وقف الأمير مصطفى عبد المنان: الحقيقة والأسطورة من ملفات القضاء المصري

آخر تحديث: الثلاثاء 12 مايو 2026 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

محمد بصل

مزاد على 57 وحدة سكنية في دمياط فجر الأزمة من جديد.. وغموض مصير 421 ألف فدان تضم مصايف الدلتا

أحكام من النقض والإدارية العليا تنتصر للأهالي وترفض الاعتداد بـ"صورة الحجة" المقدمة من وزارة الأوقاف

المحاكم أكدت عدم تنفيذ الحجة في أي مرحلة وغياب دلائل إثباتها.. والاعتداد بالقرارات والتصرفات الرسمية عليها منذ عهد محمد علي


يعيش أهالي محافظات دمياط والدقهلية وكفر الشيخ حالة من القلق أثارها المنشور الفني رقم (8) لسنة 2026 من مصلحة الشهر العقاري إلى جميع مكاتب المصلحة لإيقاف أي إجراءات أو تعاملات أو تصرفات تتعلق بالأراضي محل "حجة وقف الأمير مصطفى عبد المنان" وضرورة إضافة عبارة تؤكد عدم سريان أي توكيل رسمي عام بالتصرف أو بالإدارة على الأراضي محل ذلك الوقف في المحافظات الثلاث.

ربما هي المرة الأولى التي تظهر فيها عبارة "وقف الأمير مصطفى عبد المنان" على مواقع التواصل الاجتماعي مما تسبب في عاصفة من التساؤلات الموجهة إلى وزارتي الأوقاف والعدل اللتين لم تصدرا -حتى كتابة هذه السطور- أي بيان رسمي أو تصريحات ردًا على التساؤلات الإعلامية بشأن الوقف الذي تبلغ مساحته أكثر من 421 ألف فدان، تشمل معظم مساحة محافظة دمياط غرب النيل بما في ذلك مدينتي رأس البر ودمياط الجديدة وميناء دمياط ومركز كفر البطيخ ومعظم مركز كفر سعد، ومصيف جمصة وشمال مركز بلقاس، ومساحات شاسعة من محافظة كفر الشيخ بمراكز البرلس والحامول والرياض وسيدي سالم وشواطئ بحيرة البرلس بالكامل ومدينتي بلطيم وبرج البرلس.

لكن ملفات المحاكم ووثائق الحكومة تؤكد أن قضية "وقف الأمير مصطفى عبد المنان" قديمة وتتجدد بين حين وآخر بواسطة إجراءات مشابهة للمنشور الصادر من مصلحة الشهر العقاري سواء بعد مخاطبة وزارة الأوقاف لوزارة العدل أو المحافظات المعنية، أو بعد حصول الوزارة ممثلة في هيئة الأوقاف المصرية على أوامر قضائية بوقف بعض التصرفات باعتبارها المشرفة على هذا الوقف الهائل، مما يتسبب في ارتباك السوق العقاري ومصالح المواطنين بين ادعاءات ببطلان تصرفاتهم القائمة فعليًا، وتهديدات بوقف حركة البيع والشراء.

فما الذي أعاد فتح القضية وأيقظ "الأمير مصطفى عبد المنان" من سباته؟


مزاد أعاد النزاع للواجهة


أعلنت محافظة دمياط مؤخرًا إجراء مزاد علني (كان مقررًا له الاثنين الماضي 11 مايو 2026) لبيع 57 وحدة سكنية. اعترضت وزارة الأوقاف على الأمر بحجة أن تلك الوحدات تدخل ضمن نطاق الوقف، وخاطبت وزارة العدل لإصدار منشور الشهر العقاري المذكور سلفًا، ثم أقامت دعوى مستعجلة أمام محكمة دمياط لوقف المزاد، وصدر الحكم المستعجل لصالحها بالفعل بعدما قدمت للمحكمة صورة من مكاتبة صادرة من الشهر العقاري بأنها وحدها التي تتولى نظارة الوقف، وصورة أخرى من قرار مجلس الوزراء بشأن تشكيل لجنة لحصر أراضي الوقف.

ويرتبط هذا التحرك بتوجيهات عليا بحصر جميع أملاك هيئة الأوقاف وبحث سبل تعظيم استغلالها. ففي مايو 2025 أصدر رئيس الوزراء د. مصطفى مدبولي توجيهاته بإجراء حصر شامل ومميكن لجميع أملاك الهيئة وأراضي الوقف. وقبلها في أغسطس 2024 أعلنت الهيئة أنها "جهزت عددًا من الأراضي للاستفادة منها استثماريًا سواء مع جهات حكومية أو مؤسسات تابعة للقطاع الخاص".

ولا ينال الحكم المستعجل أو منشور الشهر العقاري من أحقية المحافظة أو المتضررين الآخرين من الطعن لإثبات العكس، بحسب مصادر قضائية رفيعة المستوى سبق وعملت على الملف ذاته منذ سنوات، كشفت لـ"الشروق" أن وزارة الأوقاف طالبت مرارًا بإثبات ولايتها على الأراضي المنسوب دخولها في الوقف، لكنها كانت تستند دائمًا إلى حجة مضى على تحريرها أكثر من أربعة قرون، ولم ترد أي إشارة لها في المراجع المساحية أو دفاتر المساحة القديمة أو الحديثة، كما صدرت العديد من القرارات الحكومية منذ عهد محمد علي باشا بالتصرف في تلك الأراضي وتقسيمها وإقامة مشروعات عليها وتخصيصها وغير ذلك، من دون الاستناد إلى حجة الوقف محل النزاع.

وأضافت المصادر أن "هيئة الأوقاف حاولت من قبل أن توقف جميع الإجراءات على الأراضي المنسوب دخولها في الوقف لسنوات طويلة، فدخلت في نزاعات مطولة مع المواطنين انتهت لصالحهم وليس لصالح الهيئة، سواء من القضاء العادي أو مجلس الدولة".

 

الولاية على الأرض للأوقاف أم الحكومة؟


وتتطابق ملفات المحاكم مع حديث المصادر من حيث المقدمات والنتائج، مع تفاوت في مسارات النزاع بين هيئة الأوقاف والمواطنين.

- وكانت البداية عام 2004 عندما أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا في الدعوى لم يتعرض إلى طبيعة الوقف أو الحجة ذاتها، لكنه أثبت تبعية أراضي ميناء دمياط ومدينة دمياط الجديدة (وهي إحدى المناطق الداخلة ضمن الوقف حسب ادعاء الأوقاف) بصورة كاملة ونهائية لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بموجب قرار رئيس الوزراء رقم (546) لسنة 1980، واعتبار مجلس إدارة الهيئة هو السلطة المختصة الوحيدة على تلك الأراضي بما في ذلك قرارات إزالة الإشغالات والتعديات على أملاك الهيئة. وأيّدت المحكمة الإدارية العليا هذا الحكم عام 2007.

ولم تلتفت المحكمتان إلى محاولة الدفع بأن أرض دمياط الجديدة جزء من "وقف الأمير مصطفى عبد المنان" واستندت فقط إلى القرارات الصادرة بشأن إنشاء ميناء دمياط ومدينة دمياط الجديدة.

 

- وفي عام 2009 دخلت المعركة مرحلة جديدة حيث أقامت هيئة الأوقاف دعوى أمام محكمة القضاء الإداري بكفر الشيخ مطالبةً بوقف إجراءات بيع عدد من الأراضي بالبرلس، وقالت إنها "تمتلك وقف الأمير مصطفى عبد المنان أمير اللواء الشريف السلطاني التي يقع مسطحها بمحافظات دمياط والدقهلية وكفر الشيخ بالحدود المبينة بعريضة الدعوى وبموجب حجة مسجلة بدار الوثائق القومية".

لم تقتنع "قضاء إداري كفر الشيخ" بدعوى الأوقاف، وأصدرت حكمًا في نهاية 2009 أكدت فيه "انتفاء ملكية هيئة الأوقاف لمساحة الأرض" وساقت لذلك سببين رئيسيين؛ أولهما: خلو الحجة الشرعية التي قدمت الهيئة صورتها من أي حدود يمكن الوقوف عليها، والثاني: أن الحجة لم ترد في المراجع المساحية القديمة والحديثة والمؤلفات بمديريات المساحة ومكاتبها ومأموريات الضرائب العقارية المختلفة.

طعنت هيئة الأوقاف على الحكم أمام "الإدارية العليا" وقدمت هذه المرة بيانات أكثر دقة. فحجة الوقف تحمل رقم 82 من سجل رقم 7 المؤرخ في سنة 1285 هجرية وصادرة من محكمة البرلس الشرعية، ولها مستخرج رسمي من دار الوثائق القومية بتاريخ 28 يونيو 1998.

فأصدرت "الإدارية العليا" في 2016 حكمًا تمهيديًا بندب خبراء من وزارة العدل للتحقيق في مسألة الوقف الغامض وما إذا كان يضم فعلًا الأراضي محل النزاع مع محافظة كفر الشيخ.

لكن المفاجأة أن هيئة الأوقاف لم تحضر أمام الخبير الذي انتدبته المحكمة لتنفيذ حكمها التمهيدي، وذلك طوال أربع سنوات، فأصدرت "الإدارية العليا" عام 2020 حكمًا نهائيًا باتًا بأحقية محافظة كفر الشيخ في بيع الأراضي المتنازع عليها، وقالت إن "هيئة الأوقاف تقاعست عن إثبات ما تدعيه، وهي المكلفة بلا ريب بعبء الإثبات كأصل عام".

لكن هذا الحكم لم يكن كافيًا لحسم مصير الوقف وطبيعته، وما إذا كان واقعًا أم أسطورة؟ محدد المعالم أم فاقد للبيانات؟

 

.. وتوالت الإجابات من أعلى المحاكم المصرية


- ففي يناير 2021 أصدرت محكمة النقض حكمًا نهائيًا باتًا (في الطعن 6572 لسنة 72 ق) حسم نزاعًا طويلًا ومتعدد الخصوم والدرجات يعود إلى عام 1998 بين هيئة الأوقاف وعدد من الملّاك في رأس البر، وقالت في حيثياتها بعبارات صريحة واضحة إن "حجة وقف الأمير مصطفى عبد المنان الخيري التي ترتكن الهيئة في ملكيتها لعين النزاع، مرّ على تاريخها أكثر من 400 سنة، ولم يرد عليها ما يفيد أنها مسجلة من أي محكمة شرعية، كما لم تنفذ على الواقع".

وأضافت "النقض" أنه يجب على مدعي ملكية الوقف تقديم الدليل المثبت لدعواه، وخصوصًا إذا كان الوقف قديمًا يرجع إلى ما قبل صدور لائحة ترتيب المحاكم الشرعية في 27 مايو 1897 التي ألزمت لأول مرة إجراء الإشهار على الوقف لإثباته. ثم انتهت إلى أن هيئة الأوقاف "ليس لها الحق في اقتضاء التعويض عن نزع الملكية لعدم ثبوت ملكيتها للأرض محل النزاع".

 

- ثم في مايو 2024 أصدرت محكمة النقض حكمًا مهمًا آخر (في الطعن 3747 لسنة 73 ق) ألغى حكمًا أصدرته محكمة استئناف المنصورة اعتدّ بصحة حجة الوقف بناء على تقرير خبير، وقالت في حيثياتها إن "حدود الأرض محل الحجة تشمل ثلاث محافظات منها 86 ألف فدان بمحافظة دمياط، وقد خلت الأوراق من دليل يؤيد ما انتهى إليه هذا التقرير الذي أعدته هيئة الأوقاف ذاتها، والتي لا يجوز لها أن تتخذ من عمل نفسها دليلًا تحتجّ به على الغير". أي أنها رفضت الاعتداد بالبيانات التي تقدمها هيئة الأوقاف بذاتها عن الحجة.

 

الشكوك تحيط بالحجة


وفي اتجاه مقارب صدر حكمان حديثان من المحكمة الإدارية العليا استمرا في زعزعة أصل حجة "وقف الأمير مصطفى عبد المنان" وألقيا بظلال من الشك على صحتها.

- ففي مارس 2025 أصدرت "الإدارية العليا" حكمًا (في الطعن 112037 لسنة 67 ق.ع) يؤيد قرار محافظ دمياط باعتماد مشروع تقسيم الجمعية التعاونية للبناء والإسكان للعاملين بجامعة قناة السويس في مصيف رأس البر، والتي اشترتها الجمعية التعاونية من بعض المواطنين، بعدما آلت إليهم عن طريق الشراء من الدولة عام 1971.

في هذه القضية؛ رفض حكم أول درجة (الذي بات نهائيًا وباتًا) دعوى وزارة العدل ووزارة الأوقاف لإثبات ولاية هيئة الأوقاف على أراضي رأس البر، باعتبارها جزءًا من "وقف الأمير مصطفى عبد المنان" وجاء في حيثياته إن "الحجة التي تعود لأكثر من أربعة قرون لم تُذكر في أي مرجع مساحي أو دفاتر المساحة القديمة أو الحديثة أو المكلفات" فضلًا عن "عدم تقديم هيئة الأوقاف ما يفيد وضع يدها على الأرض في أية فترة زمنية" وإثبات تقارير الخبراء وجود ملكيات للدولة وأخرى مسجلة للأهالي في المنطقة محل النزاع، وكذلك صدور مراسيم خديوية وأخرى ملَكية بتخصيص آلاف الأفدنة من أطيان الحجة لشركات استصلاح الأراضي.

وانتهى الحكم -الذي جاء حاسمًا في عباراته وألفاظه- أن الأرض محل النزاع ليست ضمن أراضي هيئة الأوقاف المصرية، ولا يسري عليها المنشور رقم (18) لسنة 2017 الصادر من مصلحة الشهر العقاري بحظر التعامل والتصرف والسير في الطلبات المتعلقة بأراضي الأوقاف إلّا بعد الحصول على موافقة صريحة من رئيس الهيئة.

كما أن "الإدارية العليا" اعتدّت بقرينة أخرى هي أن التعامل على أراضي رأس البر كان رسميًا ومشهرًا من مصلحة الأملاك الأميرية، مع عدم تسجيل حجة الوقف، وعدم تقديم أصلها إلى القضاء.

 

- وفي يونيو 2025 أصدرت "الإدارية العليا" حكمًا متطابقًا مع السابق (في الطعن 98318 لسنة 69 ق.ع) بشأن قطعة أرض أخرى بين رأس البر والسنانية بدمياط.

حيث أرادت هيئة الأوقاف وقف التعامل عليها، فرفضت "القضاء الإداري" وأصدرت حكمها لصالح المواطنين ثم بات نهائيًا وباتًا، بإلزام مصلحة الشهر العقاري بالسير في إجراءات الشهر نظرًا لثبوت أن الأرض "لا تمت بصلة لأملاك الأوقاف وإنما تقع في الملكية الخاصة وعليها تعاقدات مسجلة متسلسلة منذ أمد بعيد".

ويبدو أن ساحات القضاء ستستقبل المزيد من المنازعات على خلفية منشور الشهر العقاري الأخير وموقف هيئة الأوقاف، بحثًا عن مشهد ختامي يسدل الستار على أسطورة مصطفى عبد المنان، أو مصطفى بن قاسم عبد المنان الدمشقي، الذي لا يعرف أحد حتى الآن أصله وفصله وكيف ارتبط اسمه بنحو 1800 كيلومتر مربع من أراضي مصر!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved