الخروج من الحرب لا يبدأ إلا بانتهاء الخوف
سمير العيطة
آخر تحديث:
الأحد 21 يونيو 2026 - 6:10 م
بتوقيت القاهرة
لنُسمِّ الأشياء بأسمائها: ما جرى فى سوريا كان حربا أهلية، وإن كانت فى الوقت نفسه حربا بالوكالة غذّتها أطرافٌ خارجية بالمال والسلاح. حربٌ أهلية لأنّ أبناء المجتمع الواحد وجدوا أنفسهم فى خنادق متقابلة، يقاتل بعضهم بعضا بشراسة. لكنّ التجارب الإنسانية فى كلّ بلدٍ خرج من أتون حربٍ أهلية تحمل درسا واحدا ثابتا: سقوط السلطة وقيام أخرى ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية. فالحرب الأصعب على الإنهاء ليست تلك التى تُخاض بالسلاح، بل تلك التى تستوطن العقول والذاكرة الجماعية، وتتسلّل إلى نمط التفكير اليومى الذى يحكم العلاقة بين الجيران وزملاء العمل وأبناء العائلة الواحدة؛ نمط تفكير قوامه الخوف من الآخر، ذلك الأخ والشريك فى الوطن.
• • •
واليوم، بعد أكثر من عام ونصف على سقوط بشار الأسد، تقف سوريا عند مفترقٍ واعدٍ بقدر ما هو حسّاس: فرصة تاريخية لبناء اقتصادٍ ومجتمعٍ معافين، شريطة أن تُبنى هذه الفرصة على أرضية صلبة من الثقة المتبادلة، لا أن تبقى رهينة الخوف وموروثاته.
كلّ ما يُقال اليوم عن مؤشرات إيجابية، من تصريحات السلطات السورية إلى وعود بعض القوى الخارجية والمؤسسات الدولية، يمكن أن يتحوّل من أرقام على الورق إلى واقع ملموس، بشرط واحد جوهرى: أن يقترن بمناخ حقيقى من الاستقرار الاجتماعى. فالمستثمر، محليا كان أو أجنبيا، يبحث أولا عن الأمان قبل العائد، ولا يضع أمواله بثقة إلا فى بلد يثق أبناؤه ببعضهم بعضا، وفى اقتصاد يقوم على منطق الشراكة فى النهوض، لا على منطق «غالب ومغلوب على أمره». هذه هى المعادلة التى يمكن لسوريا أن تكسبها إن أحسنت إدارة هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة.
ومهما تعدّدت الاستثمارات الجزئية والمبادرات المرافقة لها، يبقى التعافى الاقتصادى مرتبطا عضويا بالاستقرار الاجتماعى. فالتحوّل الحقيقى والمستدام رهنٌ بإعادة الاعتبار للعمل والإنتاج، وضبط الأسواق وكسر الاحتكارات، وتعزيز دخل المواطن، وربط أى انفتاح خارجى بإصلاح داخلى فعلى وشفاف، لا بشعارات حول «حرية الاقتصاد» تبقى فارغة ما لم تقترن بميزانية واضحة وآليات نقدية منضبطة وسياسات اقتصادية منطقية وحكيمة. وكلّ هذا منقوصٌ اليوم.
ولا يتحقّق الاستقرار الاجتماعى إلا عبر رؤية اقتصادية وإدارية للدولة تقوم على العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل القومى بإنصاف، بحيث تصل ثمار الإصلاح مباشرةً إلى الفئات الأكثر هشاشة والمناطق والمدن التى تحمّلت أعباء الحرب أكثر من غيرها. وهذه العدالة، حين تتحقّق، لا تبقى شعارا، بل تتحوّل إلى محرّك حقيقى للنمو، لأنّه لا يمكن الحديث عن نموٍّ وإنتاج مستدامين فى بلدٍ لا تزال فيه شرائح واسعة من السكان، سواء بحكم انتمائها أو ماضيها الوظيفى أو حتى موقفها الحيادى أثناء الحرب، تشعر بأنها خارج معادلة المستقبل. وهنا بالضبط تكمن الفرصة: حين يشعر كل سورى بأنّ له مكانا مضمونا فى الغد، يتحرّر المجتمع كلّه ليستثمر طاقاته فى البناء بدل الحذر والترقّب.
• • •
استخدمت السلطة البائدة لعقود ورقة تقسيم المجتمع والحشد الطائفى والمناطقى والطبقى، وأخافت كلّ طيفٍ من الأطياف من الآخر لضمان استمراريتها. واستثمرت قوى خارجية هذه الانقسامات أيضا لإطالة أمد الحرب. فلا عجب أن تكون مخاوف الانتقام والاحتماء بالخارج قد برزت سريعا بعد سقوط تلك السلطة، بالتوازى مع صعوبة الأوضاع المعيشية وتفاقمها من جرّاء السياسات التى تمّ اتباعها. لكنّ هذا بالذات هو التحدّى الذى يجب على أى مرحلة جديدة أن تنجح فى تجاوزه: إخراج المجتمع من مناخ الخوف الموروث، وطمأنته بأنّ القائمين الجدد على السلطة مسئولون عن المجتمع بأسره، لا عن جزءٍ منه فقط.
وأمام حجم الانتهاكات التى رافقت سنوات الحرب، تصبح العدالة الانتقالية الشفافة شرطا أساسيا لإرساء الاستقرار الاجتماعى. فالمصالحات غير الواضحة مع منتهكين كبار، والتركيز الإعلامى على ملاحقة منتهكين صغار فقط، وحصر المساءلة بفئات دون أخرى، كلّها ممارسات يمكن تفاديها عبر آليات فعلية وشفافة للحقيقة والمصالحة، تشمل الجميع بإنصاف وتُسكِت خطاب التحريض بدل أن تترك له مجالا للتمدّد.
• • •
فالعدالة الانتقالية الحقيقية تختلف جذريا عن المحاسبة الجماعية أو العفو الانتقائى القائم على الولاءات. الأولى تبنى الثقة لأنها تحاسب أفرادا على أفعالهم الموثّقة، وتطمئن الجميع إلى أنّ القانون واحد لا يُجامل أحدا. وهذا بالضبط هو الطريق الأقصر نحو مجتمع يثق بمؤسساته ويستثمر فى مستقبله بدل أن يبقى حبيس الماضى.
من أبرز الفئات التى تحتاج إلى رسائل طمأنة واضحة وعملية، مئات الآلاف ممن عملوا فى مؤسسات الدولة أو الإدارة المحلية أو الجيش، ومعظمهم فى هذا الأخير أدّى خدمته الإلزامية خلال سنوات السلطة السابقة، دون أن يكون متورطا فى أية جريمة. هذه الشريحة الواسعة، التى تضم أبناء مختلف الأطياف لا فئة واحدة، خدمت مجتمعها فى ظروف بالغة الصعوبة رغم الاستبداد والعقوبات. واليوم، تستحقّ هذه الشريحة فرصة حقيقية للاندماج فى دولة جديدة بدل أن تعيش قلق المساءلة الجماعية، لأنّ كسب ثقتها وطاقاتها هو بالضبط ما تحتاجه سوريا فى مرحلة إعادة البناء.
وهنا تبرز الحاجة إلى جهد منظم، عبر فريق متخصّص بالسلم الأهلى، يعمل على تعزيز القيم الجامعة وبثّ رسائل الطمأنة والحدّ من خطاب التحريض والطائفية، ودحض سرديات الجهل بالآخر التى تتغذّى من الانعزال لا من المعرفة المباشرة. هذا الجهد هو حجر الأساس لإدارة التنوّع المجتمعى وبناء دولة جامعة لكلّ أبنائها. وتستطيع سوريا أن تستفيد من دروس تجارب إقليمية سابقة، وفى مقدّمتها تجنّب الخطيئة التى رافقت تفكيك مؤسسات الدولة فى العراق بعد عام 2003، والتى أدّت إلى سنوات من الفوضى والحرب الأهلية. فالدرس واضح: بناء الدولة الجامعة أسرع وأرخص بكثير من إعادة بنائها بعد العمل على انهيارها.
• • •
تبديد الخوف ليس مهمّة السلطة وحدها، وإن كانت صاحبة المسئولية الأكبر فيه عبر ترسيخ سيادة القانون ونشر شعور الأمان لدى الجميع وتطبيق عدالة انتقالية حقيقية لا انتقائية. فحين تُعرَّف «الجرائم الجسيمة» بوضوح، وحين تُطبَّق القوانين على الجميع دون استثناء، وحين يُعاد دمج المناطق المتضرّرة بكل أطيافها فى نسيج الدولة، وحين تُقدَّم الكفاءة والنزاهة على حساب الولاء وحده، وحين تكون القوى الأمنية حيادية تجاه السياسة والفئات الاجتماعية، تصل إلى المجتمع رسالة واضحة: أنّ زمن الخوف قد ولّى، وأنّ سوريا تبنى نظاما يحمى الجميع بالتساوى. وهذا بالضبط سيكون الانتصار الحقيقى على منطق الحرب الأهلية الذى حكم البلاد لعقود... وما زال.
فلا نهوض اقتصادى واجتماعى حقيقى ومستدام إلا فوق مجتمع متصالح مع نفسه وفى ظلّ دولة تمثّل جميع المواطنين. ورأس المال البشرى، قبل المالى، لا يزدهر إلا فى بيئة يشعر فيها الجميع بالأمان الكافى للاستثمار فى مستقبل مشترك، لا فى مجرّد البقاء على قيد الحياة ليوم آخر، خاصةً إذا كان الجهد للحصول على سبل العيش الكريم مضنيا اليوم.
وسوريا، بكل ما تحمله من جراح، تملك أيضا كل مقوّمات النهوض: شعبٌ صبور، وطاقاتٌ بشرية واسعة، وفرصة تاريخية لإعادة كتابة عقدها الاجتماعى على أسس من العدالة والثقة. وحين يُبدَّد الخوف، لن يكون النهوض خيارا، بل مسار طبيعى تسلكه البلاد بثقةٍ نحو غدٍ يليق بتضحيات أبنائها جميعا.
رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب