فى تقلُّبات الدَّهر - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
السبت 11 أبريل 2026 12:39 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

فى تقلُّبات الدَّهر

نشر فى : الجمعة 10 أبريل 2026 - 10:55 م | آخر تحديث : الجمعة 10 أبريل 2026 - 10:55 م

جلس رجلٌ فى أواسط العمر ومن حوله بضعة أصدقاء؛ ينصتون لأشعار مختارة يلقيها. كان يتمايل مندمجًا مع الكلمات، يحرك يديه ويؤمن على المعانى بهزات خفيفة من رأسه؛ فيما يطلق السامعون آهات الاستحسان. سمعته يشدو بأبيات جاهين: "عجبى عليك يا زمن .. يا بو البدع يا مبكّى عينى دمًا .. إزاى أنا أختار لروحى طريق .. وأنا اللى داخل فى الحياة مرغمًا.. عجبي!!". انتهى من وصلته؛ فانطلق التصفيق وتصايح الجالسون معلنين إعجابهم؛ إذ لم يكن والحال على ما هى عليه ختامٌ أفضل.
• • •
الزَّمنُ رفيقٌ إجباريّ وخَصم أصيل؛ لا مفرَّ من صحبته ولا مَنجى من بصمته، يَحذَر مرورَه الجَّميع؛ إنما لا يجدون فى غيره الحماية. يمضى فيترك أثرَه على البدن والروح، يعبث بالذاكرة، يبدد الأحلام والأمنيات؛ لكنه أيضًا يطبّب الجروحَ ويداوى الآلم، ويُلقى بغلالة ثقيلة على مواطن الوَجع، فيخفيها ولو إلى حين. خشية الناس منه؛ ترتبط بحتمية التداعى والأفول، ولجوءهم إليه؛ طلبٌ للراحة من طولِ شقاء.
• • •
قال اسحاق بن ابراهيم المَوصليّ: "وإنى رأيت الدَّهرَ من صُحبتِه .. مَحاسنه مقرونةٌ ومَعايبه .. إذا سرَّنى فى أول الأمر لم أزلْ .. على حذر من أن تذمَّ عواقبه". التوَجُّس مِن الآتى غريزةٌ كامنة فينا، وعادة كثيرِ الناس حين يُغرِقون فى الضَّحك والسُّرور أن يتحسَّبوا من التالى، فيقولون: "اللهم اجعله خير"؛ وكأن الفرحَ لا مَحالة منقوصٌ، يصعب أن يدومَ أو يستمرَّ لفترة طويلة، وقد جرت العادة بأن يأتيَ ما يُعكّر الصَّفوَ، ويذهب بالمزاجِ الطيّب، ويستَحضِر محلَّه النكدَ والهُموم.
• • •
بعض المرَّات تتكأكأ العقباتُ بلا مبرر، فيصادف المرءُ ما يُعطل خططَه ويجمّدها؛ وإذ يعمَد المحيطون به إلى مواساته وتهدئة خاطرِه والتخفيف عنه؛ فإنهم يذكّرونه بالأوقات الجميلة التى قضاها فى حياته، ويشيرون إلى طبيعة الدنيا التى لا تستقرُّ أبدًا على وجه؛ مُستعينين بالأمثولةُ الحكيمة: "يوم لك ويوم عليك"، ولا عجب أن يكررها الواحد منا كلما تعقَّدت الأمور؛ كى يشعرَ فى ضوئِها بشيء من الرضاء، ويواصل السَّعيَ طمعًا فى الوصول إلى اليوم المَرغوب.
• • •
يحتفظ كثيرُ الناس بأملهم فى التغيير وتحقيق مستقبل أفضل؛ يتمتعون فيه بالحدود المَقبولة من العَيش الكريم. يُمَنُّون أنفسهم بأن ثمَّة ما يخبئه القدر، ويدفعون عنهم شبح اليأس ما ازدادت الأوضاع سوءًا؛ مؤكدين أن "دوام الحال من المحال". الحكمةُ صادقةٌ لكنها مَشروطة؛ فالحال تعتمد على ما مَهَّد الواحد بيديه وما استوعَب بعقله وما أنجزَ بإرادته، والمُحال الحقيقيّ أن يقبعَ فى مكانه، مُعرِبًا عن أمله فى تحسُّن الظروف وزوال الغيوم واستقامة المَسار؛ مُتوقعًا الاستجابة لأمنياته دون أن يُحركَ ساكنًا.
• • •
حين يتعرَّض المرءُ لتقلباتٍ شديدة تطيح باستقراره وطمأنينته وتهبط به فجأة من علٍ؛ يجد مِن المأثورات ما يُوجِز واقعَه دون التطرُّق للتفصيلات وفى المقدمة تلك الجُّملة الشهيرة: "الزَّمن غدَّار". يأتى وصفُ الزَّمن فى صيغة مبالغة، مَقرونة بأسلوب تقريريّ لا يترك مساحة لاحتمالات أخرى. إلقاء المسئولية على الزَّمن لا يخضع لتساؤل علميّ أو لنقاش موضوعيّ؛ إنما يطرحها بعيدًا عن كاهل صاحبها، فيرفع عنه عبءَ البحث عما ارتكب من أخطاء. على كلّ حال، يبدو أن الاعترافَ بالتقصير والتخاذل صَعبٌ على الناس أغلبهم، والبحث عن مشجب يحمل عنهم اللومَ؛ أسهل وأقل تنغيصًا، لا سيما والمَلوم لا يملِك عن نفسِه دفاعًا.
• • •
فى لوم الزَّمن غنَّى الراحِل العظيم عبد المنعم مدبولي: "زمان وكان يا ما كان.. كان الزَّمان إنسان .. دلوقت ليه يا زمان ما بقتش زى زمان.. طيّب.. يا صبر طيّب" الكلماتُ لمرسى جميل عزيز، والألحان لكمال الطويل، والأغنية تحمل شجونًا عابرةً للعمل الدراميّ وصالحةً لإثارة المشاعر المؤسية مَهما مرَّت عليها الأعوام، وقد ظهرَت فى فيلم "مولد يا دنيا" الذى عُرِضَ فى منتصف السبعينيات، قصَّة يوسف السباعى وإخراج حسين كمال.
• • •
من الحِكمة أن يحثَّ الواحد نفسَه على عدم الاطمئنان للحاضر مهمًا بدا رائقًا، وعدم الاستسلام لحال الاسترخاء مهما كانت لذيذة مُسكِرة؛ بل وأن يعمدَ إلى تنبيه الغافلين، المفتونين بلحظة طيبة عامرة بما يُشتهى ويُستطاب. النصيحةُ الغالية المُوجَزة التى يمكن تقديمها فى هذا السياق: "من ائتمن الزَّمن خانه"، وإذا كانت اليقظة مطلوبة على الدوام؛ فإن السَّهو وارد بالطبع، والقاعدة أن ينظر الواحد لاحتمالات غده، وأن يعتبر مما يجرى حوله، وأن يكفَّ عن الاعتقاد بأن ما يقع للآخرين بعيدٌ لا يمكن أن يطاله؛ فجميعنا مُعرَّض للنوازل والخطوب، وجميعنا نفاجأ حين نُصاب ونصبح طرفًا فيما نكْره.
• • •
وضع الإمامُ الشافعيّ بيتَ الشعر الخالد: "نعيبُ زمانَنا والعَيبُ فينا .. وما لزمانِنا عَيبٌ سوانا" والحقُّ أن هذا البيتَ ينطبق على الأزمنة والحِقاب قاطبة؛ فما الحوادث والوقائع إلا من صنع البشر العائشين فى حينها؛ طيبُها من طيب أفعالهم، وقبيحها من سُوءِ تدابيرهم وأعمالهم، لا يُعاتَب الزُّمنُ عليها ولا تُنسَب بأيّ حال إليه، وبقية القصيدة يقول: "ونهجو ذا الزَّمانَ بغير ذَنبٍ .. ولو نطق الزَّمان لنا هَجَانا" والبيتان على حالهما لونٌ من التقريع؛ مُستَحقٌّ متى تكاسَل الناسُ وتراخوا عن أداء واجباتهم.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات