فؤاد السنيورة ونور الشريف.. «حوار» عبثى بين الفن والسياسة (2-2)
إبراهيم العريس
آخر تحديث:
الخميس 30 أبريل 2026 - 7:00 م
بتوقيت القاهرة
مادام حديثنا فى هذه الزاوية فى الأسبوع الفائت كان عن رجل الدولة اللبنانى المميز فؤاد السنيورة، وواحد من مواقفه التاريخية خلال حرب العام ٢٠٠٦، يبدو لى أن الوقت قد حان لأعود اليوم إليه، ولكن فى حكاية بدت لى حينها مفعمة بالظرف والدلالة، حدثت بسببى فى لقاء قاهرى جمع الاثنين.
كان ذلك فى أواسط العقد الأخير من القرن الفائت، وكنت قد دُعيت من قبل الفريق العامل مع الرئيس رفيق الحريرى، الذى كان يقوم بأول زيارة رسمية له إلى مصر بوصفه رئيس الحكومة اللبنانية. دُعيت أنا بوصفى صحفيا، سُئلت أن أرصد كيفية تصرف الوفد اللبنانى فى بلد أحبه وأعتبره عادة وطنا ثانيا لى.
فى اليوم الأول من نشاطات الوفد، كنت جالسا فى بهو الفندق أتقصى الأخبار والأجواء، وذلك فى انتظار قدوم الفنان الصديق نور الشريف، الذى كان دعانى إلى الغداء فى منزله وحدد ساعة سيمر فيها إلى الفندق ليصطحبنى. وأنا فى الانتظار جالس مع صديقة صحفية، لاحظت شخصا أنيق الملبس واقفًا بالقرب منى يتفرس فىّ. ابتسمت الصديقة قائلة بصوت منخفض: ها هو معالى الوزير فؤاد السنيورة يتأكد من أنك أنت إبراهيم العريس. التفتُّ إليه محييا، وقلت له إننى بالكاد تعرفت عليه:
«لقد بدوت لى أقصر من الصديق فؤاد السنيورة الذى أعرفه منذ زمن بعيد».
ابتسم لى بابتسامته الطيبة التى لم تتبدل منذ كنت أعرفه شابا مناضلا فى صفوف القوميين العرب، وعلى المستوى الثقافى خاصة من خلال تجمع يتزعمه فى النادى الثقافى العربى فى بيروت، وهو أحد معاقل الفكر العربى الحضارى فى لبنان. ابتسم وقال لى:
«لقد تقلصت لأن الرئيس الحريرى طلب منا نحن وزراءه أن نتقشف، كمؤشر على جدية السلطة الجديدة فى تحسين شئون البلاد والعباد».
وهنا، ما إن غرقنا فى ضحكة من القلب، حتى كان السنيورة ينظر إلى مدخل البهو مندهشا، وهو يتمتم أن نور الشريف قادم نحونا برفقة صبى من الفندق يحمل جرسا ويافطة. ثم تسارعت تمتمته وازدادت دهشته وهو يضيف بأن اليافطة تحمل اسمى، وذلك حتى قبل أن ألتفت أنا للترحيب بنور، إذ كان يقلب نظره باحثا عنى.
حين وصل الفنان الكبير إلى مكاننا مبتسما بأناقته وشعبية ملامحه المعهودة، سارعت بتقديمه إلى السنيورة، الذى فتح ذراعيه مرحبا بدوره وهو يردد عبارات الإعجاب بأحب ما يكون. غير أن نور الشريف، ما إن سمع اسم السنيورة، حتى هتف بقدر من الغضب والعتب، ما يعنى أنه كان يبحث عن المسئول اللبنانى منذ زمن ويريد أن يقول له كلمتين.
كان من الطبيعى أن يُسر السنيورة لذلك، هو الذى راح يطنب فى ترديد عبارات الإعجاب بأداء الشريف فى مسلسله الذى كان حينها قد أقام دنيا الفن والمجتمع فى طول العالم العربى وعرضه: «لن أعيش فى جلباب أبى». كان من الواضح أن المسئول اللبنانى قد شاهد معظم حلقات العمل، وها هو الآن يستغل الفرصة للتعبير عن اعتزازه بقول ذلك لفنان كان من الواضح أن حبه له واحترامه لفنه لا يحدّان.
بيد أن ذلك كله بدا لنا على الفور خارج اهتمامات نور الشريف، الذى التفت إلى مستأذنا بالجلوس بعض الوقت، وهو يوجه حديثه إلى السنيورة بقدر من الغضب قائلا إن حديث الفن والجلباب ليس هو ما يهمه هنا، بل يهمه الحديث عن «السياسة الخاضعة للإمبريالية ورأس المال التى تنتهجها حكومة الحريرى بغطاء أناس شرفاء وطنيين من طينة السنيورة».
أنا شخصيا ذهلت مما يقول الشريف، ولكن يبدو لى أن السنيورة تقبل الأمر، مواصلا حديثه عن إعجابه بفن الشريف، وأنه يعتبره «واحداً من أكبر الفنانين العرب فى الزمن الراهن». لكن هذا الإعجاب الغامر والمحب لم يخفف من غضب الفنان الكبير، الذى بقدر ما وجد رجل السياسة ممعنا فى الاكتفاء بحديث فنى، راح يستزيد من حديث السياسة والاقتصاد. لماذا؟
لقد استغرقنا وقتا قبل أن نفهم أن نور الشريف يتحدث عما اعتبره مشروعا حريريا لخصخصة قطاع الكهرباء فى لبنان، كفعل «خيانة للمبادئ الناصرية وقواعد الاشتراكية العربية»، وهى خيانة تبدو للفنان الكبير فى منتهى الخطورة، «إذ تُقترف على يد من يدعون الانتماء إلى فكر عبد الناصر وتاريخه، ومنهم خاصة رفيق الحريرى وفؤاد السنيورة».
كان نور يردد عباراته وكأنه على رأس تظاهرة فى ميدان التحرير، بينما يكتفى السنيورة بابتسامة لطيفة تصل أحيانا إلى ضحكة فيها شىء من الخفر، وهو يحاول أن يفهم الفنان أن كل ما يقوله فى موضوع ليس موضوعه مبنى على أرقام وفرضيات لا صحة لها على الإطلاق. وفى المقابل راح الفنان يمعن فى غضبه وعتبه، وقد بدا واثقا مما يقول.
وفى ذات لحظة، وقد راح الجوع يمزقنى، شعرت بأننى تسببت فى ذلك الاشتباك الذى بدا فيه الشريف متلذذا، بينما تأرجح موقف السنيورة بين الارتباك أمام هجوم غير متوقع، وعدم الرغبة فى أن يقول للفنان مدى ما فى قوله من شعبوية تصل إلى حد السذاجة. وكان منى أن اقترحت -وقد بدأ الحضور فى بهو الفندق ينظرون إلى ما يحدث مندهشين- أن يتفضل الوزير السنيورة بأن «يشاركنا الغداء فى بيت نور لنكمل هذا الحوار المفيد».
هنا راح الشريف يصر على ذلك، لكن السنيورة أخبرنا أنه والآخرين فى انتظار عودة الرئيس الحريرى من بعض شئونه لعقد اجتماع رسمى مع وزير المالية المصرى.
وهنا، لخوفى من أن يتواصل النقاش، تدخلت من جديد ملتفتا إلى صديقى الفنان لأقول له كحل يناسبنى فى تلك اللحظة:
«أعتقد أن معالى الوزير يمكنه أن يدعوك إلى زيارته فى بيروت قريبا جدا كى يناقشك بالتفاصيل والأرقام حول هذا الموضوع الهام…».
ابتسم السنيورة مرحبا بالفكرة، ورحب الشريف بذلك، دون أن يدرك أيٌّ منهما أن الاقتراح كان منى مجرد حل مؤقت لجوعى وعدم رغبتى فى أن يتتابع السجال العبثى فى حضورى.
فى بقية الحكاية، أن الوزير السنيورة سيعود بعد أسابيع للاتصال بى فى بيروت ليخبرنى أن نور الشريف قد وصل واتصل به، وسيلتقيان بعد قليل على الغداء:
«ويا حبذا يا صديقى أن تحضر الغداء معنا وتخدمنى فى تحويله إلى لقاء فنى لا إلى لقاء سياسى واقتصادى من الواضح أن صديقنا الفنان الكبير يريد أن يواصل خوضه».
فى الحقيقة، إن خشيتى من أن أكون شاهدا من جديد على حوار لا طائل منه، تذرعت بأننى غارق فى العمل وليس لدى فسحة وقت أتنفس فيها، و«اعتذرت مع معرفتى أن خسارتى تفويت تلك المناسبة النادرة تفويت لا يُغتفر».
والحقيقة أن حكايتى أنا تتوقف هنا، ولم أعرف أبدا كيف تم اللقاء الثانى بين السنيورة ونور الشريف، رغم أن المكالمة الهاتفية مع الوزير الصديق انتهت بقوله لى وهو يضحك:
«ها أنت تتملص بعد أن ورطتنى فى موقف بالغ العبثية»!