السلاح النووى - مصطفى الفقي - بوابة الشروق
الإثنين 20 أبريل 2026 8:28 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. هل استحق الأهلي ركلة جزاء أمام سيراميكا كليوباترا؟

السلاح النووى

نشر فى : الإثنين 20 أبريل 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الإثنين 20 أبريل 2026 - 7:05 م

شاءت الأقدار أن اقترب كثيرًا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية فى فيينا عندما جرى تعيينى عام 1995 سفيرًا فى النمسا ومندوبًا لمصر مقيمًا لدى الوكالة فأمضيت أربع سنوات عضوًا فى مجلس محافظى الوكالة الذى كانت فيه مصر قبل ذلك العام عضوًا دائمًا يحتل مقعد جنوب إفريقيا التى جرى سحب المقعد منها بسبب سياسة الأبارتايد والممارسات العنصرية التى مارسها البيض ضد السود فى ذلك البلد الإفريقى الكبير، لذلك قيل لى يوم وصولى إنك ستكون مرشحًا غدًا لمقعد فى الوكالة بالانتخاب بعد أن ظل مع مصر عدة سنوات فى غياب تمثيل حكومة جنوب إفريقيا فى المجلس.


شعرت بالمسئولية الكبيرة حيال هذه المهمة الفنية الدقيقة من الجانبين أولهما الوعى بالقانون ودور السلاح النووى فى السياسات العالمية، والثانى هو الشعور بصعوبة التعامل مع مثل هذا الملف بكل ما يحمله من مخاطر وما يحتويه من ملاحظات.


خضت الانتخابات فى اليوم التالى وفازت مصر بالمقعد لعامين متتاليين، ومثلما كانت هناك مطالبات دولية من جانب الدول الإفريقية للحصول على مقعد دائم أو قل مقعدين فى مجلس محافظى الوكالة إذا أردنا العدالة للدول الإفريقية التى كان يربو عددها على الخمسين دولة، عندئذ يتحدد مصير مصر فى تعاملها مع الدول المختلفة فى وقت كان فيه الدبلوماسى السويدى المخضرم هانز بلكس وزير خارجية السويد الأسبق هو مدير عام الوكالة وكان نائبه للشئون القانونية والعلاقات الدولية هو د.محمد البرادعى الدبلوماسى المصرى الذى أمضى معظم سنوات حياته فى الوكالة، ولقد فوجئت بوجود ما يزيد على عشرة مفتشين نوويين من أبناء مصر الذين انخرطوا فى أعمال الوكالة قبل ذلك بعدة سنوات بعد تخرجهم من قسم الفيزياء النووية بهندسة الإسكندرية ولاحظت أن المجموعة المصرية تمثل كتيبة ضاربة لدى مجلس الوكالة عند القيام بمهام التفتيش النووى سواء فى كوريا الشمالية أو فى إيران أو غيرهما وهم علماء نوويون أمضى بعضهم عشرات السنين فى مهمتهم بالغة الحساسية شديدة الأهمية وهم يعملون فى مجالات منع الانتشار والأمان النووى أو الدعم الفنى للإفادة من الطاقة النووية فى الأغراض السلمية.


اكتشفت منذ ذلك الحين أن الساحة النووية واسعة وتضم أطيافًا من القدرات والإمكانات وأن الوكالة تمثل بحق النادى النووى المغلق الذى تستمتع فيه الدول دائمة العضوية بالكثير من المزايا ذات الدرجة العالية من الحساسية والاهتمام، وكم تحاورت مع نفسى طوال تلك السنوات التى قضيتها فى فيينا ممارسًا لهذا العمل الذى يجمع بين الدبلوماسية الثنائية وعملى أيضًا فى الوكالة تحت مظلة الدبلوماسية متعددة الأطراف إلى جانب نشاطى فى السفارة تحت مظلة العلاقات الثنائية بين بلادى وجمهورية النمسا.


اكتسبت من تلك المرحلة خبرات واسعة فى ذلك الميدان الذى كان يبدو بعيدًا عن اهتمامى قبل الدخول فيه كما اكتشفت أن المسافة واسعة بين الدول النووية قليلة العدد والدول غير النووية، وكنت أتأمل دائمًا مخاطر ذلك السلاح الجديد الذى وفد على الإنسانية قبيل نهاية النصف الأول من القرن العشرين والذى جرى استخدامه من جانب الولايات المتحدة الأمريكية على هيروشيما وناجازاكى على نحو غير وجه البشرية ووضع الإنسانية فى مواجهة خطر داهم رغم المزايا الكبرى للاستخدام النووى فى توليد الطاقة بل وفى الأغراض السلمية عموميًا.


كنت ألعن فى سريرتى من فتح باب الاستخدام العسكرى أمام الطاقة النووية وأبارك أيضًا من قام بتفعيل استخدامها فى الأغراض السلمية وأهداف التعاون الفنى سواء فى تحلية مياه البحر أو محاربة الآفات التى تتعرض لها المحاصيل الغذائية أو حتى مقاومة ذبابة الفاكهة فالأغراض السلمية للطاقة النووية هى بغير حدود رغم مخاطر الانتشار النووى ونتائجه التى تلحق بالبشرية نتيجة استخدام السلاح النووى أو حتى التهديد به حتى برزت نظريات الردع النووى وأصبحنا أمام دول متميزة فى مواجهة دول أخرى عارية نوويًا، ولا زلنا نتذكر التنافس الهندى الباكستانى فى هذا الميدان عندما وقف العالم على أطراف أصابعه فى الأسابيع القليلة التى فصلت بين وصول كل من الدولتين إلى إنتاج القنبلة حتى أصبح المسلمون فى العالم يطلقون على القنبلة الباكستانية الجديدة لفظ القنبلة الإسلامية وهو ما حاولت إيران تقليده ولكنها مضت فى طريق مستفز للآخرين وهددت الجيران وأخافت كل من يعرفها صديقًا أو عدوًا لأن القنبلة النووية حين تصبح أيديولوجية الطابع وتعبر عن مبدأ محدد بغض النظر عن الأهداف النبيلة للأغراض السلمية فإننا نكون أمام خطر مؤكد.


اقترن وصولى إلى العاصمة النمساوية باستفتاء شعبى جرى على مستوى الدولة هناك جاءت أغلبيته ضد استمرار استخدام الطاقة النووية ومواصلة الاعتماد عليها فى الأغراض المختلفة وذلك على الرغم من أن دولة أوروبية مجاورة مثل فرنسا تعتمد على 80% من طاقتها عمومًا على النشاط النووى السلمى الذى يبدو أرخص مصادر الطاقة وإن كان أكثرها خطرًا وأشدها صعوبة خصوصًا من الناحيتين السياسية والبشرية.


إننى أتذكر ذلك كله الآن وأنا أرقب المعايير التى تتأرجح بين الصعود والهبوط داخل النادى النووى الذى اقتحمته دول قد تبدو خارج السيطرة مثل كوريا الشمالية أو لوحت به دول أخرى ولو من بعيد مثلما فعل الكرملين الروسى فى بعض لحظات المواجهة الدامية بين روسيا وأوكرانيا، فالقيمة الحقيقية للسلاح النووى ليست فى استخدامه ولكن فى التلويح بذلك فهو سلاح للردع أكثر من كونه سلاحًا للقتال، لذلك ظلت الحروب وسوف تبقى بعيدة عن استخدامه بعد التجربة الأليمة للقنبلتين الأمريكيتين على أرض اليابان والتى جرى بهما حسم نتائج الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء الذين فرضوا على ألمانيا واليابان وغيرهما من الدول المساندة للمحور فى الحرب العالمية الثانية عقوبات لا زالت آثارها باقية حتى الآن، ويهمنى هنا أن أشير إلى ملاحظتين لهما أهمية خاصة فى هذا المجال وهما:
أولاً: إن دخول النادى النووى للدول الجديدة يمكن أن يأتى عن طريق الانتساب وليس بالضرورة أن يكون ذلك بالانتظام المباشر، فالاتفاق السعودى الباكستانى يمكن أن يكون مظلة وطنية للدولة السعودية وشقيقاتها فى دول الخليج لإطلاق نوع من الردع تجاه خصوم السلام ودعاة الحرب فى تلك المنطقة الحساسة من غرب آسيا وإقليم الشرق الأوسط، كما أنه يجب أن ندرك أيضًا أن المضى فى البرامج السلمية للطاقة النووية هو شوط مؤثر فى إنتاج السلاح النووى أو الاقتراب منه.


ثانيًا: لقد حاولت دول كثيرة المضى فى ذلك الطريق وأتذكر أن مصر على سبيل المثال فى عهد الرئيس عبدالناصر قد بدأت نشاطًا من ذلك النوع ولكن جرى إجهاضه بفعل الهزيمة العسكرية فى منتصف ستينيات القرن الماضى وأتذكر أن عراب ذلك البرنامج كان ضابطًا قريبًا من عبدالناصر وهو صلاح هدايت كما فشلت أيضًا تجارب القاهر والظافر لإدخال مصر فى عصر الفضاء، إذ أن ذلك المسعى حين يكون ضد الإرادة المتغطرسة والمتفردة للقوى الكبرى من أعضاء النادى النووى فإنه يكون محكوما عليه بالفشل، والملاحظ هنا هو أن سياسة ازدواج المعايير والكيل بمكيالين تبدو واضحة فى تعامل النادى النووى مع دولة إسرائيل التى تملك ترسانة من ذلك السلاح الفتاك الذى يؤرق البشرية صباح مساء ويخيف الأصدقاء والأعداء معًا لأنه ليس سلاحًا محدود الاستخدام أو تحت السيطرة الكاملة بل هو سلاح منفلت يكفى أن يكون للردع بدلًا من أن يصل إلى مرحلة الاستخدام.


هذه قراءة موجزة حول تجربة إنسانية عشتها قبيل منتصف العمر وأدركت منها ومعها أن التقدم العلمى والتفوق التكنولوجى هما سلاح ذو حدين لأنه يسلب الأمان والطمأنينة من البعض بقدر ما يعطيهما للبعض الآخر فى ظل صراع محموم من أجل السيطرة والاستحواذ على عالم اليوم.. إن السلاح النووى شبح مخيف يؤرق البشرية فى جميع الظروف ومختلف الأحوال!

نقلا عن إندبندنت عربية

التعليقات