الاتفاق النووى بين السعودية والولايات المتحدة
مصطفى الفقي
آخر تحديث:
الإثنين 27 يوليه 2026 - 6:40 م
بتوقيت القاهرة
فى أحلك الظروف وأكثر الأوقات ضبابية وأشدها إظلامًا خرج خبر مثير يعلن توقيع اتفاق نووى بين الرياض وواشنطن حيث وقعه ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وذلك فى العاصمة الأمريكية واشنطن فى وقت تكاثرت فيه السحب وتعقدت فيه الأمور وجرى استئناف القتال بين إيران والولايات المتحدة وأصبح من هم أكثر تفاؤلًا لا يتمنون إلا استئناف المفاوضات بين طهران وواشنطن إنقاذًا للشرق الأوسط من نزاع مسلح طويل قد يتحول إلى حرب استنزاف لا تتوقف، ولعل الظروف التى جرى فيها توقيع هذا الاتفاق المثير بين دولة عربية كبرى والولايات المتحدة الأمريكية هو دليل على شعور مشترك بأن من حق العرب أن يكون لديهم غطاء نووى ليس عسكريًا بالضرورة ولا استعدادًا لحرب أيضًا ولكنه تصرف نهائى للردع ووضع الأمور فى نصابها وإعادة التوازن بين كل الأطراف، فلم يعد مقبولًا أن إيران وحدها هى مركز القوة والحديث الدائم عن البرنامج النووى مستأثرة بذلك على كل جيرانها عربًا وغير عرب.
لقد حان الوقت لكى يستعيد الشرق الأوسط درجة من التوازن الاستراتيجى الذى افتقده فى السنوات الأخيرة وحسنًا فعلت الرياض بأن جعلت هذا الأمر شاغلًا مسيطرًا، وقد بدأ الأمر باتفاق سعودى مع دولة إسلامية نووية تكاد تكون هى الوحيدة فى ذلك النمط وأشير هنا إلى الاتفاق بين السعودية وباكستان منذ شهور قليلة إيذانًا بصيحة ظلت صامتة لسنوات ومؤداها أن من حق العرب التطلع إلى برنامج نووى أسوة بغيرها من أمم العالم وشعوب الكوكب فى زمن أصبح فيه الخيار النووى فزاعة صامتة تعطى أصحابها الحق فى دخول النادى النووى والوقوف على مسافة واحدة من ذلك الخيار الاستراتيجى الذى يستعيد به العرب قدرًا من التوازن يجعلنا نتحدث بثقة عن برنامج عربى نووى يكون فى حسبان الأطراف الأخرى رغم أنه ليس ناجمًا عن نية فى العدوان على دول أخرى ولكنه استعادة طبيعية لحالة التوازن بين القوى المختلفة فى الشرق الأوسط إذ لا يمكن أن يظل العرب كالأيتام على مائدة اللئام بل لا بد لهم من موقع على الخريطة الاستراتيجية المعاصرة للقوى الإقليمية بل والدولية أيضًا، وتكمن أهمية هذا الحدث الهام فى عدد من الملاحظات نسوقها فيما يلى:
أولًا: إن وجود برنامج نووى لدولة ما أو لمجموعة من الدول لم يعد خيارًا ترفيًا ولكنه أصبح ضرورة للتمكين الاستراتيجى فى مواجهة الأطراف الأخرى، فالخيار النووى يعنى فى أبسط تفسيراته ميلاد قوة ردع مطلوبة فى غابة من الصراعات المعاصرة والنزاعات المسلحة فلقد تعلم العرب جميعًا من الاعتداءات الإيرانية المتكررة على أراضى دول الخليج ما يشير بوضوح إلى أن منطق القوة وحده هو الذى يسود وهو المسيطر على القرار فى العواصم المختلفة، ولعلنا نتذكر الفترة القصيرة التى فصلت بين التفجير النووى الهندى ونظيره فى الدولة الجارة باكستان وكيف وقف الجميع على أطراف أصابعهم انتظارًا للتوازن النووى المفقود، وحين جرى التفجير النووى الباكستانى تحدث الجميع عن ما يسمى بالقنبلة النووية الإسلامية وهى تسمية تحمل من المخاطر أكثر مما تحمل من أسباب الاستقرار لأن البعض يصورها على أنها محاولة لإعطاء الصراع الدولى طابعًا دينيًا فى أعلى مستوياته، وهذا أمر يخالف الحقيقة فالعرب يسعون إلى تحقيق حالة دفاعية تليق بهم وليس إلى رأس حربة عدوانية على جيرانهم.
فى كل الظروف، إن التوقيع الأمنى على هذا الاتفاق الجديد يشير إلى اعتراف واشنطن بحق الشعوب الإسلامية فى حيازة سلاح نووى للردع حتى لو بدأ ذلك بمثل هذا الاتفاق المبدئى الذى سوف يعتريه جدل طويل لأنه يخرج عن القاعدة التى استقرت فى بيت الشعر الشهير: أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس؟ وذلك تأكيدًا لمعنى مباشر وهو تحريم حيازة الاستخدام السلمى لبرنامج نووى قابل للتحول عند اللزوم ليكون غطاءً دفاعيًا لدول مختلفة وشعوب تريد المحافظة على السلام من خلال القوة والقدرة على الردع، فواشنطن تؤكد الآن ومعها حلفاؤها من أعضاء النادى النووى على أهمية صياغة إطار جديد لإمكانية دخول دول إسلامية أخرى بعد باكستان إلى النادى النووى الذى يتطلع إليه الجميع.
ثانيًا: إن هذا الحدث يشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن ضد البرنامج النووى فى إيران لسبب يتصل بالعقيدة ولكنه يتصل فقط بالنمط السياسى الذى قدمته طهران للعالم منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 والذى اتسم بالتطرف والتدخل فى شئون الغير وتلوين السياسات بصبغة دينية الإسلام منها براء فى معظم الحالات، فكانت واشنطن تعلن أنها ليست ضد برنامج نووى متقدم فى حيازة دولة إسلامية عربية ما دامت القوة التى تمسك بالزناد هى قوة عاقلة تدين بالولاء للسلم الدولى والاستقرار الاستراتيجى بين القوى والكيانات فى المنطقة خصوصًا وأن من أشد مخاطر حيازة السلاح النووى وانتشاره وقوع القنبلة النووية ــ إذا تحققت ــ فى يد جماعة دينية متطرفة تستخدم شعارات إسلامية فى تخويف الآخر وإزعاج الجميع مع أن الإسلام دين بعثه الله للناس كافة وجعله رحمة للعالمين، ولا شك أن هذا الاتفاق يهبط بردًا وسلامًا على صدر الشعوب الإسلامية والعربية ويؤكد أن حرمان إيران من هذا الحق لا يقوم على أسباب دينية ولكنه يستند إلى مخاوف سياسية تمكنت بها إيران من تشكيل الساحات الداعمة لخدمة أهدافها وفقًا لمخطط التدخل الدائم فى شئون الغير والعبث بالأمن والسلم الدوليين.
ثالثًا: إن توقيع هذا الاتفاق هو رسالة طمأنة لدول الخليج وشعوبه بعد أن تصورت طهران أنها يمكن أن تزعج الولايات المتحدة الأمريكية بالعدوان المستمر على دول الخليج المسالمة والتى قدمت الدعم لدول الجوار فى مختلف الظروف، كما أن هذا الاتفاق تأكيد بأن الصحوة الخليجية قد حان وقتها وأصبحت مطلبًا قوميًا فى وقت تتمتع فيه دول عربية أخرى ببرنامج نووى سلمى قاطع الدلالة شديد الوضوح مثلما هو حادث فى مصر والمغرب والجزائر فضلًا عن دول إفريقية أخرى سلكت نفس الطريق دون نية فى العدوان أو رغبة فى الحروب ولكن اتقاءً لها وتأكيدًا لقوة الردع دفاعًا عن شعوبها وحرية أراضيها، فالمشكلة فى الخيار النووى دائمًا هى ضرورة وقوف قوة عاقلة خلفه دون أن يتحول إلى سلاح تدميرى كاسح فى يد من لا يدركون قيمته ولا يعرفون خطورته.
رابعًا: إن توقيع الاتفاق السعودى ــ الأمريكى يجب أن يتحول إلى مصدر ثقة لدى كل دول الخليج بل ولدى كل الدول العربية لأن ذلك الاتفاق يعنى ببساطة أن باب النادى النووى مفتوح أمام الجميع دون احتكار للدولة العبرية إسرائيل ودون تطلع خفى للدولة الفارسية فى إيران، بل إن من حق الشعوب العربية التطلع له مثل غيرها حتى لا يصبح منع بعض تلك الدول من الحديث عن برنامج نووى سلمى حديثًا عن مغامرة غير محسوبة أو تطرق إلى توجه غير مألوف، وقد يؤدى التوازن الناجم عن مثل هذا الاتفاق إلى التمكين العربى واستعادة الثقة على طريق السعى نحو السلام الشامل والتسوية الدائمة للصراعات القائمة والتى ليس أولها القضية الفلسطينية واستعادة ذلك الشعب المقهور لأرضه وحقوقه وليس آخرها أيضًا النزاع حول حرية الملاحة فى مضيق هرمز، وأنبه هنا أننى كنت أول من نشر مقالات وأحاديث عن المخاوف المحتملة لاستخدام الممرات المائية سلاحًا استراتيجيًا فى الحروب والنزاعات، وها هى الحقائق على الأرض تؤكد صدق ذلك الاستشراف المبكر لنوايا الأطراف، ويلح علينا التساؤل فى النهاية، هل من حق دولة كوريا الشمالية أن تدخل النادى النووى وتوصد الأبواب خلفها بحيث يمتنع على الآخرين الدخول إليه أو حتى التفكير فيه؟!
إن الاتفاق السعودى الأمريكى يجب أن ينال ما يستحقه من الاهتمام والوعى اللازمين لخلق مناخ إقليمى ودولى جديد يسمح فى النهاية بالتعايش المشترك ويحرص على تقدم الأمم وسلام الشعوب ورفاهية البشر.
نقلا عن إندبندنت عربية