جائزة دولية وتجربة محلية.. ماذا تكشف قصة إسنا عن مستقبل التراث في مصر؟

آخر تحديث: الأربعاء 13 مايو 2026 - 11:11 م بتوقيت القاهرة

هند الشناوي

أستاذ تصميم عمراني: نجاح أي مشروع إحياء يقاس بقدرته على إعادة الناس إلى المكان

- لا يجب النظر للتراث على أنه عقبة في طريق الحداثة بل فرصة عظيمة للاستثمار

 


لم تعد المناطق التراثية والمدن التاريخية في مصر مجرد شواهد على الماضي، بل تحوّلت إلى أحد أهم القضايا التنموية والاستيراتيجية التي تمس حاضر مدننا ومستقبلها، بما تحمله من قيمة ثقافية واقتصادية تستدعي الحفاظ عليها وتوظيفها للأجيال القادمة.

وفي وقت تتصاعد فيه تحديات التخطيط العمراني، تطرح الدولة المصرية ملف إحياء المناطق والمدن التاريخية كأحد أهم الأدوات لمواجهة العشوائيات، ليس فقط عبر ترميم المباني، بل من خلال إعادة توظيف التراث كمورد تنموي واقتصادي هام.

وفي هذا الإطار، استضافت كلية الهندسة بجامعة عين شمس ندوة علمية موسعة ناقشت تجارب إحياء المدن التاريخية في مصر، بمشاركة نخبة من المسئولين والخبراء، من بينهم الدكتور عمرو شعت عميد الكلية، والمهندس محمد أبو سعدة رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، والدكتور جلال عبادة أستاذ العمارة، وعدد من المتخصصين في الحفاظ العمراني.

واستعرضت الندوة عددًا من المشروعات البارزة، من تطوير مناطق القاهرة التاريخية مثل حي الخليفة ودرب اللبانة وشارع سوق السلاح، إلى مشروع تطوير شارع النبي دانيال بالإسكندرية، وصولًا إلى تجربة إحياء مدينة إسنا التاريخية بالأقصر، التي برزت كواحدة من النماذج التي تعيد تعريف العلاقة بين التراث والتنمية، والتي حصدت جائزة الأغاخان للعمارة لعام 2025، وهى جائزة دولية مرموقة تُمنح كل ثلاث سنوات للمشاريع المعمارية التي تضع معايير جديدة للتميّز في العمارة، والتخطيط، والمحافظة على التراث.

وفي تصريحات خاصة لـ"الشروق" قال الدكتور جلال عبادة أستاذ التصميم العمراني بكلية الهندسة جامعة عين شمس، إن "الحفاظ على التراث لا يقتصر على إنقاذ المباني، بل يمتد للحفاظ على الحياة والأنشطة داخلها”، وهو ما يتجلى في تجربة إسنا التي لم تكتفِ بترميم الواجهات المحيطة بالمعبد، بل سعت إلى إعادة تنشيط الحركة التجارية وإشراك الأهالي في عملية التطوير؛ وهو ما نحاول الاستفادة منه في تطوير المناطق التاريخية في مدن أخرى ومنها القاهرة والإسكندرية.

وأضاف أن المباني التاريخية إذا فقدت وظيفتها الأصلية تتحول إلى قوالب جامدة، وهو ما حاول المشروع تفاديه من خلال دعم أصحاب المحال والحرفيين، بما يضمن استمرار النشاط اليومي داخل المنطقة.

كما أكد عبادة أن "التحدي الأكبر ليس في الترميم، بل في استدامة الاستخدام بعد التطوير"، وهي نقطة محورية في مشروع إسنا الذي اعتمد على تدريب الحرفيين المحليين وإعادة توظيف المباني بما يخدم المجتمع.

ولفت إلى أنه لا يجب أن ننظر إلى التراث على أنه عقبة في طريق الحداثة، بل لابد من النظر إليه على أنه فرصة عظيمة للاستثمار وتحقيق موارد اقتصادية وسياحية وتنموية هامة.

وأشار أستاذ التصميم العمراني إلى أن مشروعات التطوير في القاهرة تفتقر إلى الاستدامة، ولابد من تفعيل آليات شراكة تربط بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والأهالي لتحقيق كفاءة المطلوبة.

وشدد على أن "التراث بلا حياة.. مجرد مبانٍ بلا روح"، في إشارة إلى أن نجاح أي مشروع إحياء يقاس بقدرته على إعادة الناس إلى المكان، وليس فقط تحسين صورته البصرية.

من جانبه، شدد الجهاز القومي للتنسيق الحضاري على أهمية توسيع هذه التجارب وتطبيقها في مناطق أخرى، من خلال منهج متكامل يوازن بين الحفاظ والتنمية، ويعتمد على التعاون بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، مع تعزيز دور الحرف والصناعات الثقافية كرافعة اقتصادية.

وبينما تسعى الدولة لتعميم تجربة إسنا في مدن تاريخية أخرى، مثل القاهرة والإسكندرية، يطرح نجاحها تساؤلًا أوسع: هل يمكن أن تتحول هذه النماذج إلى سياسة عامة تعيد تشكيل العلاقة بين التراث والتنمية في مصر؟ وتعيد رؤية الدولة لمفهوم التراث باعتباره مورد تنموي رئيسي يحب الحفاظ عليه وإحيائه وتجديده والاعتزاز بهويته والانتماء له بدلًا من هدمه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved