حين فقدت المدينة دورها
أحمد عبد ربه
آخر تحديث:
الأحد 26 يوليه 2026 - 9:15 م
بتوقيت القاهرة
سؤال: «أنت من فين؟» سؤالًا يمكن سماعه فى القاهرة بتلقائية شديدة. لم يكن السؤال يفترض أن هناك سكانًا أصليين فى مواجهة غرباء، بل كان ينطلق من معرفة ضمنية بأن معظم سكان المدينة قدموا، هم أو آباؤهم، من أماكن أخرى. فلم تكن المدينة، فى معناها الاجتماعى، مجرد تجمع سكانى أكبر من القرية، كما لم يكن الانتقال إليها مجرد انتقال من مكان إلى آخر. فالمدينة كانت تمثل درجة أوسع من الاجتماع، يخرج إليها الناس من دوائرهم المحلية.
والحديث هنا ليس عن «ترييف المدينة» بمعناه الساذج، الذى يوحى بأن المشكلة فى أن سكانًا انتقلوا من بيوت ريفية إلى عمارات، أو فى طريقة الكلام والملابس. فهذا الخطاب يحمل قدرًا من الاستعلاء الطبقى أكثر مما يقدم تفسيرًا اجتماعيًا. فمعظم المصريين، بمن فيهم سكان المدن، تعود جذورهم إلى مجتمع زراعى، ولم يكن انتقال أبناء الريف إلى المدن يومًا هو المشكلة، بل كان هو الآلية التى نمت بها المدن نفسها.
• • •
القرية تنتج هوية محلية شديدة التماسك، تحكمها صلات القرابة والمعرفة المباشرة والتقاليد المشتركة. يعرف الناس بعضهم بعضًا، حيث تكون الحدود بين الخاص والعام أقل وضوحًا. أما المدينة، فكانت تقوم على منطق مختلف؛ إذ لا يعرف الإنسان معظم من يتعامل معهم، ولا يستطيع أن يتوقع منهم الالتزام بعاداته، ولذلك يصبح محتاجًا إلى قواعد أوسع وأقل خصوصية لتنظيم علاقته بهم. ولهذا كان الانتقال من الريف إلى المدينة يقتضى قدرًا واسعًا من التأقلم. لم يكن القادم يتخلى عن أصوله، ولا يقطع علاقته بقريته أو أسرته، لكنه كان يتعلم أن ما يصلح داخل جماعته المحلية لا يصلح بالضرورة قاعدةً لحياة الجميع.
فإذا كان العقد الاجتماعى لبناء الدول، وفقًا لفلاسفة العقد الاجتماعى، قائمًا على التنازل عن جزء من الحرية الطبيعية مقابل الأمن والاستقرار، فيمكننا القول إن العقد الاجتماعى للمدينة قائم على التنازل عن قدر من الخصوصية المحلية، مقابل اكتساب هوية أوسع ومجال عام مشترك يتيح التعايش بين المختلفين. ويمكن التفكير فى هذه العملية باعتبارها درجات متتالية. فهناك انتقال من القرية إلى المدينة الإقليمية، ثم انتقال آخر من المدينة إلى العاصمة أو المركز الأكبر. فى الانتقال الأول يترك الفرد جزءًا من خصوصيته المحلية ليدخل فى مجتمع أوسع. وفى الانتقال الثانى يحدث تنازل بدرجة ثانية، أو بدرجة أوسع، ليدخل إلى فضاء يضم سكانًا من مدن وأقاليم متعددة، ويحتاج إلى اكتساب هوية أكثر اتساعًا.
لذلك لم تكن القاهرة مجرد مكان تجمعت فيه هويات مصر المختلفة إلى جوار بعضها. كانت تعيد تشكيل القادمين إليها، وتنتج من تفاعلهم هوية مشتركة، ثم أصبحت هذه الهوية، مع توسع الصحافة والراديو والسينما والتليفزيون، مكونًا رئيسيًا من الهوية المصرية العامة. لم تكن القاهرة تمثل مصر لأنها تعرض كل ثقافاتها المحلية بالتساوى، وإنما لأنها كانت تنتج صيغة مشتركة يمكن لمصريين من بيئات مختلفة التعرف عليها والتعامل معها.
هذه العملية لم تكن تعنى إلغاء التنوع أو صهر الجميع فى نموذج واحد. كانت داخل المدينة اختلافات كبيرة على أساس الطبقة، والمهنة، والدين، ودرجة التدين، والتعليم، والأصل الجغرافى. وكانت الأحياء نفسها تحمل شخصيات اجتماعية وثقافية متباينة. لكن هذه الاختلافات كانت تتحرك، فى معظم الوقت، داخل إطار مشترك، يعرف فيه كل طرف أن الآخرين مختلفون، وأن المدينة لا يمكن أن تُدار وفق قواعد جماعته وحدها. لم يكن التعايش دائمًا مثاليًا، ولم تكن المدينة خالية من الصراعات، لكنها لم تكن هى القاعدة.
• • •
كان شكل العمران نفسه يساعد على إنتاج هذا المشترك. فالتوسع العمرانى كان يحدث غالبًا بالتجاور. ينشأ حى جديد إلى جوار حى قديم، ثم تتصل الشوارع والمواصلات والأسواق والمدارس بينهما. وحتى عندما يكون الحى الجديد مختلفًا طبقيًا أو معماريًا، فإنه يدخل تدريجيًا فى نسيج المدينة، ويتعامل سكانه مع مؤسساتها وسكانها وثقافتها الموجودة بالفعل.
كان القادم إلى منطقة جديدة يشعر أنه يدخل إلى مدينة قائمة قبله. هناك تاريخ للمكان، وشبكات من العلاقات عليه أن يتعرف إليها. لم يكن مطلوبًا منه أن يقبل كل ما يجده، لكنه كان يدرك أنه قادم إلى شىء موجود، وأن عليه أن يتأقلم معه بقدر ما يسعى إلى تغييره. هذا النمط تغير بدرجة كبيرة مع التوسع فى إنشاء المدن الجديدة، والتجمعات السكنية البعيدة، والكومباوندات. لم تعد الأحياء الجديدة تنشأ دائمًا امتدادًا للأحياء القديمة، بل أصبحت جزرًا منفصلة، ترتبط بالمدينة عبر الطرق السريعة. لا يؤدى هذا الانفصال إلى زيادة العزلة الطبقية فقط، بل يغير أيضًا علاقة السكان بالمدينة. فالقادم إلى حى قائم كان يدخل إلى ثقافة موجودة، أما القادم إلى مساحة جديدة أُنشئت من الصفر، فيشعر أنه لا يحتاج إلى الاندماج فى شىء سابق عليه. كما يصبح أكثر استعدادًا للتعامل مع المدينة التى يهاجر أهلها إلى الأطراف باعتبارها مساحة مفتوحة لإعادة تشكيلها وفق تصوراته.
وساعدت وسائل التواصل الاجتماعى على تعميق هذا التحول. فقد أصبح ممكنًا أن ينتقل الإنسان جغرافيًا إلى المدينة، لكنه يظل اجتماعيًا وثقافيًا داخل جماعته الأصلية. فى الماضى، كان الانتقال يفرض على الإنسان الاحتكاك ببيئة جديدة، أما الآن فيمكنه أن يعيش سنوات فى مدينة من دون أن يدخل فعليًا فى حياتها.
• • •
يمكن رؤية ذلك فى الخلافات حول دور النساء فى المجال العام، وفى الموقف من الفن والموسيقى والملابس واللهجات وأنماط الترفيه. لا يتعلق الأمر بمجرد وجود آراء محافظة أو متحررة، فقد كانت هذه الاختلافات موجودة دائمًا، وإنما يتعلق بتحول ذلك إلى مطالبة بفرض نموذج واحد صحيح، من وجهة نظر صاحبه، على المجال العام. ويظهر الأمر أيضًا فى قضايا أخرى، مثلًا، الموقف من اللاجئين والأجانب. فالمدينة تاريخيًا تفترض قدرًا من الاعتياد على الغريب، لأن جزءًا كبيرًا من سكانها جاء أصلًا من أماكن أخرى. لكن تغيير دورها الراهن نتج عنه ما نراه من قيم تقوم على الحذر من الغريب، والنظر إليه باعتباره خطرًا على تماسك الجماعة أو منافسًا لها على الموارد.
المشكلة، إذن، ليست أن المجتمع أصبح أكثر تنوعًا، بل إن الآليات التى كانت تحول هذا التنوع إلى مشترك أصبحت أضعف. تراجع المجال العام، وانفصل العمران الجديد عن المدينة القديمة، وازدادت العزلة الطبقية، كل هذا عطل دور المدينة، فلم تعد قادرة على دفع سكانها إلى التنازل المتبادل، ولا على إقناع كل جماعة بأن خصوصيتها لا يمكن أن تصبح قاعدةً للجميع. ولذلك انتقلنا تدريجيًا من مدينة تُنتج المشترك إلى مدينة تتجاور داخلها جماعات متعددة، تحاول كل منها الحفاظ على عالمها الخاص، وأحيانًا فرضه على الآخرين.
ليست المسألة حنينًا إلى مدن قديمة لم تكن خالية من الظلم أو الصراع، لكنها محاولة لفهم ما فقدناه حين توقفت المدينة عن أداء إحدى وظائفها الأساسية: أن تجعل الإنسان أوسع من جماعته الأولى، وأن تعلّمه العيش مع أشخاص لا يشبهونه.
مدير منتدى البدائل العربى للدراسات