أمنهم في يد واشنطن، مما سيؤدي إلى تحول حاسم في ميزان القوى لصالح بكين. وينبغي لصناع السياسة الأمريكيين إدراك حقيقة استراتيجية الصين وأن يتوقفوا عن التراجع عن التزامات الولايات المتحدة تجاه تايوان، لأن شي جين بينج يقترب، في الوقت الراهن، من تحقيق النجاح الذي يصبو إليه، بحسب هاس وساكس.

في قمة مايو ببكين، بدا أن شي بدأ تنفيذ خطوتين من خطته ـ الأولى إقناع ترامب بأن تايوان تسعى إلى الاستقلال الرسمي، وأنه ما لم تكبح واشنطن جماح تايبيه، فإن مثل هذه الخطوة تنذر بتصعيد قد يؤدي إلى حرب أمريكية صينية. وقد حققت كلمات شي النتيجة المرجوة، بتراجع ترامب الواضح عن الدعم التقليدي الأمريكي لتايوان

. أما الخطوة التالية، فكانت ضمان عدم موافقة ترامب على حزمة أسلحة معلقة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار، حيث قال إنه يعتبرها "ورقة تفاوضية قيّمة للغاية". وصرح ترامب للصحفيين خلال رحلة عودته من بكين بأنه ناقش مع شي جين بينج مبيعات الأسلحة "بتفصيل كبير"، في انتهاك لسياسة أمريكية راسخة تقضي بعدم التشاور مع الصين بشأن مبيعات الأسلحة إلى تايوان.

وحتى لو تمت الموافقة على صفقة الأسلحة في نهاية المطاف، فإنّ التأخير سيعود بالنفع على بكين، لا سيما وأن هذه الأسلحة لن تصل إلى الجزيرة إلا بعد سنوات من الموافقة على الصفقة. كما أن الهدف من وراء حث ترامب على رفض الصفقة هو إرساء سابقة مفادها أن واشنطن ستتشاور مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة المستقبلية، وإثارة الشكوك حول مصداقية الولايات المتحدة، مما يضعف عزم تايوان على الدفاع عن نفسها ويدعم المعسكر المؤيد للصين في الجزيرة.

في غضون ذلك، تكثف بكين ضغوطها على تايوان. فبعد أسابيع قليلة من قمة شي جين بينج مع ترامب، أطلقت الصين ما أسمته "عملية إنفاذ قانون بحري خاصة" قبالة الساحل الشرقي لتايوان، حيث تدخل حرس سواحلها في حركة الملاحة التجارية. كما دخل حرس السواحل الصيني أيضا المياه المحظورة قرب جزيرة تسيطر عليها تايوان في بحر الصين الجنوبي، وهو ما يستهدف تعزيز سعي بكين إلى بسط سيطرتها على المياه التايوانية ووضع الأساس لفرض حصار مستقبلي على الجزيرة.

في المقابل هناك أسباب وجيهة تجعل الولايات المتحدة ترفض السماح للصين بزرع الفتنة بين واشنطن وتايبيه. فمن الناحية العسكرية، تحتل تايوان موقعا استراتيجيا على طول سلسلة الجزر، الممتدة من اليابان مرورا بتايوان والفلبين. وإذا سيطرت الصين على تايوان، فسيكون من الأسهل عليها بسط نفوذها في المحيط الهادئ وتهديد الأراضي الأمريكية، وستجد الولايات المتحدة صعوبة بالغة في الدفاع عن حلفائها، ضد أي عدوان صيني. كما ستتمكن الصين من السيطرة على الممرات البحرية التي تعتمد عليها اليابان في الحصول على الطاقة والغذاء، مما يمنح بكين نفوذا هائلا على طوكيو.

كما أن السماح بوقوع تايوان تحت السيطرة الصينية سيشكل ضربة قاصمة للديمقراطية الليبرالية، حيث أقام شعب تايوان واحدة من أقوى الديمقراطيات في آسيا، رغم مواجهته تهديدا وجوديا من الجار الاستبدادي الأقوى منه بكثير.

في الوقت نفسه سيكون لأي حرب في تايوان آثار اقتصادية مدمرة. فبحسب وكالة بلومبرج للأنباء ستؤدي مثل هذه الحرب إلى انخفاض الناتج العالمي بمقدار 10 تريليونات دولار، وهي صدمةٌ أكبر من جائحة فيروس كورونا المستجد، لآن تايوان تنتج الجزء الأكبر من إمدادات أشباه الموصلات الأكثر تطورا في العالم، التي تستخدم في كل شيء بدءا من الهواتف الذكية وحتى الأسلحة وخوادم الذكاء الاصطناعي. كما أن سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي بأكملها تمر عبر تايوان، وتدعمها منظومة تضمّ مئات الشركات التايوانية.

ويرى هاس وساكس في تحليلهما المشترك أن استمرار سياسات ترامب الراهنة التي تعطي العلاقات التجارية والاقتصادية مع الصين أولوية على التحالف الاستراتيجي التاريخي مع بكين، يفتح الباب أمام انتصار الصين على تايوان واستعادة السيادة عليها بدون حرب، في حين أن الطريقة الأضمن لمنع نشوب حرب في مضيق تايوان أو استيلاء الصين على الجزيرة هي ألا تترك أي مجال لشك بكين في التزام الولايات المتحدة الصارم تجاه الدفاع عن الوضع الراهن لتايوان بكل الوسائل الممكنة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved