المواطنة الرقمية وكيفية حماية الذات

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الأربعاء 29 أبريل 2026 - 8:50 م بتوقيت القاهرة

شهد مفهوم المواطنة تحولًا أيديولوجيًا مع قيام الحكومات، فى سبعينيات القرن الماضى، بنقل المزيد من المسئوليات والمهام إلى مواطنيها وفقا لما يعرف بـ «النموذج التبادلى»، وصارت المواطنة عبارة عن آلية تبادلية للحقوق والواجبات؛ فالفرد الذى يكتسب الجنسية القانونية لدولة ما، إما بالولادة أو بالتجنس، صار ملزمًا أمام دولته بإثبات مدى استحقاقه للحقوق والمزايا التى يحصل عليها، وذلك من خلال الالتزام بواجبات أو سلوكيات محددة ليكون مواطنًا فاعلًا مع إغفال تام لتأثير الظروف الاجتماعية للفرد على قدرته على الوفاء بتلك الالتزامات.

جائحة كورونا والتعلق الرقمى

عقب انتشار فيروس كورونا فى العام 2020، زاد إقبال الأفراد على التكنولوجيا وتعاظمت تبعيتهم لها؛ فقد بدأ الأطفال فى استخدامها فى سن مبكرة، ووفقا للأكاديمية الأمريكية لطب نفس الأطفال والمراهقين (AACAP)، يقضى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و10 سنوات، 8 ساعات يوميا على التكنولوجيا بينما يقضى المراهقون أكثر من 11 ساعة يوميا.

خلال تلك الفترة، أغلقت المدارس واتجه التلاميذ نحو التعلم عن بعد عبر الإنترنت. وبحسب «مركز بيو للأبحاث» Pew Research Center، فإن 93% من أولياء أمور الأطفال من رياض الأطفال وحتى الصف الثانى عشر فى الولايات المتحدة الأمريكية تلقى أبناؤهم تعليما عبر الإنترنت خلال فترة الجائحة. ومن بين هؤلاء، أفاد 62% بأن تجربة التعليم عبر الإنترنت كانت ناجحة للغاية.

أما بالنسبة إلى الشباب، فبالإضافة إلى ازدياد استخدامهم للتكنولوجيا فى المدارس، فإنهم يقضون وقتا طويلا على منصات التواصل الاجتماعى. ووفقا للأكاديمية الأمريكية لطب نفس الأطفال والمراهقين أيضا، يستخدم 51% من المراهقين، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 13 و17 عاما، وسائل التواصل الاجتماعى يوميا، وغالبا ما يتم استخدامها كمصدر للأخبار، وهى مسألة فى غاية الخطورة وتحتاج إلى المزيد من الوعى والحذر.

فى السياق ذاته، يؤثر التعليم على دوافع الأفراد للمشاركة عبر الإنترنت؛ فكلما ازداد إلمام الطلاب بالتكنولوجيا من خلال تجاربهم التعليمية، زادت احتمالية تفاعلهم مع المنصات الرقمية لأغراض تتجاوز الجانب الأكاديمي، ما قد يترتب عنه مشاركة أكبر فى المناقشات والأنشطة الرقمية، الأمر الذى يجعل من الضرورى تعليم ما يسمى بـ «المواطنة الرقمية» من أجل ممارسة دورهم كمواطنين رقميين واعين.

المواطنة الرقمية

انبثق النقاش الأكاديمى حول هذا المصطلح من نقاشات أولية حول الفجوة الرقمية وإشكالية من يستبعد ومن ينضم إلى ما يسمى بـ «مجتمع المعلومات». افترضت تلك النقاشات أن الإدماج فى المجتمع الرقمى يحقق فوائد كثيرة، بينما يعد الإقصاء منه عيبًا ومصدرًا لعدم المساواة.

وجهت العديد من الانتقادات للدراسات المعنية بموضوع الفجوة الرقمية وتم وصفها بالسطحية بسبب تركيزها على مسألة الوصول إلى التكنولوجيا فقط، من دون التطرق إلى المهارات التقنية والكفاءات التعليمية اللازمة لتقييم المعلومات الرقمية، فضلا عن إغفالها مسألة الدافع الذى قد يكون سببا أساسيا وراء المعرفة الرقمية، وأكبر مثال على ذلك استخدام بعض كبار السن تكنولوجيا المعلومات. من هنا جاء رفض الباحثين مفهوم الفجوة الرقمية واستخدام مصطلح «المواطنة الرقمية» لوصف عملية الانخراط فى المجتمع الرقمى عبر المواطن الرقمى.

عرف مجلس أوروبا المواطنة الرقمية على أنها «التفاعل الكفء والإيجابى مع التقنيات الرقمية (الإبداع، والعمل، والمشاركة، والتواصل الاجتماعى، والبحث، واللعب، والتعلم)، والمشاركة الفعالة والمسئولة (القيم، والمهارات، والاتجاهات، والمعرفة) فى مختلف المجتمعات (المحلية، والإقليمية، والعالمية) على جميع المستويات (السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية)، والدفاع المستمر عن كرامة الإنسان».

فى ضوء هذا التعريف، حدد الخبراء 9 عناصر أساسية ترتكز عليها المواطنة الرقمية، وهى على النحو الآتى:

الوصول الرقمى: بمعنى توفير الحقوق الرقمية المتساوية ودعم الوصول الإلكترونى للجميع من دون استثناء.

التجارة الرقمية: تتمثل فى عمليات بيع وشراء السلع إلكترونيا، وتركز على الأدوات والضمانات المتاحة لمساعدة المشترين والبائعين والمتعاملين المصرفيين بأى شكل من الأشكال فى الفضاء الرقمى.

الاتصالات الرقمية: حيث تتوفر الفرصة أمام الجميع للاتصال والتعاون مع أى فرد آخر فى أى بقعة من العالم وفى أى وقت، الأمر الذى يتطلب رفع قدرة المستخدمين على اتخاذ القرارات السليمة عند مواجهة خيارات الاتصالات الرقمية المتعددة.

الكفاءة الرقمية: تتمثل فى فهم التكنولوجيا واستخداماتها؛ فكلما كان الأفراد أكثر إلمامًا بالتقنيات الرقمية، زادت احتمالية اتخاذهم قرارات سليمة عبر الإنترنت كدعم الآخرين بدلا من التعليقات السلبية، والقدرة على التمييز بين الأخبار الكاذبة والحقيقية.

اللياقة الرقمية: تشير إلى المعايير الرقمية للسلوك والإجراءات، وتتعلق بمراعاة الآخرين عند استخدام الأجهزة الرقمية.

القوانين الرقمية: سن المجتمع الرقمى قوانين عدة يخضع لها كل شخص يؤدى عملا أو حتى يلعب عبر الإنترنت، وتتم محاسبته فى حالة ارتكابه عملا غير لائق.

الحقوق والواجبات الرقمية: ثمة حزمة من الحقوق يتمتع بها المواطن الرقمى كالخصوصية، وحرية التعبير، وغيرهما. أما الواجبات فتتمثل فى أهمية تعاون المستخدمين على تحديد أسلوب استخدام التكنولوجيا على النحو اللائق. كلاهما وجهان لعملة واحدة، لذا فلا بد من تفعيلهما معا من أجل إعداد مواطن رقمى فعال.

السلامة البدنية والنفسية: تعنى ترشيد الاستخدام من أجل حياة صحية ومتوازنة، وأبرز مثال على ذلك تحديد الوقت المناسب لجلوس الأطفال أمام الشاشات بما يتناسب مع الاحتياج.

الأمن الرقمى: لا تكفى الثقة بأعضاء المجتمع الرقمى لضمان الوقاية والحماية والأمان، إنما لا بد من اتخاذ التدابير اللازمة كافة من خلال توافر برامج حماية من الفيروسات، وإحداث نسخ احتياطية من البيانات، وحماية المعلومات من أى قوة تخريبية خارجية.

ضرورة حتمية على الرغم من التهميش

على المستوى الوطنى، أدى تحول الدول نحو ما يسمى بـ «الحكومات الرقمية»، التى صارت ترسخ مفهوم المواطنة الرقمية فى سياساتها من خلال تنظيم الخدمات العامة للمواطنين بطرق تتطلب التواصل الرقمى مع الجهات الحكومية، إلى استبعاد المواطنين غير القادرين على التفاعل مع البيئات الرقمية ما أثر سلبا على شعورهم بالانتماء، والاستقلالية، والمشاركة المدنية، وحرية التعبير، وغيرها من قيم المواطنة الأخرى.

يختزل صانعو السياسات قضايا الإدماج والاستبعاد الرقمى فى الجانب التقنى المتعلق بنقص المهارات فقط، من دون الأخذ فى الاعتبار البعد السياسى؛ الأمر الذى أدى إلى تفاقم الأزمة لسببين أساسيين: الأول أنه يتجاهل التفاوتات الاجتماعية والطبقية الكامنة وراء الاستبعاد الرقمى والتى قد تسبب الشعور بالتهميش وعدم الانتماء.

أما السبب الثانى فهو أن تجريد الإدماج الرقمى من بعده السياسى يقلل من شأن الآثار السياسية الناتجة عن رقمنة الخدمات الحكومية للمواطنين؛ وأبرز مثال على ذلك فضيحة إعانات رعاية الأطفال فى هولندا فى العام 2018، حيث اتجهت الحكومة وقتها إلى إنشاء ملفات تعريف المخاطر للأفراد المتقدمين للحصول على إعانات رعاية الأطفال مستخدمة خوارزميات التعلم الذاتى التى اعتمدت على الأسماء ذات الطابع الأجنبى والجنسية المزدوجة كمؤشرات على احتمالية الاحتيال، ما أدى إلى اتهام آلاف العائلات زورا بالاحتيال وسقوط الحكومة فى العام 2021.

فى السياق ذاته، يشعر الأفراد المهمشون بضغط ليصبحوا مواطنين رقميين بسبب عدم توافق المفاهيم المفروضة على المواطنة الرقمية مع واقعهم وقدراتهم، الأمر الذى قد يهدد بتقويض الحوكمة الديمقراطية والقيم المدنية، وخلق حالة من انعدام الثقة داخل المؤسسات.

على الرغم من تهميش التحول الرقمى لبعض فئات المجتمع، إلا أن مسألة إعداد المواطن الرقمى صارت حتمية فى عالمنا اليوم من أجل مواجهة عمليات الاحتيال التى تتم عبر الإنترنت، ولاسيما فى ظل تعدد المصادر التى تحتوى على معلومات زائفة ومضللة. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه فى العام 2021، تلقت لجنة التجارة الفيدرالية فى الولايات المتحدة الأمريكية نحو 2.8 مليون بلاغ احتيال عبر الإنترنت. ووفقا لدراسة أجريت حديثا فى جامعة ستانفورد الأمريكية على عينة مكونة من 3446 طالبا من 14 ولاية مختلفة، لم يتحقق من مصداقية المصادر الإلكترونية عبر بحث سريع على الإنترنت سوى أقل من 10% فى دلالة واضحة على غياب الوعى وأهمية المعرفة الرقمية فى حياتنا اليومية.

نحو إعداد مواطن رقمى أكثر وعيا

تهدف المواطنة الرقمية، كما سبقت الإشارة، إلى تشجيع الأفراد على الاستخدام السليم والمسئول والفعال للإنترنت من أجل حماية حقوق الإنسان وتعزيزها رقميا، كالحرية، والخصوصية، والأمان. فضلا عن زيادة الوعى بأمان الإنترنت، وكيفية حماية الذات من الاحتيال والمعلومات المضللة.

ظهرت العديد من المبادرات فى هذا الشأن؛ ففى العام 2017 نظمت وزارة التعليم والتنمية المبكرة فى ألاسكا (DEED) «أسبوع ألاسكا للمواطنة الرقمية»؛ حيث شجعت المدارس على تطبيق تكنولوجيا التعليم. وفى العام التالى صار برنامجا شائعا فى جميع أنحاء الولاية، ما شجع المعلمين على أن يكونوا المرشد الرئيس للطلاب وعائلاتهم فى تطوير وعيهم بالسلامة فى العالم الرقمى.

فى ضوء ما سبق ذكره، يمكن القول إنه مع تزايد استخدام التكنولوجيا، اكتسبت المواطنة الرقمية أهمية بالغة وباتت مسألة تشجيع الأفراد على الاستخدام المسئول للتكنولوجيا ضرورة حتمية من خلال البرامج والمبادرات التى تتبناها المؤسسات التعليمية المختلفة، بهدف رفع درجة وعى المواطنين بكيفية الاستخدام، والقدرة على البحث عن المصادر الموثوقة، ومواجهة عمليات الاحتيال الإلكترونى، وتجنب انتهاكات حقوق الإنسان.

ممدوح مبروك

مؤسسة الفكر العربى

النص الأصلى

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved