أبو الغيط: المشهد العربي ليس في أفضل حالاته.. والمخاطر تستوجب من الجميع اليقظة والتخوف على مستقبل المنطقة
آخر تحديث: الإثنين 22 يونيو 2026 - 8:42 م بتوقيت القاهرة
ليلى محمد
أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، أن المشهد العربي الراهن ليس في أفضل حالاته وبه من مواطن الضعف ومكامن الخطر ما يجب أن يحمل الجميع على اليقظة والانتباه بل والتخوف الشديد على مستقبل هذه المنطقة العامرة بطاقات الشباب وإمكانيات التفوق والسبق.
وقال أبو الغيط، في كلمة خلال الجلسة الافتتاحية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري بالدورة العادية المستأنفة 165، في الأردن، أن المنطقة لا زالت محاطة بحزامٍ من النار مهددةً في استقرارها، مستهدفةً في مقدراتها، و محرومةً من تحقيق المكانة التي تستحقها، وهي مكانة نعلم جميعاً أنها أكبر من وضعها الحاضر وأعظم شأناً من حالتها الراهنة.
وأوضح الأمين العام قائلا: "لقد توليتُ الأمانة العامة للجامعة في منتصف عام 2016، بعد سنواتٍ قليلة من أحداث جِسام عصفت باستقرار عدد من الدول العربية في 2011، وعشنا وعايشنا جميعا التبِعات المُرّة لهذه الأحداث، ولا نزال، لقد عايشنا الحروب الدامية التي يخرج المنتصرُ فيها مهزوماً بعد أن تتفكك البُلدان وتتفسخ المجتمعات، كما عشنا انقسام الوطن الواحد، وقد صوب أبناؤه بنادقهم إلى بعضهم البعض، فصار الباب مفتوحاً على مصراعيه للتدخلات والمؤامرات".
وأضاف: "لقد رأينا بقلوبٍ دامية تشرُد الملايين من أبناء هذه الأمة ونزوحهم في الداخل ولجوئهم في الخارج، بعد إخراجهم من بيوتهم، حتى صار اللجوء العربي ظاهرة عالمية تبعث على الأسى والحزن، وحتى صرنا نرى أطفالاً يقضون سنوات طفولتهم الباكرة بلا دراسة أو تغذية سليمة أو حياة طبيعية، وليس هناك ما يبعث على القلق والخوف أكثر من جيل ينشأ تحت أصوات البنادق وأزيز المُسيرات، أو في مواطن اللجوء والنزوح، كما عشنا أيضاً، ولا زلنا، تغول بعض الجيران في الإقليم وسعيهم إلى بسط النفود وفرض الهيمنة".
وأشار إلى دور الجامعةُ العربية المشهود في صياغة وحشد موقف عربي موحد تجاه تدخلات إقليمية مرفوضة ومُدانة في شئون دولها حتى وصلنا إلى المحطة الأخيرة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ووجدنا هذه الأخيرة تصوب نيرانها على عدد من دولنا العربية التي كانت -ولا زالت- تنشد حسن الجوار على أساس احترام السيادة وعدم التدخل في الشئون الداخلية.
وأعرب عن أسفه أن هذه الزلازل السياسية جعلت قضية فلسطين تتراجع، ليس في الحس والوجدان العربي، الذي ما زالت تحتل فيه مكانة لا تنازعها فيها قضية أخرى، وإنما على أجندة العالم ووسط أعاصير سياسية تجتاح المنطقة العربية.
وأضاف: "لم نشهد خلال هذه السنوات العشر عملية جادة لتحقيق السلام ينخرط فيها الطرف القائم بالاحتلال، وإنما تابعنا ترسيخاً للاحتلال الإسرائيلي وإرهاباً للشعب الفلسطيني من قِبل دولة الاحتلال والمستوطنين الموتورين المحتمين بقوتهم المسلحة، وتغولاً على الأرض الفلسطينية وأهلها بتوسيع الاستيطان الذي يهدف لتحقيق الضم فعلياً وجعل الدولة الفلسطينية مستحيلةً عملياً، كما رأينا قتلاً لعشرات الآلاف في غزة بلا وازع من ضمير،مشيرا إلى كونها إبادة حقيقية تستهدف المدنيين والمجتمع نفسه وبقاء الناس على أرضهم، في مخططات مكشوفة لتهجيرهم وطردهم، واصفا ما يحدث بالتطهير العرقي كامل الأركان".
وقال أبو الغيط: "قد يتصور البعض أن إسرائيل صارت بهذه الأفعال الاجرامية وغيرها دولةً مهيمنة إقليمياً ويتحدثون عنها أحياناً بوصفها "إسرائيل الكبرى"، بينما هي في الواقع دولة معزولة في العالم، موصومة في سمعتها وأساسها الأخلاقي، مرفوضة من كل أصحاب الضمائر الحية".
وأضاف: "لقد خسرت الكثير وستخسر أكثر إن هي اختارت التعامل مع محيطها بمنطق الحرب الدائمة وإشعال الحرائق"، مؤكدا أن الحرب لن تجلب أمناً أو سلاماً، بل تزرع كل مواجهة بذور المواجهة التالية كما رأينا في السنوات الماضية، و مشددا أن لا بديل عن حل الدولتين كصيغةٍ لإنهاء الاحتلال وإحلال السلام.
كما أكد أن هذا هو موقفنا ومبدؤنا وسعينا واختيارنا الذي دافعنا ونُدافع عنه إلى أن ترى الدولة الفلسطينية النور، ويعود للشعب الصامد البطل حقه المهدور.
وأشار أبو الغيط أن صيانة وتعزيز الأمن القومي العربي هو التحدي الأكبر أمامنا، مؤكدا أن لا يتحقق هذا الأمن، ويصير عربياً حقاً وقومياً فعلاً إلا إذ شعرت كل دولة بأنه يعبر عن مفاهيمها ويستجيب لشواغلها، وبحيث يكون جامعاً لأولويات الدول –كافة الدول- الأمنية وحاجاتها الاستراتيجية، وهي أولويات ليست متطابقة في كل الأحيان وإن كانت متقاربة في أغلب الأوقات.
وتابع إن الجامعة العربية، وبعد أن قضيت عقداً كاملاً أقود أمانتها، هي الأداة والمنصة المُثلى لإجراء حوار حقيقي وشفاف حول أولويات الأمن القومي العربي، مشيرا أن أمانتها العامة لديها من الإمكانيات وتراكم الخبرات التي تؤهلها لتنسيق هذا الجهد، الضروري والحيوي والمُلح، ومؤكدا أن الجامعة العربية، جامعتكم، هي أداةٌ فعّالة لتحقيق الأهداف، إن اجتمعت الإرادة، وصدق العزم.
كما شدد أن الجامعة العربية لا بديل لها كعنوان جامع ورمز ومعنى ومؤسسة لها اسهامها في تاريخنا الحديث، وحاضرة في واقعنا المعاصر، ومستمرة في المستقبل بإذن الله.
وأكد أنه لا بديل لها إن أردنا لمنطقتنا أن تبقى عربية، تعتز بعروبتها وتفخر بها، ولا كيان أو مؤسسة يُمكن أن يعوض مكانتها أو يملأ مكانها.
وقال الأمين العام إن الجامعة العربية ليست مجرد منتدى جامع للحوار والتنسيق السياسي، وإن كان هذا في ذاته مهمٌ وحيوي ولكنها أيضاً شبكة من المؤسسات والمجالس الوزارية والوكالات المتخصصة في شتى مناحي النشاط الإنساني.
وأعتبر الجامعة العربية أكبر وأشمل شبكة للتعاون والتنسيق العربي في مجالات متنوعة، من توحيد التشريعات، والربط الكهربائي والمواصلات، واتفاقيات التعاون الاقتصادي إلى المناهج التعليمية وتبادل الخبرات العربية في مجالات علمية واقتصادية وتعليمية واجتماعية وغيرها، كما أنها –قبل ذلك وبعده- الصوت العربي الموحد في المحافل السياسية الدولية، والممثل المناظر لتكتلات دولية تعرفها مختلف الأقاليم والمناطق، كالاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي وغيرهما، وهي جهة تنسيق بين القائمين على العمل العربي الدبلوماسي في الخارج، ويرتفع علمها في نحو خمسة وعشرين دولة ومنظمة دولية، مُعلناً عن وجود عربي جماعي وصوت عربي واحد.
وأختتم أبو الغيط حديثه قائلا:" إن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم، "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى". صدق الله العظيم، معربا عن تطلعه أن يكون قد كان مُخلصاً و قد أدى مهمته بقدر ما استطاع، قائلا: إن "أصبتُ فبتوفيقٍ من الله، وإن أخطأتُ فلي أجرُ الاجتهاد".