لماذا يتربصون بثورة 23 يوليو؟
محمد سعد عبدالحفيظ
آخر تحديث:
الأحد 26 يوليه 2026 - 9:10 م
بتوقيت القاهرة
مع حلول ذكرى ثورة 23 يوليو من كل عام، تخرج كتائب المتربصين والمضللين وأصحاب الغرض، ويلحق بهم آخرون غُسلت عقولهم بمحتوى لا هدف منه إلا تشويه الثورة وقائدها ومحو آثارها.
خلال موسم الهجوم السنوى، يُعاد تدوير الأكاذيب، ويُخلط بينها وبين الحقائق، حتى لا يبرز من يوليو سوى نكسة يونيو، والقبضة الأمنية، وتأميم الصحافة، وتضييق المجال السياسى.
لا أحد ينكر أن تجربة يوليو، كغيرها من التجارب الكبرى، لم تخل من الأخطاء، وبعضها كان فادحًا ودفع الوطن ثمنه، وهو ما اعترف به قائدها نفسه بعد هزيمة يونيو؛ لكن اللافت أن خصوم الثورة يتعمدون اقتطاعها من سياقها التاريخى، وكأنها هبطت على دولة مستقرة تسود فيها العدالة والكرامة والحرية، لا على مجتمع كان يرزح تحت واحد من أكثر النظم الاجتماعية ظلما واختلالا فى تاريخه الحديث، ودولة محتلة لا تملك إرادتها ولا قرارها.
لا يمكن فهم يوليو إذا بدأنا من نهايتها، أو حاكمناها بمعايير اللحظة الراهنة. البداية الصحيحة هى مصر ما قبل 1952؛ مصر التى كانت فيها الثروة والسلطة والتعليم والصحة والأرض حكرًا على قلة صغيرة، بينما تعيش الأغلبية الساحقة من المصريين على الهامش.
تكفى مراجعة مناقشات البرلمان قبل الثورة لندرك طبيعة ذلك المجتمع؛ فقد كان عدد من كبار الملاك ينظرون إلى تعليم أبناء الفلاحين باعتباره خطرًا يفسدهم ويجعلهم يتطلعون إلى حياة لا تليق بمكانتهم الاجتماعية، فيما كانت أوضاع الفلاحين الصحية والمعيشية من السوء بحيث طالب رئيس مجلس النواب نفسه كبار الملاك بأن «يقيموا لهم مساكن صحية ويهتموا بعلاجهم كما يهتمون بمواشيهم».
كانت تلك هى مصر الحقيقية التى يحاول البعض اليوم تزييف صورتها؛ أقلية تسيطر على معظم الأرض والثروة، وملايين من الفلاحين يعملون أجراء فى أرض لا يملكون منها شيئًا، وعمال لا يجرءون على رفع رءوسهم أمام أصحاب المصانع، وأمية تقارب أربعة أخماس السكان، وتعليم جامعى يكاد يقتصر على أبناء القادرين، وخدمات صحية أقرب إلى الامتياز الطبقى منها إلى الحق العام. ولم تكن مصر تعرف طبقة وسطى بالمعنى الحديث، بل كان الصعود الاجتماعى استثناءً نادرًا.
لهذا لم تكن يوليو مجرد انقلاب أطاح بملك أو غير نظام حكم، بل ثورة على البناء الاجتماعى الذى أنتج هذا القدر من التفاوت والحرمان. وإنكار هذا التحول هو فى جوهره، إنكار للتاريخ.
يكفى قانون الإصلاح الزراعى لندرك حجم ما جرى؛ فقد كسر احتكار الأرض، وأعاد توزيع جزء معتبر منها على مئات الآلاف من الفلاحين، لينتقل كثيرون لأول مرة من العمل فى أرض الغير إلى امتلاكها. ولم يكن ذلك مجرد إعادة توزيع الأرض على أصحابها الأصليين، بل إطلاقًا لحراك اجتماعى غير مسبوق.
ثم جاءت مجانية التعليم لتفتح أبواب الجامعات أمام أبناء العمال والفلاحين والطبقة الوسطى، فيخرج من بينهم آلاف الأطباء والمهندسين والقضاة والعلماء الذين ما كان لهم أن يبلغوا تلك المكانة لولا أن التعليم أصبح حقًا لا امتيازًا.
وفى الوقت نفسه، أخذت الدولة على عاتقها بناء قاعدة صناعية لم تعرفها مصر من قبل، هدفها امتلاك أدوات الإنتاج وتقليل التبعية للخارج.
وحتى بعد هزيمة يونيو، وهى الكارثة التى لا يجوز التقليل من آثارها، لم ينهر الاقتصاد كما يروج البعض، بل استمرت المشروعات الكبرى، وأعيد بناء القوات المسلحة، وأُنجز حائط الصواريخ الذى مهد لاستعادة التوازن على الجبهة، ووضعت الخطط التى قامت عليها حرب أكتوبر.
وليس المقصود من ذلك تحويل يوليو إلى بقرة مقدسة؛ فقد أخطأت حين ضيقت المجال العام، وأساءت حين احتكرت السياسة، وكانت هزيمة يونيو مسئولية لا يجوز التنصل منها؛ لكن النقد شىء، ومحاولة محو التاريخ شىء آخر.
ولعل السؤال الذى ينبغى أن يُطرح فى ذكرى يوليو ليس: «هل أخطأت الثورة؟» فهذا سؤال أجابت عنه الوقائع منذ زمن؛ وإنما: «ماذا كانت ستكون مصر لو لم تقع ثورة يوليو؟.. وكيف كان سيبدو المجتمع لو استمر نظام ما قبل 1952.
حين نجيب عن هذا السؤال بإنصاف سندرك أن المعركة الحقيقية ليست حول الماضى، بل حول الذاكرة؛ فالهجوم المتكرر على يوليو ليس مجرد اختلاف فى التقييم، بل محاولة لإقناع الأجيال الجديدة بأن العدالة الاجتماعية كانت وهمًا، وانحياز الدولة للفقراء كان خطيئة، وتحرير الإرادة السياسية واستقلال القرار الوطنى عنترية. والحقيقة أن يوليو، مهما اختلفنا حولها، ستظل اللحظة التى خرجت فيها أغلبية المصريين، لأول مرة منذ قرون، من هامش الوطن إلى متنه، وتعاملت فيها الدولة مع نفسها باعتبارها بلدًا يملك ما يؤهله ليكون كبيرًا.