الاستيطان الإسرائيلي بالضفة.. من الاعتداءات إلى هندسة الضم

آخر تحديث: الثلاثاء 14 يوليه 2026 - 10:46 ص بتوقيت القاهرة

رام الله/ الأناضول

اعتداءات المستوطنين تقود إلى تهجير كامل للأهالي خاصة في المنطقة (ج)

المشروع الاستيطاني ماض ويحظى بدعم إسرائيلي رسمي

التطورات الميدانية والسياسية تشير إلى أن إسرائيل تتجه نحو أحد أشكال الضم بالضفة

تشهد الضفة الغربية المحتلة تصاعدًا غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين، التي لم تعد تقتصر على الشكل التقليدي المتمثل في مهاجمة الفلسطينيين وممتلكاتهم، بل امتدت إلى إقامة بؤر استيطانية جديدة، والاستيلاء على الأراضي، وتهجير التجمعات البدوية والرعوية.

تلك الاعتداءات باتت تحظى بدعم حكومي إسرائيلي في ظل غياب أي مساءلة فعلية لمرتكبيها.

وتأتي الهجمات بالتزامن مع تسارع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، في وقت يحذر فيه فلسطينيون من أن ما يجري لم يعد مجرد توسع في أعداد المستوطنات، بل يمثل مرحلة جديدة تهدف إلى فرض وقائع ميدانية تمهد لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية إلى إسرائيل.

وفي هذا السياق، وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في تقرير نشرته في يوليو الجاري، أكثر من 16 ألف اعتداء نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون خلال النصف الأول من عام 2026، إلى جانب إقامة 42 بؤرة استيطانية جديدة، غالبيتها بؤر رعوية.

وقالت الهيئة إن المشروع الاستيطاني دخل مرحلة "إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية" وفرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية.

تهجير كامل

ويرى المشرف العام على منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو (حقوقية) حسن مليحات، أن ما يجري على الأرض تجاوز الاعتداءات التقليدية، وأصبح جزءًا من مخطط إسرائيلي يستهدف إفراغ مناطق واسعة من الفلسطينيين.

وقال مليحات، في مقابلة مع الأناضول، إن اعتداءات المستوطنين الحالية "تقود إلى تهجير كامل للأهالي، خاصة في المناطق المصنفة (ج)"، مشيرًا إلى أن حجم الاعتداءات ونوعيتها "يزداد شهرًا بعد شهر".

وبموجب "اتفاقية أوسلو 2" الموقعة عام 1995 بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، تُقسم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: "أ" تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة، و"ب" لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، بينما تقع "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وتشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.

في السياق، أضاف مليحات أن المستوطنين لم يعودوا يكتفون بالاعتداء على الفلسطينيين، وإنما باتوا يحرقون منازل، ويسرقون المواشي، ويغلقون المراعي، ويخربون المزروعات، ويقتلعون الأشجار.

وحذر من أن تلك الاعتداءات تجعل الحياة أكثر صعوبة بالنسبة للفلسطينيين، ما يدفعهم إلى مغادرة أراضيهم قسرا.

وفيما يتعلق باتساع رقعة الاعتداءات، قال مليحات إنها أصبحت "تطال مختلف المواطنين في المناطق المصنفة (ج)"، مؤكدا أن المشروع الاستيطاني "ماض ويحظى بدعم إسرائيلي رسمي".

وحول التوسع الاستيطاني، قال مليحات إن إقامة البؤر الجديدة "ليست عشوائية، وإنما تأتي ضمن مخطط مدروس يهدف إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية، وفصل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض".

وأوضح أن التركيز الاستيطاني كان خلال السنوات الماضية على منطقة الأغوار شرقي الضفة، بهدف عزلها عن بقية الأراضي الفلسطينية، بينما يتجه حاليًا نحو بادية القدس، حيث تتزايد إقامة البؤر الاستيطانية الرعوية في مواقع استراتيجية.

وعن الهدف من ذلك، أكد مليحات أنه يتمثل في فرض السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، وإضعاف التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، بما يخدم المشروع الاستيطاني على المدى البعيد.

ضم الضفة

من جانبه، يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي أحمد أبو الهيجاء أن تسارع الاستيطان يعكس الانتقال إلى مرحلة الحسم، في ظل صعود تيار الصهيونية الدينية وتزايد نفوذ المستوطنين داخل مؤسسات الدولة الإسرائيلية.

وقال أبو الهيجاء للأناضول، إن المشروع الاستيطاني "يحظى بإجماع داخل المجتمع الإسرائيلي".

واعتبر أن الخلافات بين مكونات الائتلاف والمعارضة "لا تمس جوهر المشروع، وإنما تقتصر على آليات التنفيذ أو التعامل مع بعض البؤر العشوائية التي يرى بعض السياسيين أنها تضر بصورة إسرائيل أكثر مما تخدمها".

وبشأن مواقف الحكومة الإسرائيلية، قال الخبير إنها قد تتخذ أحيانا "إجراءات محدودة لامتصاص الضغوط الدولية أو تحسين الغطاء القانوني للاستيطان، لكنها لا تمثل تراجعا عن المشروع الاستيطاني".

واعتبر أن الاستيطان "يقع في صلب المشروع الإسرائيلي"، مرجحا استمراره بوتيرة متسارعة حتى يتوج بأحد أشكال ضم الضفة الغربية، سواء بصورة جزئية أو كاملة.

وأشار إلى أن ذلك سيترافق مع استمرار الاعتداءات على الفلسطينيين، خاصة في المنطقة (ج)، عبر تهجير التجمعات البدوية، ومنع المزارعين من استغلال أراضيهم، وفرض السيطرة عليها، معتبرا أن "الإرهاب المنظم" ضد الفلسطينيين يشكل أداة لفرض واقع جديد على الأرض.

وعن الضغوط الدولية، بما فيها الأمريكية، رأى أبو الهيجاء أنها "لم ترتق حتى الآن إلى مستوى الإجراءات القادرة على وقف التوسع الاستيطاني"، متوقعا استمرار السيطرة الإسرائيلية على مزيد من الأراضي لاستكمال المشروع الاستيطاني.

وأضاف أن حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة (بدأت في 8 أكتوبر 2023 واستمرت عامين) دفعت قضية الاستيطان إلى مرتبة متأخرة على الأجندة الدولية، رغم استمرار التوسع في الضفة الغربية.

كما لفت إلى أن الاهتمام الدولي يتركز حاليا على تطورات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران والأزمات الإقليمية.

وختم أبو الهيجاء بالقول إن الضفة الغربية "لن تبقى على حالها"، معتبرا أن جميع التطورات الميدانية والسياسية تشير إلى أن إسرائيل تتجه نحو أحد أشكال الضم، وأن ما يجري حاليا "ليس سوى مقدمة لتنفيذ هذا المسار بوتيرة متسارعة".

موقف إسرائيلي رسمي

وفي 8 فبراير الماضي، صادقت الحكومة الإسرائيلية على قرار يسمح بالاستيلاء على أراضٍ فلسطينية في المنطقة "ج" بالضفة الغربية عبر تسجيلها كـ"أملاك دولة" (إسرائيل)، وذلك للمرة الأولى منذ 1967.

وجاءت المصادقة بعد أن وقع 14 وزيرا إسرائيليا ورئيس الكنيست (البرلمان) أمير أوحانا في يوليو 2025 رسالة، وبعثوها إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، طالبوا فيها بتطبيق "السيادة على الضفة فورا".

وتؤكد الأمم المتحدة أن الاستيطان في الأراضي المحتلة "غير قانوني"، وتحذر من أنه يقوض إمكانية معالجة الصراع وفقا لمبدأ حل الدولتين، وتدعو إسرائيل منذ عقود إلى وقفه دون جدوى.

وتشهد الضفة الغربية تصاعدا في اعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين منذ 8 أكتوبر 2023، ما أسفر عن استشهاد 1179 فلسطينيا وإصابة 12 ألفا و666 آخرين، إضافة إلى اعتقال نحو 24 ألفا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved