الشاعر الفلسطيني محمود مفلح: الصهاينة دمروا قريتي بالنكبة ولن نهدأ حتى نعود
آخر تحديث: الخميس 14 مايو 2026 - 10:24 ص بتوقيت القاهرة
سوريا - الأناضول
الشاعر المقيم في مخيم اليرموك بدمشق:
- كان عمري 6 سنوات عندما هجّرني الصهاينة من قرية سمخ حيث ارتكبوا مجازر فظيعة
- سمخ دُمرت عن بكرة أبيها وحوّلها الصهاينة إلى بحيرات لتربية الأسماك.. رحلة اللجوء كانت بائسة ومخيفة فالناس تركوا بيوتهم حفاة تحت القصف الإسرائيلي
- لم يبق من قريتنا سوى محطة القطار التي أنشأتها تركيا إبان العهد العثماني وكان خطها من دمشق إلى درعا إلى الأردن إلى سمخ إلى حيفا ثم غزة فمصر
- أربعة أجيال تعيش على حلم العودة، الجد والأب والابن والحفيد.. وأقول للاحتلال الإسرائيلي: نحن قادمون ولن نهدأ حتى نعود إلى مسقط رأسنا
"أتابع وكالة الأناضول منذ أمد بعيد، وأتشرف اليوم باستضافتها لأول مرة في منزلي".. بهذه الكلمات استقبل الشاعر الفلسطيني اللاجئ محمود مفلح (84 عاما) مراسل الأناضول في بيته بمخيم اليرموك في العاصمة السورية دمشق، متحدثا عن أهوال النكبة التي عاينها طفلا في السادسة من عمره على أيدي العصابات الصهيونية المسلحة.
وفي 14 مايو 1948 أُعلن قيام إسرائيل على أراضٍ احتلتها هذه العصابات، وبلغت مساحتها نحو 77 بالمئة من مساحة فلسطين، أي حوالي 20 ألف كيلو متر مربع من أصل قرابة 27 ألف كيلو متر مربع.
وبالقوة هجّرت العصابات حوالي 800 ألف فلسطيني من أصل نحو 925 ألف كانوا يقطنون المساحة المحتلة، ثم احتلت تل أبيب بقية الأراضي الفلسطينية، وترفض قيام الدولة الفلسطينية المنصوص عليها في قرارات أممية.
وحتى 1948 بلغ عدد الفلسطينيين على أرض بلدهم كافة نحو مليون و400 ألف نسمة، بينما دمّرت العصابات الصهيونية 478 قرية فلسطينية من أصل 585 في المنطقة المحتلة، وارتكبت 34 مجزرة في قرى عديدة.
إحدى هذه القرى هي سمخ (شمال)، التي ينحدر منها مفلح، وهو شاعر يستذكر النكبة الفلسطينية في دواوينه الـ24، مشددا أن حلم العودة سيتحقق رغم تعاقب السنين.
** "بدا كيوم الحشر"
مرتديا لفحة (كوفية) فلسطينية عليها خارطة بلاده، يقول مفلح للأناضول: "هُجّرنا في ذلك اليوم المشؤوم من قبل عصابات الصهاينة، فخرجنا من بيوتنا جماعات جماعات".
ويضيف: "ما زلت أذكر ذلك المشهد الذي بدا كيوم الحشر، وكانت سنابل القمح تملأ المكان تحت زخات المطر".
"كنت أختبئ بين سنابل القمح الطويلة ظنا مني أنها سوف تسترني من القصف الإسرائيلي والمطر"، كما يتابع.
ويكمل: "لم نحمل شيئا من أمتعتنا أبدا، لأنه قيل لنا إننا سوف نعود بعد أسبوع أو أسبوعين إلى سمخ، لأن جيش الإنقاذ (قوة عسكرية عربية) في طريقه إلينا".
وبينما يشير إلى سمخ على الخارطة، يقول مفلح: "بلدتي هذه دُمرت عن بكرة أبيها، وحولها الصهاينة إلى بحيرات لتربية الأسماك".
ويضيف: "لم يبق من قريتنا سوى محطة القطار التي أنشأتها تركيا إبان العهد العثماني، والتي كان خطها من دمشق إلى درعا (جنوبي سوريا) إلى الأردن، إلى سمخ، إلى حيفا (شمال)، ثم قطاع غزة، فمصر".
** سياسة الأرض المحروقة
وعن المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في قريته يجيب مفلح: "لا أتذكر الكثير منها، لكن أبي وخالي وأقاربي حدثوني عن مجازر فظيعة في سمخ".
ويوضح: "دخل الصهاينة على امرأة وذبحوها، ما أثار الرعب في قلوب أهالي القرية، ودفعهم إلى مغادرتها على أمل العودة التي منينا بها، لكنها امتدت إلى اليوم".
ويتابع: "غادرنا سمخ نحو القرى القريبة هربا من القصف الإسرائيلي، حيث استخدموا ضدنا سياسة الأرض المحروقة، وبقينا هناك أسبوعين على أمل العودة، لكن الإجرام حال دون ذلك، فقررنا المغادرة نحو الشتات".
"بعض الناس نزحوا راجلين، وبعضهم على مركبات تجرها البغال والحمير، وقليل جدا مَن كان يملك سيارات نقلوا عبرها جزءا من أمتعتهم"، وفقا لمفلح.
** مسيرة بائسة
وحسب مفلح، فإن "أهالي سمخ انقسموا حينها إلى مجموعتين".
ويبين أن "قسما بقي في القرى المجاورة، والقسم الآخر عبر وادي الشريعة باتجاه الأردن، ومن هناك عبروا إلى سوريا ولبنان، وقسم من أقاربي بينهم أخي الكبير ظل في الأردن".
وفيما يتعلق بمسيرة اللجوء، يصفها بأنها "كانت بائسة ومخيفة ومرعبة، فالناس تركوا بيوتهم حفاة تحت القصف الإسرائيلي العنيف، حيث المطر الغزير والطرق الوعرة".
ومتمسكا بأرضه وإن مرت العقود، يقول مفلح: "سمخ مسقط حلمي ورأسي، ولي 24 ديوانا بين شعر ونثر، إذ قلما تخلو صفحة واحدة من ذكر سمخ وفلسطين".
ويشدد: "لا يمكن أن ننساها حتى لو ابتعدنا عنها، أو صرنا أثرياء.. حتى أثرياؤنا وهم كثر، ما تزال فلسطين تعني لهم الكثير الكثير".
ويكمل: "فلسطين هي الجرح الذي لا يندمل إلا بالعودة، ولا أقول هذا الكلام شعارات (...)، بل هي حقيقة واضحة كالشمس".
مفلح يخاطب الفصائل الفلسطينية قائلا: "أتمنى أن تتحدوا وأن ينتهي الانقسام، إذ يكفينا هذا التشرد، لأن فلسطين تسري في عروقنا".
وعن ادعاءات الإعلام الإسرائيلي بأن الفلسطيني باع أرضه، يرد مفلح بأنها "دعاية رخيصة وافتراء كاذب، ولو حدث ذلك فإنني أقدر النسبة بأنها واحد بالألف".
ولو كان الفلسطيني باع أرضه، حسب مفلح، "لما وجدت تاريخنا حافلا بالشهداء الذين ضحوا بدمائهم كرمى لعيون وطنهم، إذ لا يوجد بيت فلسطيني إلا وفيه شهيد أو جريح أو أسير أو مشرد، لعمري إنها لكذبة كبيرة".
** حلم 4 أجيال
مفلح يؤكد أن "4 أجيال تعيش على حلم العودة، الجد والأب والابن والحفيد، والشعب الفلسطيني من أكثر شعوب العالم تعلقا بأرضه، إذ يرضعون أولادهم حب البلاد مع لبن الأمهات، وكلما ازددنا علما ازداد حبنا لوطننا".
ويقول: "عشت في بلدان عربية عديدة خلال الشتات، منها مصر والمغرب والسعودية وسوريا، وما التقيت بفلسطيني في هذه البلدان إلا ورأيت وطنه نصب عينيه، يحلم بالعودة ولن يتنازل عن هذا الحق".
ويتابع: "في كل لقاءتنا نستحضر فلسطين، وأنا عندما حصلت على شهادة الثانوية نلتها على ضوء الكاز (الكيروسين) من دون كهرباء، وكنا نقرأ رغم ذلك".
"نبتنا من الشوك، وعانينا كثيرا في المخيمات، وعندما كانت تهب الريح كانت تقتلع الثياب معها عن المناشر بسبب الجدران المتآكلة"، كما يكمل.
ويوجه مفلح رسالة إلى "الاحتلال الإسرائيلي" قائلا: "نحن قادمون، ولن نهدأ حتى نعود إلى مسقط رأسنا، ولا يمكن أن يستقر الصهاينة في أرض فلسطين".
** أبيات للقدس
وخلال المقابلة أخرج مفلح ورقة من جيبه، وقرأ بصوته الجهوري رغم تقدمه بالعمر أبياتا من الشعر كتبها مخاطبا مدينة القدس المحتلة:
يُهوّدونكِ؟ هذا القول تخريفُ
لن يطفئ الشمسَ تزويرٌ وتزييفُ
فكلّ صوتٍ سوى التكبير هرطقةٌ
وكلّ حرفٍ لغير القدسِ محذوفُ
كلّ الصدورِ إلى أقصاكِ مُشْرَعةٌ
وكلنا لصلاةِ الفجرِ ملهوفُ
مدينةَ اللهِ إنّا مبحرون غدا
وقد تحدّت بأيدينا المجاديفُ
وفي 15 مايو من كل عام، يحيي الفلسطينيون في أماكن تواجدهم كافة، لا سيما في مخيمات الشتات، ذكرى النكبة الفلسطينية، عبر مسيرات وفعاليات.
ويؤكد الفلسطينيون خلال هذه الفعاليات تمسكهم بحق العودة، ويطالبون بمساءلة إسرائيل على جرائمها المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.
وتحل ذكرى النكبة هذا العام فيما تواصل إسرائيل منذ عام 2023 حرب إبادة في قطاع غزة، عبر قصف دموي وتقييد لإدخال المساعدات الإنسانية، برغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر الماضي.
وبموازاة ذلك يكثف جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون اعتداءاتهم بالضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، عبر القتل والاعتقال وتخريب وهدم منازل ومنشآت وتهجير فلسطينيين والتوسع الاستيطاني في أراضيهم.
ويحذر الفلسطينيون من أن هذه الجرائم تمهد لإعلان إسرائيل رسميا ضم الضفة الغربية إليها، ما يعني القضاء على إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية المنصوص عليها في قرارات صدرت عن الأمم المتحدة بداية من عام 1947.