التحول الإيراني من استراتيجية الصبر التكتيكي ورد الفعل إلى المبادرة
آخر تحديث: الأربعاء 10 يونيو 2026 - 11:30 ص بتوقيت القاهرة
د ب أ
يبدو أن إيران تخلت عن عقيدتها التقليدية المتمثلة في امتصاص الضربات والرد المحدود والمتفق عليه أحيانا، لتتحول إلى أخذ زمام المبادرة وتباغت بشن هجمات انطلاقا من أراضيها وليس عبر شبكة وكلائها الإقليميين، وفقا لتوقيتها الخاص، وهو ما تجلى في موقفين خلال الأيام القليلة الماضية، فبعد تنفيذ وعيدها بمهاجمة إسرائيل ردا على استهداف الأخيرة للعاصمة اللبنانية بيروت، أسقطت طهران مروحية أمريكية من طراز أباتشي قرب مضيق هرمز أمس الثلاثاء، لترد واشنطن ويتبادل الجانبان الضربات لأول مرة منذ اتفاق وقف إطلاق النار قبل أكثر من شهرين.
ويرى محللون أن طهران تسعى إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض معادلات ردع جديدة في الشرق الأوسط، لاسيما في ظل تداخل لغة الدبلوماسية مع القوة الخشنة والضربات المتبادلة، نظرا للتحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وكانت الاستراتيجية الإيرانية تقوم من قبل على فكرة تجنب المواجهة المباشرة والاعتماد على حروب الوكالة لحماية الداخل الإيراني والمشروع النووي، لكن يبدو أنه مع تبدل المتحكمين في القرار بالجمهورية الإسلامية تبدلت القناعات وساعد في ذلك الصمود أمام الضربات التي بدأتها واشنطن وتل أبيب في 28 فبراير الماضي، وجولات القصف المتبادلة التي أثبتت عدم دقة الحسابات الأمريكية - الإسرائيلية بشأن إمكانية حسم الأمور عسكريا خلال أربعة إلى خمسة أسابيع والرهان على تأليب الشعب الإيراني على قيادته.
وربما منحت التكنولوجيا الصاروخية والطائرات المسيرة محلية الصنع طهران الثقة ودفعتها للتحرك الهجومي، مستغلة علاقاتها مع القوتين العظميين روسيا والصين، في ظل سعيهما لملء أي فراغ استراتيجي وممارسة الضغط على الولايات المتحدة في إطار صراع الكبار.
ويقول خبراء عسكريون إن حاجة إيران لترميم الردع بعد الضربات المتتالية التي تلقتها، لعب دورا مهما كذلك في تغيير فلسفتها في التعامل مع الحرب الراهنة، حيث رأت القيادة الإيرانية الجديدة أن "الانكفاء" في خانة رد الفعل سيفسر على أنه ضعف.
وفي هذا الإطار، جاءت تهديدات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن بلاده لن تترك أي هجوم أو تهديد دون رد، في وقت كانت تشن فيه الولايات المتحدة ضربات على أهداف داخل إيران ردا على إسقاط المروحية.
ولم تقتصر تهديدات عراقجي على التوعد بالرد على "الرد الأمريكي"، بل دعا القوات الأمريكية إلى الرحيل من المنطقة، قائلا: "غادروا منطقتنا إذا أردتم أن تكونوا في أمان. تاريخ الخليج الفارسي مليء بالفصول التي تروي مصائر مأساوية للمتدخلين الأجانب".
وجاءت التطورات الأخيرة بعد نجاح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في احتواء تصعيد خطير بعد اشتباك مباشر بين إيران وإسرائيل وتبادل للضربات، حرصا منه على عدم انهيار المفاوضات واتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن إسقاط المروحية الأمريكية أحرج ترامب نفسه ولم يدع أمامه اختيارات سوى الرد، في ظل الانتقادات الداخلية التي يواجهها أساسا في الولايات المتحدة وكذلك في إسرائيل بسبب الحرب، مع اختلاف الأسباب.
ووفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، لم يكن الرئيس الأمريكي مقتنعا بضرورة الرد على إيران، معتبرا أن "الأمر ليس بالغ الأهمية"، إلا أنه غير رأيه بعد توصية من وزير الدفاع بيت هيجسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين بضرورة الرد العسكري.
ومع إعلان الجيش الأمريكي انتهاء ضرباته على إيران فجر الأربعاء والضربات الإيرانية في المقابل، والتي أعلن الحرس الثوري الإيراني أنها استهدفت مصالح وأصولا أمريكية في الأردن ومملكة البحرين والكويت، اعتبرت شبكة (سي إن إن) ما حدث دليلا على هشاشة وقف إطلاق النار القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وأنه "يعكس تعثر محاولات الرئيس الأمريكي للتوصل إلى اتفاق ينهي شهورا من الصراع".
ولا يزال من غير الواضح في ظل هذه التطورات ما إذا كانت المفاوضات ستتواصل من النقطة التي توقفت عندها، والتي كانت، وفقا لتقارير عدة "على وشك التوصل إلى اتفاق".
وعلى الرغم من عدم إحراز تقدم ملموس على صعيد المفاوضات، وفي إسقاط على إعلان ترامب المتكرر بشأن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، أحصت وسائل إعلام أمريكية ما لا يقل عن 38 تصريحا علنيا للرئيس الأمريكي قال فيها إن الاتفاق وشيك أو أن إيران كانت متلهفة للتوصل إلى ذلك.
ويرى مراقبون أن إيران لم تعد تنتظر الضربة لترد عليها بعبارات تقليدية كالاحتفاظ بحق الرد في "المكان والزمان المناسبين"، بل باتت تبادر برسم خطوط حمراء بنفسها وتختبر مدى جاهزية خصومها لتباغتهم من منطلق أنها لم يعد لديها ما تخسره.
لكن يبقى السؤال المهم، وهو إلى أي مدى تستطيع طهران الحفاظ على هذا الإيقاع الهجومي لفرض واقع جديد، وهل ستنجح في ذلك أم أنها مغامرة محفوفة بالمخاطر قد تدفع المنطقة برمتها إلى أتون حرب إقليمية شاملة تتجاوز حدود السيطرة.