كتاب لعالم لاهوت نمساوي يفك شفرة ترامب
آخر تحديث: الثلاثاء 21 أبريل 2026 - 5:08 م بتوقيت القاهرة
فيينا- خالد أبو بكر
"لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" كتاب يشرح كيف يؤثر الإيمان والخطاب الديني في سياسة ترامب
المؤلف يربط بين أفكار الرئيس الأمريكي العقائدية وقراراته في السياسة الخارجية
الولايات المتحدة لا تدار فقط عبر مؤسسات سياسية ودستورية بل أيضا عبر منظومة رمزية شبه دينية
ليست كل الظواهر السياسية قابلة للفهم بأدوات السياسة وحدها، بعضها يتجاوز الحدث إلى ما هو أعمق، إلى البنية التي تنتجه، وإلى العقيدة التي تمنحه معناه. ومن هذا الباب تحديدًا، يكتسب كتاب اللاهوتي النمساوي أندرياس جورج فايس "ترامب.. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" "Trump .. Du sollst keine anderen Götter neben mir haben" قيمة استثنائية، إذ لا يقدّم قراءة لرئيس أمريكي فحسب، بل محاولة لفهم كيف يمكن للسلطة، في لحظة تاريخية معينة، أن تتحول إلى ما يشبه "الإيمان".
صدر الكتاب بالألمانية عام 2019، بعد الولاية الأولى لدونالد ترامب، عن دار "باتموس" للنشر بألمانيا، في وقت كان فيه كثيرون يتعاملون مع الرجل بوصفه استثناءً صاخبًا سرعان ما سينطفئ. لكن فايس اختار طريقًا مختلفًا؛ فلم يكتب عن ترامب كحالة عابرة، بل كعرض كاشف لتحول عميق في المجتمع الأمريكي، حيث تتداخل السياسة بالدين، ويتحوّل الرئيس إلى رمز يتجاوز دوره المؤسسي ليقترب من صورة "المنقذ" أو "المخلّص".
يضع فايس في قلب تحليله مفهومًا حاسمًا لفهم الظاهرة الترامبية، هو ما يُعرف بـ"الدين المدني الأمريكي" (Civil Religion). وهو مفهوم يشير إلى أن الولايات المتحدة لا تُدار فقط عبر مؤسسات سياسية ودستورية، بل أيضًا عبر منظومة رمزية شبه دينية، ترفع الوطنية إلى مستوى الإيمان، وتقدّس النجاح الفردي بوصفه علامة اصطفاء، وتحوّل الزعيم إلى رمز جامع يتجاوز حدود الوظيفة السياسية. هذا "الدين المدني"، بحسب الكتاب، ليس مجرد خلفية ثقافية، بل بنية عميقة لعبت دورًا حاسمًا في تمهيد الطريق لصعود ترامب.
في هذا السياق، لا ينشغل فايس بسؤال إيمان ترامب الشخصي بقدر ما يركّز على كيفية توظيف الدين داخل المجال السياسي؛ فالدين، في الحالة الأمريكية، ليس عنصرًا هامشيًا، بل أداة تعبئة، وجزء من تعريف الهوية الوطنية نفسها. ومن هنا، يصبح الخطاب الديني مكوّنًا أساسيًا في العمل السياسي، لا مجرد زينة خطابية أو مرجعية أخلاقية.
بهذا المعنى، لا يظهر ترامب في قراءة فايس كزعيم ديني، بل كمُعيد توظيف للرمزية الدينية داخل السياسة؛ يوظّف مفرداتها، ويستدعي بنيتها، ويخاطب جمهورًا معتادًا على فهم العالم من خلال ثنائيات ذات طابع إيماني. وهنا تحديدًا تتقاطع السياسة مع العقيدة، ويتحوّل الفعل السياسي من إدارة مصالح إلى إنتاج معنى.
اليوم، بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، تبدو صفحات الكتاب وكأنها لم تُكتب للماضي، بل للمستقبل. لقد سبق فايس كثيرين في إدراك أن فهم ترامب لا يمر عبر تصريحاته المتقلبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل عبر البنية الفكرية والعقائدية التي تحكم حركته.
فأثناء قراءة الكتاب، يصعب تجاهل مدى اقتراب هذا التفسير من واقع السياسة الأمريكية اليوم؛ فالكثير مما بدا قبل سنوات قراءة نظرية، يظهر الآن كأنه توصيف دقيق لمرحلة كاملة، حيث لم يعد الخطاب السياسي مجرد إدارة مصالح، بل بناء رمزي مشحون بمعاني الهوية والخلاص.
ومن هنا، لا يبدو هذا الكتاب مجرد عمل تحليلي، بل أقرب إلى "دليل قراءة" للرجل ونظامه. بل يمكن القول دون مبالغة إن من يتعامل مع ترامب، سياسيًا أو دبلوماسيًا أو إعلاميًا، يحتاج إلى هذا النص، ليفهم البنية المعرفية والعقائدية التي تصدر عنها قرارات الرئيس الأمريكي.
منذ العنوان، يضع اللاهوتي النمساوي القارئ أمام مفتاح التأويل: "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" وهو عنوان مستوحى من الوصية الأولى في الإنجيل. كما أنه ليس زينة بلاغية، بل مدخل إلى الفرضية المركزية للكتاب، وهى أن ظاهرة ترامب لا تُفهم فقط بأدوات السياسة التقليدية، بل عبر فهم علاقة الدين بالسلطة في الولايات المتحدة، وكيف يتحول الرئيس إلى مركز جذب رمزي يكاد يلامس التخوم اللاهوتية. في هذا السياق، لا تعود الشعارات الانتخابية مجرد أدوات تعبئة، بل تتحول إلى وعود خلاصية، من قبيل "اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" أو "إنقاذ الأمة".
فهرس الكتاب نفسه يكشف عن هذا الطموح التفسيري، والمقسم إلى ثلاثة أقسام، كل قسم يحتوي مجموعة فصول موزعة على 215 صفحة، يبدأ بـ"وصول غير المتوقع"، حيث تبدو الصدمة السياسية بفوز ترامب في ولايته الأولى أقرب إلى زلزال في الوعي، ثم ينتقل إلى «ترامب غير القابل للتحديد»، حيث تتكشف استراتيجياته الدينية والرمزية، قبل أن يصل إلى سؤال مقلق، هل أصبح ترامب جزءًا من النظام الذي جاء لهدمه، وهل يتحول الاستثنائي إلى قاعدة؟.
في ضوء هذا التحليل، تبدو سياسات ترامب، بما فيها الحرب التي شنها على إيران، امتدادًا طبيعيًا لهذه البنية الذهنية؛ فالعالم هنا لا يُقرأ كمجال مصالح، بل كساحة صراع أخلاقي، الخير مقابل الشر، الأمة مقابل العدو، الخلاص مقابل الانحدار. وبهذا المعنى، لا تظهر الحرب مجرد قرار استراتيجي، بل فعلًا منسجمًا مع تصور أوسع يرى القوة تعبيرًا عن رسالة، ويرى التراجع مساسًا بصورة «المنقذ».
حتى انتقاداته للبابا لاون الرابع عشر، مؤخرا في سياق تلك الحرب، لا يمكن فصلها عن هذا الإطار؛ فهي ليست مجرد خلاف سياسي، بل تعبير عن صدام بين تصورين للدين، دين يستخدم كأداة تعبئة وهوية وسيادة، ودين يرى في نفسه ضميرًا أخلاقيًا كونيًا، يضع حدودًا للعنف ويدعو إلى كبحه.
ولا يمكن إغفال أن خلفية المؤلف تضفي على العمل خصوصيته، فهو ليس محللًا سياسيًا تقليديًا، بل باحث في علم الأديان وعضو في "الأكاديمية الأمريكية للدين"، ما يمنحه زاوية نظر مختلفة ترى في السياسة امتدادًا لأسئلة المعنى والهوية، لا مجرد صراع مصالح.
ومع ذلك، قد تبدو قراءة فايس للبعض مبالِغة في إضفاء طابع لاهوتي على ظاهرة سياسية معاصرة، غير أنها، حتى في حال الاختلاف معها، تفتح بابًا يصعب تجاهله لفهم طبيعة العلاقة بين السلطة والرمز في زمن تتداخل فيه الحدود بين السياسة والعقيدة.
إن هذا الكتاب ليس عن ترامب بقدر ما هو كتاب لفهم ترامب؛ ففي زمن تتسارع فيه الأحداث، لا يكفي تتبع الوقائع، بل يصبح فهم ما وراءها ضرورة؛ ففي السياسة، كما في الحروب، لا تصنع الأحداث وحدها التاريخ، بل تصنعه أيضًا العقائد الخفية التي تحرك الرجال.