الخنق الإثيوبى للنيل

طلعت إسماعيل
طلعت إسماعيل

آخر تحديث: الإثنين 20 يوليه 2026 - 6:10 م بتوقيت القاهرة

تتجاهل الحكومة الإثيوبية، مرة تلو الأخرى، الاحتياجات المائية من نهر النيل لدولتى المصب، مصر والسودان، وتتمسك بالتصرفات الأحادية فى ملء وتشغيل سد النهضة، أو سد الخراب، كما أطلق عليه، ذات يوم، الدكتور بدر عبد العاطى، وزير الخارجية، وتعطى أديس أبابا، فى تحد للقانون الدولى، أذنا من طين وأخرى من عجين، للاعتراض على تحكمها المنفرد فى مياه النيل الأزرق.


وحسب التقارير الواردة من السودان، فى الأيام الأخيرة، شهد النيل الأزرق انخفاضا فى الواردات خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو الحالى، بسبب تراجع تصريف مياه السد الإثيوبى، الذى أدى بدوره، وفق وزارة الرى السودانية، إلى انخفاض التصريفات من خزانى الروصيرص وسنار، قبل أن ينعكس على مناسيب النهر فى عدد من محطات المياه الواقعة على امتداد مجرى النيل.


الوزارة السودانية أشارت إلى أن الوارد اليومى إلى بحيرة خزان الروصيرص انخفض خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو الحالى من 207 ملايين متر مكعب يوميا إلى 129 مليون متر مكعب، بنسبة نقص بلغت 76 مليون متر مكعب.


هذا الانخفاض، ووفق تقرير لوكالة «شينخوا» الصينية، كان سببا فى: انكشاف مساحات واسعة من ضفاف نهر النيل، وظهور تكوينات رملية فى قلب المجرى، بعد ابتعاد المياه عن مآخذ عدد من محطات الشرب وبعض مشروعات الرى، خاصة فى العاصمة الخرطوم، الأمر الذى دفع هيئة المياه بولاية الخرطوم إلى الاستعانة بحفارات لشق مجار مائية جديدة.


أمام هذه التطورات، كان طبيعيا أن تسارع اللجنة المصرية الدائمة لتنظيم إيراد نهر النيل برئاسة الدكتور هانى سويلم، وزير الرى، إلى الاجتماع، قبل أن يقول بيان للجنة، إن الإيراد المائى خلال شهر يونيو جاء أعلى من معدله، بينما سجل الإيراد خلال شهر يوليو حتى (الأحد 19 يوليو) معدلات أقل من المتوسط.


اللجنة قالت أيضا إنها «استعرضت تطورات تشغيل السد الإثيوبى غير الشرعى والمخالف للقانون الدولى وما شهدته الفترة الماضية من اضطرابات فى معدلات التصريف نتيجة استمرار الإدارة الأحادية فى ظل غياب قواعد واضحة للتشغيل وآلية منتظمة لتبادل البيانات من خلال اتفاق قانونى ملزم بين إثيوبيا ودولتى المصب».


ونحن نحتفل هذه الأيام بذكرى ثورة 23 يوليو 1952، كان منطقيا أن يشدد وزير الرى على دور السد العالى، الذى بنته الثورة، فى حماية مصر فى مثل هذه الأوقات التى تشهد تذبذبا فى إيراد النهر، ليظل السد العالى «حصن أمان للمصريين والركيزة الأساسية للأمن المائى المصرى، بما يمتلكه من قدرات تخزينية وتشغيلية».


الغريب وبينما كانت أديس أبابا تخنق نهر النيل وتمنع تدفقه، حاول نفر فى وسائل الإعلام الإثيوبيين «الغلوشة» على ما يجرى بشن هجوم دعائى ضد مصر لرفضها «الإجراءات الإحادية» فى عمليات ملء وتشغيل السد الإثيوبى، وتمسك القاهرة بضرورة التوصل لاتفاق قانونى ملزم ينظم إدارة السد فى الظروف العادية والاستثنائية.


نسى الإثيوبيون، دورهم فى وضع العراقيل أمام المسار التفاوضى وتلبستهم حالة من العناد، والمراوغة، والتهرب من وضع حقوق دول المصب فى الحسبان فكان منطقيا أن تعلن القاهرة فى 2024 وقف المفاوضات مع إديس أبابا، مع تأكيدها المستمر أنها «لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية فى نهر النيل».


أظهرت الأيام القليلة الماضية، بشكل واضح، مدى الضرر الذى لحق بفروع نهر النيل فى مناطق متفرقة من السودان، وسجلت العديد من الصور مدى تضرر تلك الفروع بعد أن ظهر الطمى فى أجوافها، كنتيجة لقلة تصريفات المياه فى النيل الأزرق الذى يمر بالسودان ويمد مصر بنحو 85% من حصتها المائية البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويا.


تضع وزارة الرى المصرية عدة سيناريوهات للتعامل مع أى طارئ، وأجرت الشهر الماضى نموذج «محاكاة» لكل الاحتمالات، لكن يظل الخنق الإثيوبى لنهر النيل، وحبس تدفق مياهه عن دولتى المصب، بشكل متعمد، أمرا يثير القلق، ويعيد طرح سؤال: إلى متى يمكن تحمل هذا العبث الإثيوبى؟


الإجابة تقول إن التصرفات الإثيوبية الاستفزازية لن تتوقف قبل إدراك أديس أبابا أن الرهان على صبر دولتى المصب، وخصوصا مصر، هو رهان خاسر بكل المقاييس.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved