جزء من عبد الرحمن الأبنودى

شريف عامر
شريف عامر

آخر تحديث: الإثنين 27 أبريل 2026 - 6:25 م بتوقيت القاهرة

 

بدأتُ أدرّب نفسى منذ فترة على الاحتفاظ بمسافة شخصية وخطوط فاصلة عن كل ما نعاصر من جنون العالم، والاكتفاء من محاولات إعادة فكّ وتركيب الأحداث حسب هوى أصحاب التفسير والتحليل.

ولأن الابن والابنتين صار لكلٍّ منهم طريق يخصّه، بدأتُ أنا خطواتى على طريق جديد لا أحتاج فيه لإثبات أى شىء لأحد، كما كانت كل الطرق التى سلكتُها سنواتٍ طوال.

هكذا، أستغل كل فرصة ممكنة لأقود سيارتى ساعات طويلة وصولًا إلى ملاذى الصغير على ساحل البحر الأحمر.

رفاق السفر إما صديق أو اثنان من الطفولة، يرغبان فى هروب مؤقت من أحداث تلسع ظهورنا بكرباج التوتر الخفى. فإذا لم تتلاقَ الظروف، تقرر السيدة زوجتى أن ترهق نفسها بصحبتى مشفقةً علىَّ من طول السفر.

يبدأ البث الإذاعى فى الضعف، ويحضر عبد الرحمن الأبنودى، أو محمود درويش، أو عبد الحليم.

ثوابت تعرفها شريكة الحياة ورفاق الدرب من مبتدأ الرحلة لنهايتها.

يأتى صوت الأبنودى بحكايات حراجى القط فى رسائل حب تثير حقد شكسبير لو سمعها من فرط عذوبة معانيها، وجمال صورها. يتغزل فى فاطنة، أو يصف لها حال من خرجوا من جبلاية الفار وانصهروا فى حلم مصرى جماعى اسمه السد العالى.

الأبنودى أصدق من عبّر عن كل جبلاية فار فى برّ مصر، وكل الوجوه على شواطئها.

دافع عن حراجى وعن عويضة. عاتب فى الدايرة المقطوعة كل من حاول أن يلعب طليعةً وجماهير، بينما «عويضة حياته تراب وهباب، عايش زمنه الكداب، مرتاب، ماشبعناش عنه بُعد، وهو ماشبعش غياب. عويضة هناك فى الأرض، فى المدن الأوض فوق بعض».

ويذكّر الأبنودى الجميع دائمًا أن «القولة الحق مش حق، إذا صدر عويضة ما طلعهاش».

يعرف رفاق السفر عبد الرحمن الأبنودى، باللقب المعتاد. هو لهم الشاعر «الخال». أما أنا، فقد عرفته بشكل آخر.

فى بيتنا، هو عبد الرحمن.

وسواء كان زائرًا رأيته، أو اسمًا يتردد، إلا وتأكدت فى كل مرة من عمق المكانة والتجربة المشتركة.

كلما زرته مذيعًا على موعد باللقاء التليفزيونى، تأمل دخولى عليه قليلًا ثم ابتسم واستقبلنى بما تيسّر من لمحات تاريخ طويل:

- «أبوك حاطط البيبة فى بقه وماسك الشنطة ولابس البدلة كاملة، لكنه إسكندرانى المولد، شرقاوى المنبت مهما سمع مزيكا كلاسيك. طول عمره يبان باشا، وإحنا كلنا مش عارفين نجيب عشانا».

ويبدأ فى الحكى عن أيام البحث عن مصر التى طاردوها فى خيالهم. هو فى قصيدة أو أغنية، وصديقه فى تحقيق صحفى أو مقال.

عند عودتى، أسأل الأستاذ منير عن نسخته مما رواه صديقه الشاعر، فيضحك ويقول: «عبد الرحمن مفيش أصدق منه. لو قالك حاجة تبقى صح».

بالنسبة لأمى، كان عبد الرحمن المعبّر عن صعود جيلها وانكساره. جيل عاصر كل الأحلام، فارتفع حتى بلغ الشمس، ثم هوى مع النجم رمز الحلم.

وضمن قائمة محدودة ذات مكانة خاصة من أصدقاء الزوج، كان موقع عبد الرحمن الأبنودى.

●●● 

على الطريق يخرج صوته بقصيدة «المد والجزر»، يحكى فيها عن الناس، والحكام، وعن الفزع من الدولار، وحفر الحكومة الوساع، ثم يلخص لك الأمل فى وصف مصر «اللى عمرها لا كانت لحظة ولا صدفة».

أحدّث الزوجة أو الأصدقاء بقصة سمعوها مرارًا:

«من ١٥ سنة، وصلتنى مكالمته فى فاصل علشان تخرج قصيدته عن الميدان، وثورة يناير، دولة العواجيز اللى لعبت القمار بأحلامنا، نسخة وحيدة على الهواء مباشرة».

وفى القصيدة، يحكى الأبنودى عن شباب لا يعرف متى ولا كيف تعلموا النضال، ويحكى عن الطغمة والظلم والدم، ويعود فيقول: «أتاريك جميل يا وطن ما زلت».

سمع الأصدقاء القصة بمفردات مختلفة تتكرر عليهم بفخرى الثابت الذى لا يخفت، كلما سافرنا وسمعنا صوت عبد الرحمن الأبنودى.

فى كل مرة، وقرب انتصاف المسافة، يعلن صمت الرفاق أنهم قد اكتفوا شعرًا، رغم استسلامهم لطقوس أدمنتُها، وصور أعدت شرحها، وحكايات كررتها.

قمتُ بضغط أزرار لشىء آخر نسمعه، وزر آخر فى النفس لإغلاق دولاب الصور والتذكار.

هذه المرة، تعمدت عدم الاختيار، حتى تأتى مفاجأة تخرجنا عن السياق المعتاد، فحضرت أغنية «ساعات ساعات» التى تحب فيها صباح الحاجات أحيانًا، أو تشعر فيها أن النجوم بعيدة أحيانًا أخرى. عدت للحديث عن معجزة الأبنودى الجامع بين جبلاية الفار، وموال النهار، و«ساعات ساعات»، و«الموت على الأسفلت».

انتهت صباح من الغناء، وانساب صوت عبد الحليم بـ«قارئة الفنجان»، وقد شارفنا على الوصول، وبدأت أمارس عادة التفاخر بأنهم سيستمتعون بنصف النهار بسبب إصرارى على التحرك مبكرًا.

نزلت من السيارة وقلت:

«إحنا فى أبريل. مرّ على غيابك سنوات، لكن برضه هاقول: ربنا يخليك لينا يا عم عبد الرحمن».

دعاء يثير التعجب لمن استدعاه الله لجواره. لكنك قلت لأبى يومًا إن عملك هو أنت، وعملك هنا معى.

إذن يحق لى أن أقول لك: «ربنا يخليك لنا يا عم عبد الرحمن». بالتأكيد أنت فى صحبة صديقك أو مجموعة أصدقائك، لكنك تركت لنا هنا جزءًا عظيمًا منك نأنس به.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved