إسرائيل والتصعيد الأمريكى الإيرانى

بشير عبد الفتاح
بشير عبد الفتاح

آخر تحديث: الإثنين 27 يوليه 2026 - 6:40 م بتوقيت القاهرة

لم تكن إسرائيل بمنأى كليًا عن الموجة الأخيرة من الهجمات الأمريكية على إيران. فرغم عدم مشاركتها العلنية والمباشرة فيها، باشر الإسرائيليون أدوارًا لوجيستية واستخباراتية بالغة التأثير؛ حيث عكفت شبكات التجسس الإسرائيلية على تزويد الولايات المتحدة بمعلومات استخباراتية دقيقة وحساسة حول بنك الأهداف الحيوية، التى يتعين استهدافها أثناء الهجمات. كذلك، اضطلعت الخلايا الاستخباراتية الإسرائيلية، التى تعمل ميدانيًا من داخل إيران، بعمليات إسناد للضربات الأمريكية، عبر استهداف مواقع إيرانية مهمة بالمسيّرات، والصواريخ، والعملاء البشريين، والمنظومات التسليحية التى يتم التحكم فيها عن بُعد، والمثبتة على مركبات مدنية؛ ضمن استراتيجية تبتغى تقليص الانكشاف الميدانى. ولا تتورع الاستخبارات الإسرائيلية عن تنفيذ اغتيالات لعلماء وخبراء ومسئولين داخل العمق الإيرانى؛ فضلًا عن دعم انتفاضات جماهيرية فى العاصمة ومدن شتى، بما يضاعف الضغوط على النظام، ويُضعف منظوماته الدفاعية قبل، أو أثناء، الضربات الأمريكية. وبموازاة ذلك، تواصل إسرائيل حروب الظل ضد إيران، عبر الهجمات السيبرانية والإلكترونية، بغرض استنزاف قوتها خفيةً وبالتدريج؛ فيما أسماه الخبير العسكرى الإسرائيلى أورين سولومون: «مرحلة طبخ الضفدع».


لا تخفى القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية مآربها الملحة للانخراط فى هجمات الأيام الثلاثة عشر الأمريكية على إيران، مؤكدة استعداد جيش الاحتلال لاستئناف عملياته العسكرية ضدها، للمرة الثالثة، وبشكل مستقل، إذا ما اقتضت الضرورة، وبضوء أخضر أمريكى. لافتةً إلى دخول تل أبيب حالة تأهب أمنى قصوى، بعد إنهاء الالتزام بمذكرة التفاهم الأمريكية ــ الإيرانية، وما أعقبها من تصاعد حدة التوترات فى المنطقة. ويرى خبراء أن مشاركة إسرائيل المباشرة فى تلك الهجمات كانت ترتهن بمعطيات ثلاثة: فإما أن تهاجمها إيران، أو تطلب واشنطن منها الانضمام إلى العمليات، أو تجنح إلى القيام بضربة استباقية لاحتواء ما تراه تهديدًا إيرانيًا وشيكًا. ومنذ نهاية المونديال السادس والعشرين، تترقب إسرائيل خطأً إيرانيًا تجاهها يسوغ لها الانخراط فى الحرب. وترى أن القصف الصاروخى الإيرانى على مدينة العقبة الأردنية، الذى طالت شظاياه إيلات الإسرائيلية، وتسبّب فى تعطيل حركة الطيران بمطار رامون فى النقب الجنوبى؛ إنما يلامس تجاوز الخط الأحمر، وتخطى قواعد الاشتباك، فيما يعتبره مراقبون محاولة إيرانية لاستفزاز إسرائيل واختبار صبرها.


تنبع الرغبة الإسرائيلية المحرقة فى المشاركة بالتصعيد الأمريكى الأخير من اعتبارات استراتيجية وانتخابية. فاستراتيجيًا، يصر نتنياهو على استكمال المهمة حيال إيران؛ من خلال تقويض برامجها النووية، والصاروخية، والمسيّراتية، علاوة على تدمير قدراتها الاقتصادية؛ لمنعها من إعادة بناء أو تطوير تلك البرامج، فضلًا عن إسقاط النظام الإيرانى الحالى، توطئةً للمجىء بنظام بديل مهادن لإسرائيل وموالٍ لواشنطن. أما انتخابيًا، فيمثل الهجوم على إيران رهانًا انتخابيًا مهمًا بالنسبة لنتنياهو، الطامح إلى تحسين موقفه التنافسى المرتبك فى انتخابات الكنيست، المزمع إجراؤها فى السابع والعشرين من أكتوبر المقبل؛ حيث يُدرك أن نزيف شعبيته لم يهدأ إلا عقب انتهاء هجماته على إيران فى يونيو الماضى. فحينئذ عاد حزب الليكود مجددًا ليكون الحزب الأكبر فى إسرائيل. وبناءً عليه، من شأن إطلاق هجوم ثالث على إيران مفاقمة التأييد الجماهيرى لنتنياهو وليكوده. فتحت وطأة التراجع المروع فى شعبيته، لا يستبعد نتنياهو الانخراط فى التصعيد ضد إيران، لتأجيل الانتخابات وتجنب هزيمة محققة، حيث ألمح إلى إمكانية إلغاء الانتخابات التمهيدية داخل حزب الليكود، على خلفية تصاعد حدة الاضطرابات فى المنطقة.


حتى إعلانه، الجمعة الماضية، وقف الهجمات لإفساح المجال أمام الوساطة العمانية، دأب ترامب على استبعاد إسرائيل من المشاركة العلنية المباشرة فيها، انطلاقًا من مرتكزات عدة. فبادئ ذى بدء، تستشعر واشنطن رفضًا عربيًا، على المستويين الرسمى والشعبى، لمشاركة إسرائيل فى الحرب على إيران. وبموازاة ذلك، ترصد إدارة ترامب تراجعًا فى تأييد إسرائيل داخل الولايات المتحدة، ترافقه اتهامات لإدارة ترامب بمهاجمة إيران نيابةً عن إسرائيل. ورغم تردده على البيت الأبيض سبع مرات، منذ عودة ترامب إليه قبل عام ونصف العام، يكابد نتنياهو انحسارًا مقلقًا فى شعبيته داخل واشنطن، سواء بين الديمقراطيين، أو داخل الدائرة المقربة من ترامب، وقاعدة حركة «ماجا». وبينما يعتصم ترامب بإنجاح المسار الدبلوماسى، وتجنب الانزلاق نحو حرب إقليمية يصعب السيطرة عليها؛ يخشى أن يسفر دخول إسرائيل على خط المواجهة المباشرة عن نسف هذا المسار، وتقويض فرص إدراك اتفاق شامل ومستدام. فليس بخافٍ أن إسرائيل تعارض، من حيث المبدأ، سياسة التفاوض مع إيران، وتطلب من واشنطن منحها حق التحرك العسكرى المستقل ضدها. وتعى واشنطن أن دخول إسرائيل الحرب ربما يضاعف الضغوط على إيران؛ لكنه قد يوحّد الجماهير الإيرانية حول الحرس الثورى، بما يفاقم قدرة النظام على الصمود والبقاء، بل ومواصلة تشدده وتعنته.


يوقن خبراء إسرائيليون بأن تهور قادة الحرس الثورى الحاليين، وإصرارهم على سياساتهم الاستفزازية، قد يدفع واشنطن إلى السماح لبلادهم بالانخراط فى التصعيد الحالى. وتعتقد دوائر إسرائيلية أن استهداف ترامب بنى تحتية إيرانية يزيد احتمالات الاستهداف الإيرانى لبلادهم؛ بما يستتبع انخراطها فى المواجهات. لذا، دعا نتنياهو القيادات السياسية والأمنية المسئولة عن إدارة الحرب إلى اجتماع عاجل لتقويم الوضع، تم خلاله طرح خطط حربية تتضمن بنك أهداف، نوقشت مع القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، التى تتولى إدارة الحرب ضد إيران. كما أعلن الجيش الإسرائيلى حالة الاستعداد القصوى، للتعاطى الحاسم مع التغير المحتمل والمفاجئ فى التقديرات الاستراتيجية. وبموازاة استكمال وضع بنك أهداف فى إيران، يعتزم الجيش مهاجمتها. وفتحت بلديات إسرائيلية الملاجئ العامة؛ تحسبًا لتجدد المواجهة المباشرة مع طهران. وإذا ما انخرطت فى العمليات، فلن تقف إسرائيل عند حدود إرغام طهران على استئناف التفاوض من موقف أضعف؛ وإنما ستسعى إلى تقويض قدراتها العسكرية والاقتصادية، عبر ضرب مواقع طالما حرمتها الممانعة الأمريكية من استهدافها، مثل: البنية التحتية للطاقة، والمنشآت المتعلقة بالبرامج النووية، والصاروخية، والمسيّرات.


رغم تهديداتها بأن أى هجوم على بناها التحتية الحيوية سيواجه برد مماثل يطال إسرائيل؛ تتجنب طهران ووكلاؤها استهداف إسرائيل، منذ منتصف يونيو حتى الآن، لإبقائها خارج نطاق المواجهة. وتفيد تقديرات للمخابرات الإسرائيلية بانقسام القيادة الإيرانية بهذا الصدد، مخافة أن يفضى الانخراط الإسرائيلى إلى تعظيم الأعباء الاستراتيجية على النظام الإيرانى. وتذهب تلك التقديرات إلى أن الضربات والضغوط الأمريكية الحالية على إيران كفيلة بتحقيق مآرب تل أبيب حيالها، فيما تتحمل الولايات المتحدة أعباءها، بينما تتجنب إسرائيل التورط ودفع ثمن سبق أن تكبدته إبان المواجهات السابقة. فما برحت تتلافى التعرض للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية، التى تزلزل المدن الإسرائيلية، وتعطل حركة الطيران، وتزج بملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ، وتشل الحياة الاقتصادية. ومن ثم، تفضل كل من إسرائيل وإيران، لأسباب مختلفة، حصر المواجهات بين الأخيرة وواشنطن. فبينما يؤثر نتنياهو عدم إغضاب ترامب، عبر إرباك استراتيجيته فى التعاطى مع إيران؛ تعتبر الأخيرة مواجهتها الأمريكيين وحدها أقل كلفة من التصدى لهجمات مكثفة ومنسقة من لدن واشنطن وتل أبيب.


تتخوف واشنطن من أن تفضى مشاركة إسرائيل فى الحرب إلى توسيع نطاقها، وإطالة أمدها، أو فقدان السيطرة على مجرياتها، خصوصًا فى ظل اندفاع إسرائيل وصعوبة لجم نزعاتها العدوانية إزاء إيران؛ ما يفقد الجميع قدرتهم على ضبط مجريات الأزمة. وبينما تجاوزت الضربات الإيرانية دول مجلس التعاون الخليجى، لتطال الأردن، والعراق، وسوريا، هددت باكستان بالتحول من وسيط محورى وموثوق إلى طرف مباشر فى الحرب، من خلال الانخراط فيها لمساندة حليفها السعودى؛ تفعيلًا لاتفاقية الدفاع المشترك المبرمة العام الماضي، بعد تعرض المملكة لضربات إيرانية، للمرة الأولى منذ أربعة أشهر. وتبقى تركيا غير بعيدة عن احتمالات التصعيد، على وقع احتدام المنافسة بينها وبين إسرائيل حول سوريا والنفوذ الإقليمى. كذلك، تخشى واشنطن ما يسمى «حروب الخنق الاستراتيجى»؛ حيث تغدو الأصول الاقتصادية، والبنية التحتية للطاقة، والموانئ، وخطوط الملاحة الدولية، والممرات البحرية، أهدافًا استراتيجية بالغة الحساسية، بما يحول حمايتها وتأمينها إلى عبء جيوستراتيجى عالمى ثقيل.


بينما تضفى زيارة نتنياهو السابعة لواشنطن أثناء ولاية ترامب الثانية مزيدًا من الغموض بشأن مشاركة إسرائيل فى التصعيد الأمريكى المتجمد، مرحليًا، ضد طهران، ترتئى دوائر أمريكية أن مجرد التلويح بهذه المشاركة يمنح الأمريكيين ورقة ضغط إضافية على الإيرانيين؛ لحملهم على العودة إلى المسار الدبلوماسى، من موقف تفاوضى أضعف، بما يضطرهم إلى إبداء مرونة، وتقديم تنازلات.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved