الشرق الأوسط يدخل حالة «اللاسلم واللاحرب»
خالد أبو بكر
آخر تحديث:
الثلاثاء 28 أبريل 2026 - 8:35 م
بتوقيت القاهرة
فى الشرق الأوسط، ليست الحرب وحدها ما يهدد الاستقرار، بل ما هو أخطر منها أحيانًا: لحظة التوقف قبل الحسم. تلك المنطقة الرمادية التى لا تُحسم فيها المعارك ولا تُعقد فيها التسويات، حيث يتجمد الصراع بدلًا من أن ينتهى. هنا تولد حالة «اللاسلم واللاحرب»، وهو وضع لا يفتح باب السلام، ولا يغلق باب الحرب، بل يتركه مواربًا على استنزاف طويل. فى هذه المساحة المعلقة، يدخل الإقليم طورًا جديدًا، لا تقل مخاطره عن الانفجار نفسه.
هذا هو المشهد الذى يستقر فوق الشرق الأوسط اليوم: وقف إطلاق نار ممدد بين الولايات المتحدة وإسرائيل فى حربهما ضد إيران، دون حسم عسكرى للصراع لمصلحة أحد أطرافه. فى هذا السياق، جاء قرار دونالد ترامب بتمديد الهدنة مع إيران، الذى لا يمكن قراءته بوصفه خطوة نحو تسوية كما يتصور الرئيس الأمريكى، بل باعتباره تثبيتًا لحالة رمادية دقيقة.. لا حرب مفتوحة، ولا سلام ممكن. واشنطن وتل أبيب تراهنان على خنق الاقتصاد الإيرانى وإرهاق النظام عبر الحصار البحرى، فيما تراهن طهران على قدرتها على الصمود، وعلى أن كلفة هذا الضغط سترتد على خصومها، خصوصًا مع اضطراب أسواق الطاقة.
فى هذا الفراغ الاستراتيجى، يصبح مضيق هرمز مركز الثقل الحقيقى للصراع. ليس فقط لأنه ممر يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، بل لأنه تحول إلى أداة ابتزاز متبادل: إيران تلوّح بإغلاقه أو التحكم به، والولايات المتحدة تحاصره لمنع تدفق النفط الإيرانى. النتيجة ليست توازنًا، بل اختناق تدريجى للاقتصاد الإقليمى والعالمى؛ حيث ترتفع الأسعار، وتتراجع حركة السفن، ويتحول العالم كله إلى طرف غير مباشر فى هذا الاشتباك المجمد.
لكن جوهر الأزمة لا يكمن فقط فى الجغرافيا، بل فى السياسة. إيران تقدم صيغة تفاوضية فى الأيام الأخيرة تقوم على تأجيل الملف النووى ــ وهو لب الصراع ــ إلى مرحلة لاحقة، بعد تثبيت وقف الحرب ورفع الحصار. بمعنى آخر، تريد طهران تجميد أخطر ملف مقابل تخفيف الضغط الفورى عليها. فى المقابل، ترفض واشنطن هذا المنطق، وتصر على أن أى اتفاق يجب أن يبدأ من البرنامج النووى تحديدًا، لا أن يؤجل.
هنا يتجسد المأزق الحقيقى؛ فذلك ليس خلافًا على التفاصيل؛ لأن كل طرف يريد أن يفرض أجندته، لا أن يتقاطع مع الآخر. وهكذا، يتعطل التفاوض قبل أن يبدأ، وتتحول الهدنة إلى مجرد مساحة انتظار مفتوحة.
هذه الحالة ليست جديدة على المنطقة. عرفتها مصر بعد هزيمة 1967، حين دخلت فى ما سُمّى وقتها بحالة «اللاسلم واللاحرب». لم تكن هناك حرب شاملة، ولا سلام يعيد الأرض. كانت سيناء، بكل رمزيتها، مهددة بأن تُدفن فى أدراج الاجتماعات الدولية، وأن تتحول من قضية سيادة إلى ملف تفاوضى تديره القوى الكبرى وفق توازناتها، لا وفق حقوق أصحابها.
ذلك الجمود لم يكن بريئًا. كان جزءًا من منطق دولى يفضّل إدارة الأزمات بدل حلّها، وتجميد النزاعات بدل إنهائها. كانت القوى الكبرى ترى فى استمرار التوتر وسيلة لضبط الإقليم، لا خطرًا يجب إنهاؤه. ولو استمر هذا الجمود طويلًا، لربما أصبحت سيناء قضية منسية، لا أولوية وطنية.
اليوم، يتكرر المشهد بصورة أكثر تعقيدًا. الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة إسرائيل، وصل إلى ذروته العسكرية دون أن يُحسم. لا واشنطن استطاعت فرض شروطها بالكامل، ولا طهران قادرة على كسر الحصار أو تثبيت معادلة ردع نهائية. النتيجة: انتقال الصراع إلى مرحلة أخطر: الاستنزاف المفتوح. لا أحد يربح، لكن المنطقة كلها تخسر ببطء.
أخطر ما فى هذه الحالة ليس استمرار الصراع، بل تحوله إلى وضع دائم. فـ«اللاسلم واللاحرب» ليست مرحلة انتقالية بالضرورة، بل قد تصبح بنية مستقرة، تعيش فيها المنطقة لأشهر طويلة. فى هذه الحالة، لا يعود السؤال: من ينتصر؟ بل: من يتحمل الاستنزاف أكثر؟
فى تقديرى، الشرق الأوسط لا يقف اليوم على أعتاب تسوية، بل داخل منطقة فراغ خطرة، تُدار فيها الأزمة بدلًا من أن تُحل. وإذا استمر هذا المسار، فإن النتيجة لن تكون انتصار طرف على آخر، بل استنزاف المنطقة بأكملها.. إلى أن تتم العودة إلى السلاح لحسم الصراع لمصلحة طرف بشكل واضح وقاطع.