أمام محكمة السرقات العلمية.. هل يوجه الذكاء الاصطناعي أصابع الاتهام بالخطأ إلى باحثين أبرياء؟

آخر تحديث: الخميس 16 يوليه 2026 - 11:42 ص بتوقيت القاهرة

سان فرانسيسكو - (د ب أ)

أمام ظاهرة السطو على الأبحاث العلمية للآخرين، أصبحت الجامعات والمؤسسات البحثية في مختلف أنحاء العالم تلجأ إلى جيل جديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي بغرض تقييم الأوراق البحثية لتحديد ما إذا كانت نتاج بحث علمي حقيقي أو تندرج في إطار ما يعرف باسم الانتحال العلمي.

ولكن يتبادر إلى الذهن السؤال بشأن إذا كانت هذه التطبيقات تؤدي المطلوب منها بشكل حقيقي وفعال، وهل يجوز التوسع في استخدامها إذا كانت هناك أدنى فرصة لإصدار أحكام إدانة غير صحيحة بحق باحثين أبرياء اجتهدوا بالفعل في تنفيذ أعمالهم البحثية على اختلاف أنواعها. ومن المعروف في الأوساط العلمية أن بعض الباحثين المنحرفين يسرقون بالفعل نصوصا علمية من إعداد غيرهم، أو يبحثون عبر الانترنت عن ما يعرف باسم "الكاتب الخفي" وهو شخص متخصص يقوم بإعداد البحث بدلا من الباحث الحقيقي نظير أجر.

وأخيراً ظهر ما يعرف باسم "النماذج اللغوية الكبيرة" LLMs وهي تطبيقات تعمل بالذكاء الاصطناعي مثل "تشات جي.بي.تي" يمكنها ببساطة كتابة أوراق بحثية كاملة بدلا من الباحث الأصلي بكل سهولة ويسر.

وبحسب موقع "نيتشر" المتخصص في الأبحاث العلمية، شرع فريق من الأكاديميين في دراسة مدى كفاءة هذه النوعية من تطبيقات التقييم العلمي، حيث كشفت دراسة أجريت العام الماضي على أحد هذه التطبيقات ويحمل اسم "جي.بي.تي زيرو" أن التطبيق نجح في كشف كافة الأوراق البحثية التي تم تنفيذها بواسطة الذكاء الاصطناعي بفعالية تكاد تكون متناهية، ولكن نسبة الخطأ في معدل "النتائج الإيجابية الخاطئة" ويقصد بذلك المقالات التي صنفها التطبيق بأنها من إعداد الذكاء الاصطناعي في حين أنها نتاج عمل باحثين حقيقيين، بلغت حوالي 16%، وهو ما دفع الفريق البحثي إلى إصدار قراره بأن "مدى اعتمادية هذه التطبيقات في اكتشاف الأبحاث التي أعدها بشر بالفعل محدودة".

وكشف موقع "نيتشر" أيضا أن عدداً من مستخدمي تطبيق التواصل الاجتماعي "ريديت" أجروا تجربة علمية في هذا المجال، حيث أخضعوا "اعلان الاستقلال الأمريكي" الذي صدر عام 1776 للتقييم على بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتخصصة في رصد الانتحال العلمي، ولكن المفارقة أن بعض هذه التطبيقات خلصت إلى أن ما بين 95% إلى 100% من نص الإعلان مصنوع بواسطة برامج الذكاء الاصطناعي التوليدية.

ويرى الباحث مايك بيركنز من الجامعة البريطانية في فيتنام، ومقرها في هانوي، والذي يدرس تأثير الذكاء الاصطناعي على الأوساط الأكاديمية، أنه حتى لو كانت التطبيقات المتخصصة في اكتشاف الانتحال العلمي تؤدي عملها بكفاءة معقولة خلال الاختبارات التي تجرى تحت التحكم، فإنه ينبغي عدم الاستناد إلى هذه النتائج في إصدار أحكام يترتب عليها قرارات مهمة" بحق الطلبة والباحثين.

وأضاف في تصريحات لموقع "نيتشر" أن الشواغل الكثيرة التي تحيط بمعدلات النتائج الإيجابية الخاطئة لهذه التطبيقات تعني أنها لا يمكن الاعتماد عليها في إصدار قرار يتعلق بإدانة باحث أو طالب علم. وفي عام 2023، اختبر فريق بحثي من جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا الأمريكية مدى كفاءة تطبيقات رصد الانتحال العلمي في تقييم 91 مقالا علميا على أحد المنتديات العلمية الصينية.

وكانت المقالات تندرج في إطار اختبار كفاءة اللغة الانجليزية وتمت كتابها قبل عام 2020 أو ظهور تطبيق تشات جي.بي.تي من الأساس. وبالرغم من ذلك، قامت هذه التطبيقات بتصنيف أكثر من نصف هذه المقالات بانها من صنع الذكاء الاصطناعي، حيث وصل معدل النتائج الإيجابية الخاطئة إلى 3ر61%.

وفي العام الماضي، أصدرت لجنة مظالم بريطانية تحذيراً إلى الجامعات في انجلترا وويلز من استخدام مثل هذه النوعية من التطبيقات، وذلك بعد نشر سلسلة شكاوى تقدم بها مجموعة من الطلبة بشأن هذه البرامج. وفي إحدى القضايا، تقدم طالب يعاني من مرض التوحد بالتماس إلى لجنة المظالم بعد حصوله على تقييم صفر على أحد الأوراق البحثية التي قام بها، وذلك بعدما ارتأت هيئة الانضباط في الجامعة انه استخدم أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إعداد الدراسة. وذكر الطالب أن برنامج رصد الانتحال العلمي في الجامعة "ينحاز ضد أسلوبه في الكتابة".

وبحسب موقع "نيتشر"، تستخدم غالبية الجامعات في بريطانيا تطبيق "تيرنتين" الذي صدر في ابريل عام 2023 لاكتشاف الانتحال العلمي، ولكن عدداً من المؤسسات العلمية مثل جامعة داندي وجرينويك في لندن قررت عدم استخدام هذه التطبيق بسبب غياب الشفافية في طريقة عمله على حد قولها.

وفي الولايات المتحدة، توقفت جامعة فاندربيلت بولاية تينيسي عن استخدام هذا التطبيق بعد شهور من التجارب، وعقدت سلسلة اجتماعات مع مسؤولي شركة تيرنتين وشركات أخرى متخصصة في الذكاء الاصطناعي وجهات بحثية للتباحث بشأن فعالية مثل هذه التطبيقات.

وتقول شركة تيرنتين إنها قامت بضبط إعدادات التطبيق لتقليل النتائج الإيجابية غير الصحيحة قدر المستطاع بهدف الوصول إلى خطأ في التقييم لا تتجاوز 1%، وبالتالي فإن أي فقرة علمية تشبه نصوص الذكاء الاصطناعي، ولكن لا يمكن التيقن من ذلك بشكل كاف، يتم اعتبارها نص بشري.

وأضافت الشركة أنه منذ إطلاق التطبيق، فإنها قامت بتحليل أكثر من 200 مليون ورقة بحثية، وتبين أنه من بينها هناك أكثر من 22 مليون ورقة، بما يمثل حوالي 11% منها، تتضمن فقرات مصنوعة بواسطة تطبيقات الذكاء الاصطناعي بنسبة تصل إلى 20% من إجمالي حجم النص المكتوب.

وفي تصريحات لموقع "نيتشر"، قالت آن تشيشيتلي رئيس قسم الإنتاج في شركة تيرنتين إن نتائج التقييم الذي يتوصل إليها البرنامج لا تهدف إلى تقديم دليل دامغ لإثبات سوء سلوك بعض الباحثين، وإنما تهدف إلى مساعدة المعلمين على تقييم الأبحاث العلمية عن كثب وفتح حوارات مع الطلبة بشأن احتمال الاستعانة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي المختلفة في إعداد الأوراق البحثية التي يقومون بتقديمها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved