فى قلب الأحداث.. قراءة فى أفكار وتجارب أمين عام الجامعة العربية الجديد (2)

آخر تحديث: الخميس 9 يوليه 2026 - 7:40 م بتوقيت القاهرة

عرض ـ أشرف البربرى

- محاولات تحقيق السلام الشامل تتحطم على صخرة غطرسة إسرئيل وانحياز أمريكا
- تشكيل فريق كلينتون للسلام بدد المسافة الفاصلة بين المصالح والأولويات الأمريكية والإسرائيلية
- المبادرة العربية عام 2002 خطوة حكيمة فى توقيت خطأ
- الدور الأمريكى منذ منتصف التسعينيات أثبت أن واشنطن لم تعد تصلح وسيطًا نزيهًا بين العرب وإسرائيل
- مؤتمرات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فكرة جيدة أفشلها صعود اليمين الإسرائيلى ووصول نتنياهو إلى الحكم

 

جاء تعيين وزير الخارجية الأسبق، نبيل فهمى، أمينا عاما جديدا للجامعة العربية خلفا للوزير أحمد أبوالغيط، وسط ظروف إقليمية ودولية غير مسبوقة، تشهد فى ظلها منطقة الشرق الأوسط ما يمكن تسميته إعادة رسم خرائطها وتوزيع مراكز الثقل فيها، مع عودة ملف حظر الانتشار النووى إلى بؤرة الاهتمام بسبب الحرب التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بدعوى تدمير برنامجها النووى.


من هنا تصبح قراءة كتاب «فى قلب الأحداث .. الدبلوماسية المصرية فى الحرب والسلام وسنوات التغيير» الصادر عن دار الشروق مهمة لكل المعنيين بالشئون العربية والدولية، حيث يعرض نبيل فهمى على صفحات هذا الكتاب تفاصيل رحلته الدبلوماسية ومع العمل العام منذ التحاقه بوزارة الخارجية عام 1976 وحتى تركه منصب وزير الخارجية فى يونيو 2014.

 

 


منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والصراع العربى الإسرائيلى بشكل خاص خلال السنوات العشر الأخيرة تغييرات متلاحقة ومتناقضة فى الوقت نفسه، بدأت بما يعرف باتفاقات السلام الإبراهيمى بين إسرائيل وعدة دول عربية، حتى بدا الأمر وكأن قطار التطبيع قد انطلق ولن يتوقف، وانتهت بحرب الإبادة الجماعية التى شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة فى أكتوبر 2023 ثم إعادة احتلالها لمساحات واسعة من جنوب لبنان، ليفرض ملف الصراع العربى الإسرائيلى بكل جوانبه نفسه على الجامعة العربية مع تولى أمينها العام الجديد نبيل فهمى منصبه.
وقد ارتبط نبيل فهمى بجهود تسوية الصراع العربى الإسرئيلى وإقامة سلام دام فى المنطقة بشكل وثيق فى واحدة من أهم مراحل هذه الجهود التى أعقبت حرب تحرير الكويت من الغزو العراقى فى عام 1991 والتى تزامنت مع تعيينه مستشار سياسى لوزير الخارجية عمرو موسى.
وانطلقت تلك الجولة من الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام فى الشرق الأوسط بمؤتمر مدريد للسلام الذى بدأ فى 30 أكتوبر 1991، وكان أول مناسبة يجلس فيها الخصوم وجها لوجه على مائدة مفاوضات. وحضرت سوريا المفاوضات على المسار الثنائى من هذه العملية، بعد أن كانت قد رفضت المشاركة فى مؤتمر جنيف قبل نحو 18 عاما.
وكان محتوى ونبرة كلمات الوفود فى الجلسة الافتتاحية للمؤتمر مصدر قلق، لأنها يمكن أن تحدد المناخ العام فيه. وحثت الولايات المتحدة جميع الوفود على تبنى مواقف بناءة، بل وطلبت اطلاعها على كلمات الافتتاح قبل المؤتمر.
يقول فهمى فى كتاب «فى قلب الأحداث»: «عندما طلب الأمريكيون الاطلاع على كلمة مصر، أكدت لهم أنها ستؤيد بقوة الحقوق العربية والفلسطينية، فى الوقت نفسه ستؤكد ضرورة تحقيق السلام، وستنتقد الكثير من المواقف الإسرائيلية، ولكن لن يطلع عليها أحد قبل أن يلقيها رئيس الوفد المصرى فى الجلسة الافتتاحية».
وتلت اجتماعات مدريد اجتماعات ثنائية فى واشنطن كجزء من جهود المؤتمر. وتركزت الأنظار على المسار الفلسطينى الإسرائيلى، وحضر الزعيم الفلسطينى ياسر عرفات إلى القاهرة للتشاور قبل بدء المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين، يرافقه أهم القادة الفلسطينيين والذين أصبحوا بعد ذلك أعضاء فرق المفاوضات الفلسطينية مع إسرائيل فى مدريد وواشنطن وفيما بعد فى أوسلو. وكانت عملية السلام بين العرب وإسرائيل وبخاصة المسار الفلسطينى موضع اهتمام خاص من جانب مصر نظرا لتداعياتها الجيوسياسية واعتبارات الأمن القومى لهذه العملية.

 

السرية سبب النجاح


وصلت المفاوضات الثنائية على المسار الفلسطينى الإسرائيلى فى واشنطن ومدريد سريعا إلى حالة جمود، وركز مسئولو منظمة التحرير الفلسطينية والإسرائيليون على قناة سرية للاتصالات المباشرة، عبر عملية أوسلو للسلام التى بدأت فى يناير 1993 بفضل جهود الدبلوماسية النرويجية منى يول التى كانت تعمل مع زوجها الأكاديمى ووزير الخارجية النروريجى تيرى رود لارسن الذى أصبح فيما بعد مبعوث الأمم المتحدة الخاص بالشرق الأوسط.
وقد تكون عملية أوسلو واحدة من أكثر الأسرار التى تمت المحافظة عليه فى الدبلوماسية الفلسطينية والإسرائيلية، حيث اعتاد الجانبان على تسريب المعلومات كجزء من مشاحناتهما الدبلوماسية والمناورات السياسية الوطنية. وكان هناك 4 أشخاص فى مصر يعرفون منذ البداية بعملية أوسلو وهم حسنى مبارك وعمرو موسى وأسامة الباز باعتباره المستشار السياسى للرئيس مبارك، وأنا باعتبارى المستشار السياسى لوزير الخارجية. كان الباز متفائلا للغاية بهذه المحادثات السرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، دون إبداء أسباب. وكنا نحن نتشكك فى جدواها، وبخاصة بسبب تباين طبيعة الوفدين، حيث ضم الوفد الإسرائيلى شخصيات غير رسمية، فى حين ضم الوفد الفلسطينى أقرب المسئولين من ياسر عرفات.
وبعد ثمانية أشهر من المحادثات المكثفة والسرية وقّع الفلسطينيون والإسرائيليون اتفاق «أوسلو1» فى البيت الأبيض يوم 13 سبتمبر1993، وكانت مناسبة تاريخية حضرتها مع عمرو موسى كممثلين لمصر، ومع بهجة المناسبة، لم يخل الاحتفال من لحظات توتر، فقد تردد رابين فى مصافحة عرفات علانية على المنصة، قبل أن يصافحه بعد ضغط جاد من جانب الرئيس الأمريكى بيل كلينتون.
وعلى عكس الرؤساء الأمريكيين الآخرين فى بدايات فتراتهم الرئاسية، فإن الرئيس بيل كلينتون شهد نجاحا فلسطينيا إسرائيليا فى بداية ولايته، لذلك أثارت اتفاقيات أوسلو شهيته للتعامل مع هذا الملف مبكرا، وسرعان من أتخم فريقه لعملية السلام فى الشرق الأوسط فى وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومى بمؤيدين أقوياء لإسرائيل، فيما همش تماما دور مكتب الشرق الأدنى فى وزارة الخارجية والذى كان يتعامل مع ملف الشرق الأوسط. وأدى هذا إلى تلاشى المسافة الفاصلة بين المصالح والأولويات الأمريكية والمصالح والأولويات الإسرائيلية، والتى لم تكن تتطابق دائما حتى ذلك الوقت.
ويقول نبيل فهمى «كانت وزارة الخارجية المصرية تحت قيادة عمرو موسى تتدخل بقوة لصالح فلسطين. وأعرب الإسرائيليون وأعضاء فريق السلام فى الخارجية الأمريكية مرارا عن عدم ارتياحهم لدور الخارجية المصرية، وأثاروا الشكوك أحيانا حول دورى وكثيرا حول دور موسى. وفى مناسبات عديدة سواء فى مصر أو فى واشنطن كان المسئولون الأمريكيون يناورون لكى يستبعدوا الخارجية المصرية من الاجتماعات رفيعة المستوى التى كانوا يعقدونها، حتى التى كانت تحضرها وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت، مما يعد مخالفا لكل قواعد البروتوكول التقليدية».
بعد مؤتمر مدريد واتفاقات أوسلو، تأرجحت عملية السلام فى الشرق الأوسط بين ومضات أمل خاطفة وموجات فشل قوية، واتسم النصف الثانى من عقد التسعينيات بشكل خاص بسيطرة أمريكية كاملة على عملية السلام، وبخاصة على المسار الفلسطينى ـ الإسرائيلى، وللأسف أثبتت الولايات المتحدة خلالها أنها لم تعد تصلح وسيطًا نزيهًا بين الأطراف.

 


رحلة إلى غزة


كل هذه العوامل أدت إلى زيادة التحديات التى تواجه عملية السلام المتذبذبة بالفعل. وفى خريف 1996، وعندما كان الفلسطينيون والإسرائيليون يتفاوضون على ما أصبح يعرف باسم «اتفاق الخليل» لتوسيع نطاق السلطة الفلسطينية لتشمل الحى القديم من مدينة الخليل فى الضفة الغربية، طلب كلينتون من مبارك إرسال مستشاره السياسى أسامة الباز للاجتماع مع عرفات لحثه على المرونة فى المفاوضات، ورغم أن مبارك كان دائما متعاونا مع الغرب، فإنه كان يرفض دائما أن يحدد له أى طرف أجنبى من يكلفه من المسئولين المصريين لأداء مهام محددة حتى إذا جاء ذلك من الولايات المتحدة، لذلك تجاهل طلب كلينتون.
وبعد بأشهر قليلة، وفى أواخر ديسمبر تحديدا، طلب كلينتون من مبارك مرة أخرى إرسال مسئول مصرى لمساعدة عرفات فى المفاوضات، دون أن يحدد اسم المسئول المقترح. فتلقيت اتصالا هاتفيا من سكرتير الرئيس لشئون المعلومات فى ساعة متأخرة من الليل ليبلغنى بأن الرئيس طلب منى مقابلة عرفات فى قطاع غزة فى صباح اليوم التالى، لتقديم المشورة إليه، واقترح على اصطحاب مستشار قانونى فى هذه الرحلة، دون أن يتم توجيهى نحو أى خيارات لتقديمها للرئيس عرفات. فاتصلت هاتفيا بعمرو موسى، الذى كان خارج القاهرة، وسألته، ورد على بالقول إننى أعرف الخيار الاستراتيجى للسياسة المصرية، وعلى استخدام حسن تقديرى للأمور، على أن نظل على تواصل خلال المفاوضات.
وفى ساعة مبكرة من صباح اليوم التالى، سافرت بالسيارة إلى غزة برفقة أستاذ القانون مفيد شهاب فى رحلة استغرقت خمس ساعات، وعندما وصلت إلى غزة طلب عرفات رأيى فى صياغة النص الجارى التفاوض حوله بين الفلسطينيين والإسرائيليين تحت رعاية الولايات المتحدة، وفى منزل السفير الأمريكى لدى إسرائيل مارتن إنديك.
وبعد قراءة نص الاتفاق، تصورت لأول وهلة من اللغة الإنجليزية الرصينة المكتوب بها أنها إما مسودة أمريكية أو إسرائيلية، فمقدمة الاتفاق جاءت متسقة تماما مع الطموحات الفلسطينية، لكنه فى النهاية تجاهل كل شىء تم تقديمه فى السابق للفلسطينيين. ونظرت إلى عرفات وقلت له ذلك بصراحة. وطلب منى تقديم مسودة اتفاق قوية، لكنها قابلة للتفاوض، ويمكن أن تكون جزءا من أى اتفاق فلسطينى إسرائيلى، وقد قمت بذلك قبل المغادرة الى فندق الطاحونة للاقامة، وهو فندق تعرض للحريق بعد ذلك بسنوات خلال أحداث الشغب بقطاع غزه.
وفى فجر اليوم التالى، تلقيت اتصالا هاتفيا من مارتن إنديك يسألنى فيه عن طبيعة الدور الذى أعتزم القيام به مع عرفات، و ذكر صراحة أنه يشعر أننى قمت بدور غير مفيد من خلال إعادة كتابة مسودة فلسطينية، يصعب قبولها. ورددت على إنديك بالقول «أنا هنا لمساعدة عرفات فى الوصول إلى القرار الذى يريده»، وكنت أعلم جيدا أننى اقترحت مسودة أقوى من تلك التى تم عرضها علىّ، لكننى رأيت أنها ما زالت تصلح للتفاوض، لكن فاجأنى حقا قول أنديك إن الجانب الفلسطينى هو من أعد النص الأصلى.
وعندما قابلت عرفات سألته لماذا لم يبلغنى بأن النص الأصلى الذى قدمه لى كان فلسطينيا. ولم يرد عرفات، ثم استوقفنى، ونحن متجهون إلى قاعة اجتماعات لتناول الغداء، وقال بصوت مسموع «أخى نبيل، هل عرفت لماذا طلبت حضورك ومساعدتك؟ فقد رأيت ما حدث أمس مع لغة المسودة: كل واحد من الأخوة الفلسطينيين الموجودين هنا يعيش فى الشتات وله علاقات والتزامات، ومسئوليات نحو الدولة التى يعيش فيها والتى لها أجندتها الخاصة. ومصر هى الدولة الوحيدة التى لديها أجندة قومية لا تتعارض مع الأجندة الفلسطينية. لذلك أردت حضورك للحصول على نصيحة خالصة وموضوعية».
أمضيت الأيام الستة التالية فى غزة لمساعدة عرفات فى دراسة النصوص والمناقشات التى كان يجريها الفلسطينيون مع الإسرائيليين، بحضور الوفد الأمريكى الذى يضم دينس روس المبعوث الأمريكى للشرق الأوسط ونائبه أرون ميللر.
ومما أثار قلق كل الأطراف وبخاصة الأمريكيين، إعلان الرئيس مبارك بشكل شبه يومى قلقه من العديد من النقاط التى يجرى التفاوض بشأنها، والتى كنت أنقلها إليه فجر كل يوم، إلى أن أصبحت شخصيا غير مرتاح للمفاوضات، التى أصبحت بلا معنى بالنسبة للفلسطينيين، وتتيح لهم مكاسب هامشية مقابل منح إسرائيل حق فرض قيود شديدة على مدينة الخليل وتهويدها. ونقلت مخاوفى إلى عرفات، لكننى أكدت أن الأمر فى النهاية متروك له لتحديد ما يمكن للفلسطينيين قبوله.
وفى ٦ يناير ١٩٩٧ شعرت بأن التوصل إلى اتفاق أصبح وشيكا، وأبلغت عرفات بضرورة عودتى إلى مصر بسبب بعض الشئون الشخصية. ووصلت إلى منزلى قبل فجر اليوم التالى، بعد رحلة طويلة بالسيارة أيضا عبر سيناء. وبعد أقل من ساعة من وصولى، تلقيت اتصالا هاتفيا من موسى يقترح فيه تناول الإفطار مع عرفات، فوجئت تماما بالطلب، حيث تبين أن عرفات قد عبر سيناء أيضا بعدى بوقت قصير متجها إلى القاهرة، وأنه مقيم كالمعتاد فى قصر الأندلس بمصر الجديدة.
وبعد ذلك بساعتين، كنت أنا وموسى مع عرفات لينظر الأخير نحوى بابتسامة يشوبها نوع من الاستغراب، وقال «لماذا سافرت من غزة؟ هل تصورت أننى كنت سأوقع الاتفاق مع هذا الكذاب؟» كان ردى ببساطة «لقد جئت إليك لأقدم لكم نصيحة مصر، لكن التوقيع أو عدم التوقيع على اتفاق الخليل أمر يعود لك وحدك كزعيم للشعب الفلسطينى». وعندما التقى عرفات مع الرئيس مبارك بعد ذلك بقليل، أكد له أنه لم يكن يعتزم توقيع الاتفاق. وفى النهاية أجهضت المفاوضات، ليتم استئنافها والتوصل إلى اتفاق حول الخليل بعد ذلك بشهور على أساس نص أفضل من الذى كان مطروحا فى أول الأمر.
وفى 24 يونيو 2001 وبعد نحو ستة أشهر من توليه السلطة أعلن الرئيس الأمريكى الرئيس جورج بوش الابن رؤية أمريكا لإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل كسياسة رسمية للولايات المتحدة، وهو الإعلان الأول من نوعه بالنسبة لأى رئيس أمريكى خلال ولاية رسمية.


مبادرة العرب


مع وقوع الهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة فى ١١ سبتمبر ٢٠٠١، تضررت صورة العرب والمسلمين بشدة، وأصبح العالم العربى تحت ضغط سياسى واسع وشديد، وكان هذا الأمر واضحا فى أذهان القادة العرب الذين كانوا يستعدون للمشاركة فى القمة العربية بمدينة بيروت يوم ٢٨ مارس ٢٠٠٢، والأغلبية معنية بالتصدى لهذه الظروف وعلى رأسها السعودية، فى ضوء تورط ١٥ سعوديا من بين ١٩ شخصًا نفذوا الهجمات.
وبالفعل تبنى القادة العرب بعد جهد كبير من السعودية والأردن وثيقة تاريخية عرفت باسم مبادرة السلام العربية. وإذا اعتبرنا مؤتمر مدريد للسلام عام ١٩٩١ نقطة بداية للوصول إلى اتفاقية سلام إقليمية، فإن العرب فى بيروت اتخذوا خطوات عديدة جديدة لإعلان استعدادهم لتطبيع العلاقات مع إسرائيل مقابل إنهاء احتلال الأراضى العربية.
كانت التنازلات التى قدمها العرب فى هذه المبادرة شديدة الأهمية، كما كانت المبادرة نفسها خطوة حكيمة، ولكن فى المقابل فإن توقيتها كان خطأ؛ لأنه لم يكن هناك أى احتمال حقيقى لتحقيق تقدم فى هذه المرحلة والعالم العربى تحت ضغط شديد، ورئيس الوزراء الإسرائيلى أرييل شارون يحتجز الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات رهينة، فى مكتب السلطة الفلسطينية بمدينة رام الله ويرفض السماح له بحضور القمة والعودة إلى الضفة الغربية، بل ذكرت مصادر إسرائيلية حينذاك أن الحكومة الإسرائيلية ناقشت بجدية فكرة التخلص من عرفات.
والحقيقة أيضًا أن العرب لم يبذلوا جهدًا كبيرًا لتسويق المبادرة؛ حيث بدت كأنها مجرد محاولة لمواجهة تنامى مشاعر العداء للعرب والمسلمين فى أعقاب هجمات ١١ سبتمبر. وعلى الرغم من ترحيب المجتمع الدولى بالمبادرة، فإن أحدا لم يتحرك لاعتمادها أساسًا للمفاوضات، وأصبح الاقتراح العربى التقدمى الجرىء الذى لا يقدر بثمن، فرصة ثمينة أخرى مهدرة لتحقيق السلام.


وهم الشرق الأوسط الجديد


وبالتوازى مع المفاوضات الثنائية على المسارين الفلسطينى الإسرائيلى والسورى الإسرائيلى أطلق الأمريكيون مسارا موازيا يستهدف التعامل مع القضايا متعددة الأطراف عبر مؤتمرات متعددة الأطراف، ومن أهمها ما عرف باسم مؤتمر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA) الذى عقد على غرار المنتدى الاقتصادى العالمى (دافوس)، بناء على فكرة شيمون بيريز، وعقد أول مؤتمر فى مدينة الدار البيضاء بالمغرب فى نوفمبر ١٩٩٤؛ بهدف تشجيع التبادل الاقتصادى والتعاون بين دول الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل؛ بوصفها جزءًا من جهود التطبيع وتحقيق السلام.
وعن مؤتمر الدار البيضاء يقول نبيل فهمى «بعد وصولنا إلى المغرب مباشرة وفى أثناء جلوسى مع عمرو موسى فى جناحه الخاص قبل ساعات من أول اجتماع، طلب عرفات مقابلتى فذهبت إليه، وعلى مدخل جناحه وجدت الزعيم الفلسطينى مضطربا وقلقا وينتظرنى بتوتر. وطلب من الفلسطينيين الموجودين فى الغرفة تركنا بمفردنا.
وقال عرفات: «أخى نبيل، أنا قلق من تمييع قضيتنا، وأن تتحول الأحلام الكاذبة بشرق أوسط جديد إلى غطاء يخفى المزيد من الانتهاكات على حقنا الثابت فى قيام دولة ذات سيادة». ورددت بالقول إن الملك الحسن الثانى ملك المغرب بحكم مكانته الدينية أميرًا للمؤمنين ورئيسًا للجنة القدس فى منظمة المؤتمر الإسلامى سيكون حريصا على حماية الحقوق الفلسطينية، فرد عرفات علىّ بالقول: «بسبب أهمية وضع الملك الحسن، فأنا أخشى من أن يحاول رابين بدء تهميش القضية الفلسطينية من هنا؛ لأن ذلك سيجعل الأمر يبدو وكأن العالم الإسلامى يطبع علاقاته مع إسرائيل.
ونقلت مخاوف عرفات إلى عمرو موسى الذى طلب منى مقابلة أندرى أزولاى المستشار السياسى لملك المغرب؛ لأوضح له الحرج المحتمل إذا ألقيت كلمات حماسية ساخنة فى حضور الملك؛ لأنه سيصعب على عرفات أو موسى السكوت على أى تجاوز إسرائيلى فى حق الفلسطينيين، وخاصةً حول القدس. وعند انطلاق الجلسة الافتتاحية لقمة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تصاعد التوتر بالفعل، وبخاصة عندما وردت الإشارة إلى القدس فى كلمة رابين، ولكن المغاربة كانوا دبلوماسيين بارعين، وبخاصة الملك الحسن الثانى، وتمكنوا من التعامل مع الاجتماع بحكمة وإدارته دون ضجة كبيرة، وقد بات واضحًا قيام المغاربة بالتحدث إلى الطرفين قبل الاجتماع لضبط الإيقاع.
وعقدت القمة الثانية لمؤتمر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فى العاصمة الأردنية عمان عام ١٩٩٥، وشهد جدلًا كبيرًا أيضًا، فكانت مصر غاضبة من وضع إسرائيل للعربة أمام الحصان فى الشرق الأوسط، بإصرارها على تطبيع العلاقات قبل الوصول إلى تسوية للقضية الفلسطينية، التى تعتبر جوهر الصراع العربى ـ الإسرائيلى.
وعقد المؤتمر الثالث للشرق الأوسط وشمال إفريقيا فى القاهرة خلال الفترة من ١٢ إلى ١٥ نوفمبر ١٩٩٦، ومثل أى تجمع شرق أوسطى، كانت به بعض لحظات التوتر، فكانت مصر قد ألقت للتو القبض على الدرزى الإسرائيلى عزام عزام بتهمة التجسس، وبعد وصوله إلى القاهرة أعلن وزير الخارجية الإسرائيلى ديفيد ليفى بشكل مفاجئ أنه لن يشارك فى المؤتمر إذا لم يتم الإفراج عن عزام.
يقول فهمى «انتحى عوديد إيران كبير مستشارى وزير الخارجية الإسرائيلى بى جانبا، لكى يوضح لى تمسك وزير خارجية إسرائيل بموقفه من عدم المشاركة فى أعمال المؤتمر، وقلت بوضوح كامل للدبلوماسى الإسرائيلى إن الجلسة المخصصة ستستمر بدون ليفى، وإن مصر ستكون أسعد إذا أتيحت لها فرصة استغلال هذا المؤتمر للتركيز على مصالحها الاقتصادية وجذب الاستثمارات بدلا من الترويج للتعاون الاقتصادى الإقليمى. وبالفعل لم يتحدث ليفى أمام المؤتمر لكنه حضر الجلسة الرئيسية، ووزع الوفد الإسرائيلى بيانا معدّا بشكل مسبق بديًلا للكلمة».
وفى عام ١٩٩٧ عقدت الدورة الرابعة لمؤتمر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فى الدوحة خلال الفترة من ١٦ إلى ١٨ نوفمبر، وكان هدف الأمريكيين والإسرائيليين هو التطبيع «العلنى» للعلاقات الإسرائيلية مع دول الخليج العربى، والأمل فى أن تجذب هذه القمة مشاركين من دول الخليج من خلال العلاقات الاقتصادية بغض النظر عن المسار السياسى الذى كان قد وصل إلى درجة الجمود. وبالطبع كان عقد القمة فى دولة خليجية بعد المغرب والأردن ومصر أمرا جذابا بالنسبة إلى الإسرائيليين والأمريكيين، لكن الأمل فى أن يشهد اختراقًا كبيرًا فى العلاقات لم يتحقق؛ حيث كان الحضور والمشاركة فاتريْن وغير واسعيْن، ولم تشارك مصر فى المؤتمر بوفد حكومى رسمى، وتركت الحرية للقطاع الخاص المصرى، للمشاركة من عدمها، فحضر بعضهم وإنما تغيبت الأغلبية.
ولم تكن مصر تدعم مسار «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» بحماسة. بل كانت المؤسسات الحكومية المصرية غاضبة من أن إطار عمل السلام الذى وقعه السادات ومناحيم بيجين فى كامب ديفيد قبل ذلك بأكثر من عقد من الزمن، لم يحظَ بنصيب عادل من التفكير من جانب الأطراف المعنية، فى ظل حرص إسرائيل على الانفراد بسلام مع مصر دون الوفاء بالتزاماتها الإقليمية، وكانت هناك عدة دروس مستخلصة من تجربة السلام الثنائى مع إسرائيل لا يجب تجاهلها، وأهمها أن أى نظام سياسى جديد يجب أن يحل الصراع الوطنى السياسى القائم إذا رغبت إسرائيل فى التطبيع الكامل مع الدول العربية.
بعد مرور عقود على آخر حرب عربية ـ إسرائيلية شاملة فى أكتوبر ١٩٧٣، ومع اتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل والأردن وإسرائيل واتفاقيات أوسلو، سنحت فرصة كبيرة أمام الجيل الجديد فى الشرق الأوسط للمضى قدما نحو المستقبل؛ لذلك كانت مؤتمرات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من الناحية النظرية وسيلة جيدة لتعزيز هذا الاتجاه، لكنها فقدت زخمها لتراجع المفاوضات الثنائية الإسرائيلية ـ العربية وخاصة مع الفلسطينيين بل تصاعدت الخلافات بين العرب وإسرائيل، بخاصة مع صعود اليمين الإسرائيلى فى الانتخابات ووصوله إلى الحكم تحت رئاسة بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء. وبقدر ما كانت الآمال فى تحقيق السلام فى الشرق الأوسط كبيرة قبل سيطرة نتنياهو ومعه اليمين الدينى ثم اليمين الصهيونى القومى على الحكم فى إسرائيل تلاشت كل آمال السلام أمام العدوانية والغطرسة الإسرائيلية التى بلغت ذروتها فى حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين فى قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 وإعادة احتلال الجنوب اللبنانى أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved