من التوعية إلى تغيير العلاج.. استطلاع يكشف عن كيفية تعامل الجمهور مع المحتوى الصحي الرقمي
آخر تحديث: الإثنين 15 يونيو 2026 - 3:19 م بتوقيت القاهرة
رنا عادل
برزت صناعة المحتوى الرقمي خلال السنوات الأخيرة كواحدة من أكثر المجالات جذبًا لاهتمام الجمهور، وتنوعت مجالاتها لتشمل المحتوى الصحي الذي بات يقدم بأشكال متعددة من بينها المقالات ومقاطع الفيديو.
كما اختلفت طرق تقديم المحتوى الصحي بين المحتوى المنشور عبر منصات التواصل الاجتماعي، والمحتوى الذي تقدمه المنصات المتخصصة في التثقيف الصحي، أو ما ينشره الأطباء بأنفسهم، إضافة إلى المحتوى الذي يقدمه صناع محتوى بالاعتماد على مصادر موثوقة، أو الذي يقتصر على مشاركة المرضى لتجاربهم الشخصية.
ورغم الدور الذي يلعبه المحتوى الصحي في تعزيز الوعي بالقضايا الصحية وتشجيع الاهتمام بالصحة العامة، برزت في المقابل مجموعة من التحديات والمخاطر، من بينها انتشار المعلومات الطبية المضللة، وصعوبة التحقق أحيانًا من مؤهلات مقدمي المحتوى ومدى تخصصهم.
ولرصد وقياس مدى تأثير المحتوى الصحي الرقمي على المتلقين، أجرت جريدة «الشروق» استبيانا اعتمد على عينة عشوائية بلغ قوامها 251 مشاركًا، ونُشر عبر منصات فيسبوك وإنستجرام وواتساب لمدة أربعة أيام، وفيما يلي نستعرض أبرز نتائجه:


- معدلات متابعة المحتوى الطبي والمنصات الأكثر استخداما
أظهرت البيانات، أن 59% من المشاركين يشاهدون المحتوى الطبي أحيانًا، وأفاد 29% منهم بأنهم يتابعونه بشكل مستمر، في حين يشاهده 10% منهم نادرًا، ونحو 2% منهم لا يشاهدونه ولا يهتمون به.
وبعد استبعاد المشاركين الذين لا يتابعون المحتوى الطبي، أوضحت النتائج أهم المنصات التي يعتمد عليها المشاركون للحصول على هذا النوع من المحتوى، مع إتاحة اختيار أكثر من منصة وإضافة خيارات أخرى.
وجاء فيسبوك في الصدارة بـ127 اختيارًا، تلاه يوتيوب بـ91 اختيارًا، ثم إنستجرام بـ83 اختيارًا، وتيك توك بـ72 اختيارًا.
وأشار بعض المشاركين، إلى اعتمادهم على البحث عبر جوجل، الذي جاء ذكره 12 مرة، وذكر آخرون اعتمادهم على التطبيقات والمواقع الطبية والبحثية المتخصصة 9 مرات.
وأكد 6 مشاركين، استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات الصحية، فيما ذُكر واتساب مرة واحدة فقط.

- اهتمامات الجمهور بالمحتوى الطبي
وبخصوص نوعية المحتوى الطبي، أُتيح للمشاركين اختيار أكثر من خيار مع إمكانية إضافة تخصصات أخرى.
وتصدر محتوى التغذية القائمة بـ140 اختيارًا، يليه محتوى الصحة النفسية بـ137 اختيارًا، ثم الجلدية والتجميل بـ124 اختيارًا.
وجاءت الأمراض الباطنية مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وغيرها بـ43 اختيارًا.
كما سجل تخصص التخاطب 19 اختيارًا، وتساوى كل من تخصص النساء والتوليد وتخصص طب الأطفال في عدد الاختيارات بواقع 17 اختيارًا لكل منهما.
وأضاف بعض المشاركين، تخصصات أخرى تنوعت بين العلاج الطبيعي، والأنف والأذن، واللياقة البدنية، والمخ والأعصاب.

- التحقق من مؤهلات مقدمي المحتوى الطبي
ولقياس مدى اهتمام الجمهور المتلقي بالتأكد من مؤهلات مقدم المحتوى الطبي، أوضحت النتائج، أن 42% من المشاركين أحيانا ما يتأكدون من مؤهلات مقدم المحتوى، بينما 38% يتأكدون دائمًا، في حين اختار 13% أنهم نادرًا ما يتحققون، مقابل 7% لا يتأكدون من المؤهلات على الإطلاق.
أما فيما يتعلق بطرق التحقق من المؤهل الخاص بمقدم المحتوى الطبي، فقد جاءت مراجعة الصفحة الشخصية للطبيب في الصدارة بـ115 اختيارًا، تلاها البحث عنه عبر الإنترنت بـ75 اختيارًا.
وكشف بعض المشاركين، عن عدم الاهتمام بالمؤهل طالما أُسندت المعلومات إلى مصادر موثوقة بـ48 اختيارًا.
وذكر آخرون، أنهم لا يتحققون في حال الإعجاب بأسلوب مقدم المحتوى بـ35 اختيارًا، في حين جاء الاعتماد على عدد المتابعين في المرتبة الأخيرة بـ15 اختيارًا.



- تأثير المحتوى الطبي على السلوك
ولمعرفة مدى تأثير المحتوى الطبي من الناحية السلوكية، شمل الاستطلاع، ثلاثة أسئلة تتعلق بمدى تطبيق النصائح الطبية المقدمة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وحجز كشف طبي لدى طبيب بناءً على محتوى تمت مشاهدته، بالإضافة إلى سؤال حول الإقدام على تغيير خطة العلاج اعتمادًا على هذا المحتوى.
وأوضحت النتائج، أن نحو 60% من المشاركين يجربون النصائح التي يتعرضون لها في المحتوى الطبي، وأفاد 40% بأنهم يختارون الطبيب المعالج بناءً على المحتوى الذي يفضلونه.
- تأثير المحتوى الطبي على تغيير خطة العلاج
وفيما يتعلق بتأثير المحتوى الطبي على تغيير خطة العلاج، أظهرت النتائج، أن 55% لم يقوموا من قبل بتغيير علاجهم بناءً على أي نصائح طبية عبر المحتوى الرقمي، في حين قامت نسبة أخرى بتغيير العلاج، ولكن بعد استشارة الطبيب المختص، بينما أقدمت 14% على تغيير العلاج دون الرجوع إلى طبيب.

- تجارب المشاركين مع المعلومات الطبية المضللة
واشتملت الاستمارة على سؤال مفتوح لفهم المخاطر التي تعرض لها المشاركون أو الأشخاص المحيطون بهم نتيجة المعلومات الطبية الخاطئة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأفاد 73%، بعدم تعرضهم أو من حولهم لمعلومات مضللة أو التأثر بها، وفسر بعضهم ذلك بكونهم يتحققون جيدًا من مصادر المحتوى، أو يعتمدون على المحتوى الصحي من منظور تثقيفي فقط، مع إدراكهم أن دوره يقتصر على رفع الوعي.
وأشار آخرون، إلى أنهم يستشيرون الطبيب أولًا قبل الاعتماد على أي معلومات.
وأوضح بعض المشاركين، أن النصائح التي جربوها كانت مفيدة وأسهمت في الوصول إلى حلول فعالة، دون أن يواجهوا مشكلات نتيجة اتباعها، بالإضافة إلى أن المنصات الطبية التي نشأت مؤخرًا ساعدتهم على تنمية وعيهم الصحي وفهم حالتهم بصورة أفضل.
أما الذين أجابوا بنعم وشكلوا 27% من المشاركين، تنوعت الأضرار التي أشاروا إليها نتيجة الاعتماد على نصائح ومحتوى صحي غير موثوق عبر الإنترنت.
فإلى جانب المشكلات البسيطة الناتجة عن وصفات غير فعالة، كشف آخرون، عن تأثيرات أكثر خطورة مرتبطة باتباع أنظمة غذائية مثل الكيتو و"الطيبات"، إذ أوضح 13 مشاركًا أن أحد أفراد عائلاتهم يتبع نظام "الطيبات".
وتحدث المشاركون عن الوقوع ضحية للاحتيال من خلال الترويج لأعشاب يُزعم أنها تعالج السكري وارتفاع ضغط الدم والأمراض المزمنة، اعتمادًا على نصائح تفتقر إلى أي أساس علمي.
وروى أحد المشاركين، أن أحد معارفه أوقف دواءه الطبي اعتمادًا على مزاعم شخص قدم محتوى على إنستجرام أكد فيه علاج مرض السكري بالأعشاب؛ ما أدى إلى تدهور حالته الصحية.
وفيما يتعلق بالأنظمة الغذائية، أفادت إحدى المشاركات، بإصابتها بخلل هرموني بعد اتباع نظام الكيتو متأثرة بنصائح متداولة دون متابعة طبية متخصصة.
ووردت شهادات عن مضاعفات مرتبطة بأدوية ووصفات تُستخدم لعلاج السمنة أو النحافة، كان من أبرزها ذكر إحدى المشاركات أن صديقتها تناولت أدوية مخصصة لعلاج الاكتئاب بعدما رُوِّج لها بأنها تساعد على زيادة الوزن.
وتطرقت الإجابات، أيضًا إلى مخاطر الترويج للفيتامينات والمقويات دون التأكيد على ضرورة استشارة الطبيب، إذ أشار أحد المشاركين، إلى إصابته بتسمم وآلام حادة في الكلى بعد استخدام منتجات تم الترويج لها عبر الإنترنت.
وفي الجانب التجميلي، تحدث مشاركون، عن مشكلات جلدية نتجت عن اتباع وصفات غير موثوقة أو استخدام كريمات تسببت في حروق، بالإضافة إلى الخضوع لإجراءات مثل الليزر والحقن التجميلي في مراكز تبين لاحقًا أن القائمين عليها ليسوا أطباء مؤهلين.
أما في مجال الصحة النفسية، فأعرب عدد من المشاركين، عن وقوعهم في فخ التشخيص الذاتي عبر الإنترنت، أو تلقي استشارات من أشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم أخصائيين نفسيين أو أخصائيي تخاطب، قبل اكتشاف أنهم لا يحملون المؤهلات اللازمة لممارسة تلك المهن.
- خبراء يحذرون من مخاطر المعلومات الصحية غير الموثوقة
وتعليقًا على النتائج، قال الدكتور أحمد زهران عضو مجلس نقابة الأطباء لـ"الشروق"، إنه يجب توخي الحذر من الأنظمة الغذائية التي يتم ترشيحها على أنها علاج في حد ذاتها.
وأضاف أن من أبرز علامات الدجل تقديم وعود مطلقة بالشفاء التام من أمراض مزمنة أو معقدة، مشددًا على أن مثل هذه الادعاءات لا تستند إلى أسس علمية وتعد مؤشرًا يستوجب الحذر.
وأكد أن غياب المعلومات الواضحة عن مكان عمل الطبيب أو مؤهلاته يعد من المؤشرات التي تستدعي مزيدًا من التحقق، مشيرًا إلى إمكانية ذلك من خلال موقع نقابة الأطباء.
ومن جانبها، حذرت أستاذة الأمراض الجلدية الدكتورة إيمان سند، خلال حديثها لـ"الشروق"، من الانسياق وراء محتوى السوشيال ميديا في مجال التجميل، واللجوء إلى أماكن غير مرخصة أو غير مؤهلة لإجراء خدمات الجلدية.
وأكدت أن هناك فرقًا كبيرًا بين العناية بالبشرة عن طريق جلسات التنظيف مثلًا وبين إجراءات مثل الليزر والحقن والفيلر التي يجب أن تُجرى فقط داخل إطار طبي وعلى يد أطباء متخصصين؛ لأن استخدامها بشكل خاطئ قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل التهابات الجلد أو التصبغات أو حتى انسداد الأوعية الدموية في حالات الحقن غير الصحيح.
وشددت على أن هذه المضاعفات قد تكون شديدة في بعض الحالات، وقد تؤدي إلى تلف في الأنسجة، مما قد يؤدي إلى فقدان العضو بالكامل. وهو ما يجعل تشديد الرقابة على مراكز التجميل والعيادات ومؤهلات من يقوم بالإجراء الطبي أمرًا ضروريًا لتجنب المخاطر.
وبدوره، أوضح عمرو مجاهد الأخصائي النفسي الإكلينيكي لـ"الشروق"، أن الطبيب النفسي خريج كلية الطب والأخصائي النفسي الدارس لعلم النفس، هما فقط من يحق لهما ممارسة العلاج النفسي بعد استيفاء المتطلبات المهنية اللازمة لذلك.
وحذر من اللجوء إلى منتحلي الصفة أو غير المؤهلين، مؤكدًا أن التدخل العلاجي الخاطئ قد يزيد الحالة النفسية تعقيدًا ويدفعها إلى مسار علاجي غير مناسب، وهو ما يمثل خطورة كبيرة على المريض.
وأشار إلى أن الأسلوب الواثق وعدد المتابعين الكبير على مواقع التواصل الاجتماعي قد يمنحان أصحاب المحتوى قدرًا من المصداقية في نظر الجمهور، ما يدفع كثيرين إلى تجاهل التحقق من مؤهلاتهم.
وأضاف أن بعض الأشخاص قد يشعرون بتحسن مؤقت نتيجة الإيحاء، بالإضافة إلى تأثير ما يعرف بـ"سلوك القطيع"، إذ يتأثر الفرد بقناعة المجموعة وتجارب الآخرين أكثر من اعتماده على الأدلة العلمية.
ولفت إلى أن الأمر لا يقتصر على الصحة النفسية، إذ يميل بعض المصابين بالأمراض المزمنة إلى تصديق الادعاءات المتعلقة بوجود علاج شافٍ، مدفوعين برغبة إنسانية طبيعية في التمسك بالأمل وإنهاء معاناتهم، حتى في غياب أي دليل علمي يدعم تلك المزاعم.