لحظة هرمز
بشير عبد الفتاح
آخر تحديث:
الإثنين 20 أبريل 2026 - 7:10 م
بتوقيت القاهرة
تتباين التقديرات الاستراتيجية لكلٍّ من واشنطن وطهران فى التعاطى مع الأزمة المتأججة حول مضيق هرمز. فمن جهتها، ربما تأسست الحسابات الإيرانية على أن تمضى مآلات التأزم الراهن على غرار ما أسمته الأدبيات السياسية «لحظة السويس» عام 1956، والتى كان العدوان الثلاثى على مصر، خلالها، يستهدف استعادة السيطرة على قناة السويس وإسقاط نظام عبد الناصر.
سطّرت «لحظة السويس» أفول حقبة السلام البريطانى، عبر إنهاء قيادة بريطانيا للنظام العالمى. لتخرج منها مصر رابحةً سياسيًا، رغم هزيمتها فى مواجهة عسكرية غير متماثلة. قياسًا على ذلك، تأمل إيران أن يتمخض فشل ترامب فى حسم معركة هرمز لمصلحته عن فقدان الجمهوريين غالبية مجلسى الكونجرس إبان انتخابات التجديد النصفى المزمع إجراؤها فى نوفمبر المقبل، بما يمهد السبيل أمام الأغلبية الديمقراطية الجديدة لتفعيل التعديل الدستورى الخامس والعشرين، من أجل إقالة الرئيس الجمهورى المهيض الجناح. وبرغم الفوارق الجوهرية بين اللحظتين التاريخيتين، يتوق الإيرانيون إلى أن تفضى «لحظة هرمز» إلى إحراج الولايات المتحدة، وطى صفحة هيمنتها الأحادية على عالم ما بعد الحرب الباردة، ومن ثم خروج إيران من حربها غير المتماثلة معها منتصرةً سياسيًا، تلعق جراحها العسكرية والاقتصادية الغائرة.
فى المقابل، يرنو ترامب إلى التخلص من عقدة فشل الرئيس الأسبق جيمى كارتر فى التعاطى مع أزمة الرهائن الأمريكيين لدى إيران عام 1979، حيث قال فى مارس الماضى: «إذا نظرتم إلى ما حدث مع جيمى كارتر.. حيث المروحيات والرهائن، لقد كلفهم ذلك الانتخابات.. يا لها من فوضى». لذا، يتطلع ترامب إلى حسم معركة هرمز لمصلحته من خلال تشديد الحصار البحرى؛ أسوةً بتجربته السابقة فى فنزويلا نهاية العام الماضى. ومن ثم، أعلن الجيش الأمريكى إحكامه الحصار البحرى الكامل على الموانئ والمنافذ البحرية والسواحل الإيرانية، ما أدى إلى وقف حركة التجارة البحرية من وإلى إيران، والتى تشكل 90% من إجمالى تجارتها، التى تدرّ عليها 110 مليارات دولار سنويًا. ما يعنى تضييق الخناق عليها عبر حرمانها من عوائد تصدير النفط، وتجفيف منابع اقتصادها، وقطع طرق إمدادها بالسلع الحيوية والسلاح والذخائر وقطع الغيار، وتقليص قدرتها على تمويل حلفائها الإقليميين، علاوة على قطع شرايين التهريب الإيرانية، بهدف إضعاف النظام ودفعه نحو التفاوض من موقع رضوخ.
بموازاة ذلك، عمدت واشنطن إلى تغليظ عقوباتها على قطاع النفط الإيرانى، عبر فرض عقوبات جديدة استهدفت أشخاصًا وكيانات موالية للنظام ومرتبطة بمنظومة متشابكة من شركات الشحن والاستشارات، التى تدير عمليات بيع النفط عبر الالتفاف على العقوبات الدولية. ورغم جنوح إيران للاعتماد على خيارات بديلة، من قبيل: موانئ بحر قزوين، وخطوط الأنابيب، والطرق البرية وشبكات التهريب، لم تفلح تلك الخيارات فى استنقاذ القاعدة الاقتصادية للنظام أو تقليص تكلفة سيطرته السياسية. فى غضون ذلك، أكد ترامب اعتزامه مواصلة محاصرة الموانئ الإيرانية حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، مشيرًا إلى عدم تمديد وقف إطلاق النار عقب موعد انتهائه يوم الحادى والعشرين من الشهر الجارى.
تبقى مساقات الصراع ما بين الحصارين الأمريكى والإيرانى لمضيق هرمز مرتهنةً بقدرة الطرفين على الصمود وتحمل كلفة مواصلة الحصار لمدى زمنى أطول. وبينما تتعاطف الجغرافيا والاعتبارات الجيوسياسية مع إيران، تعاندها الإمكانات الاقتصادية وتعوزها المساندة الشعبية الواسعة. فى المقابل، تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا واضحًا، وقدرةً على فرض حصار بحرى محكم إلى حين، كما تدعمها شبكة تحالفات دولية يمكن، ولو نظريًا، أن تعزز من فعالية أى إجراء عقابى. إذ استضافت باريس، مؤخرًا، قمة بحثت سبل إعادة فتح مضيق هرمز ضمن مبادرة دولية لحماية حرية الملاحة، بمشاركة واسعة شملت نحو 49 دولة ومؤسسة، تنشد تشكيل مهمة عسكرية دفاعية ومحايدة لضمان أمن العبور بالمضيق بعد انتهاء الحرب. من منظور آخر، سلطت الأزمة الضوء على مخاطر الإفراط فى الاعتماد على المضائق البحرية بوصفها مسارات حيوية لحركة التجارة العالمية. ومن ثم، تتجه الأنظار نحو إيجاد بدائل برية مرنة وآمنة ومستدامة، حيث بدأت تلوح فى الأفق ملامح «هندسة جديدة» لخارطة نقل الطاقة عالميًا، عبر تسريع مشاريع مد خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والطرق البرية والنقل الجوى والموانئ خارج نطاق المضائق، بما يقلل الاعتماد على نقاط الاختناق ويعزز مرونة سلاسل التوريد، ويفاقم قدرتها على التكيف مع الاضطرابات الجيوسياسية. وعبر حصاره المنطلق من بحر العرب، يوشك ترامب أن يسلب إيران ورقتها الجيوسياسية الفاعلة، إذ يغير قواعد اللعبة فى الخليج ويفرض مقاربة لا تماثلية تحيد مكامن القوة الإيرانية وتحرمها فرض الديناميكية التى تتوخاها داخل مياه الخليج، الأمر الذى يخوله توفير الجهد العسكرى وتجنب الخسائر البشرية والمادية المتوقعة حال إقدامه على احتلال أى جزيرة إيرانية.
يعتبر ترامب أن حربه ضد إيران، والتى يعتقد أنها لن تتجاوز شهرين، كانت «مجرد انعطافة بسيطة» خلال ولايته الثانية، وذلك مقارنةً بحروب أخرى لإدارات سابقة. وبينما تظهر نتائج استطلاعات رأى حديثة تآكل التأييد الشعبى الأمريكى لتلك الحرب، تواصل إدارة ترامب تكريس استعداداتها العسكرية لحسمها سريعًا عبر مسارات ثلاثة متوازية: أولها، استمرار عمليات التحشيد العسكرى للقوات والأصول العسكرية الأمريكية فى منطقة العمليات بالشرق الأوسط، لتوفير خيارات أوسع أمام صانع القرار الأمريكى، وتكثيف الضغط على طهران. بموازاة ذلك، رفض مجلس الشيوخ، للمرة الرابعة على التوالى، مشروع قانون اقترحه الديمقراطيون لتقييد صلاحيات ترامب بشأن الحرب على طهران، عبر إلزامه الحصول على موافقة الكونجرس قبل أى قرار بهذا الخصوص. ولأول مرة منذ عام 1973، تتجه إدارة ترامب إلى إدخال تعديل على قانون التجنيد، يسمح لوكالة نظام الخدمة الانتقائية بتسجيل أسماء الرجال المؤهلين للتجنيد الإجبارى تلقائيًا، ما يعكس المخاوف من انكماش حجم القوات المسلحة الحالى وتراجع قدرتها على مواكبة التحديات الجارية والمستقبلية، خاصة مع تلويح ترامب باستئناف الحرب على إيران حال انهيار المفاوضات. أما ثانيها، فتجلى فى الارتفاع غير المسبوق بميزانية الدفاع الأمريكية لتناهز تريليونًا ونصف التريليون دولار. وثالثها، توسيع قاعدة الإنتاج الحربى لإعادة تعبئة مخزونات منظومات تسليحية، مثل: الذخائر، وأنظمة الاعتراض، ووسائل الدفاع الجوى، والتقنيات المضادة للمسيّرات. إذ قام ترامب بضم شركات مدنية إلى شبكة دعم القاعدة الصناعية الدفاعية، بما يعكس استعدادًا لمواجهة التزامات عسكرية ممتدة وتكاليف تشغيلية متزايدة، وبناء قدرة تعبئة تدريجية تسمح بتوسيع الإنتاج متى اقتضت الضرورة، فيما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب المرن».
لم يغب عن بال ترامب توظيف «لحظة هرمز» لتأكيد استمرار هيمنة واشنطن على النظام الدولى الفوضوى، عبر تكريس موثوقيتها فى ضمان حماية الملاحة البحرية العالمية. حيث يعى أن مساعى طهران لتحويل مضيق هرمز إلى نقطة جباية مالية على السفن العابرة لا تقوض حوكمة الملاحة البحرية الدولية فحسب، وإنما تشكل سابقة ربما تؤسس لتوجه عالمى مفزع، إذ تسوغ لدول مثل تركيا فرض رسوم على مضيقى البوسفور والدردنيل، أو اليمن وجيبوتى وإريتريا على مضيق باب المندب، وماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة على مضيق ملقا، وإسبانيا وبريطانيا على مضيق جبل طارق. مع انحسار صوت الدبلوماسية وتنامى دوى التصعيد، توشك الحرب أن تنتقل من المواجهات الجوية إلى العمليات البحرية أو البرمائية. فلقد أعلنت إيران عودة مضيق هرمز إلى سيرته الأولى تحت الإدارة والسيطرة الصارمة لقواتها المسلحة. فيما أكدت مصادر بقطاع الأمن البحرى والشحن أن سفينتين تجاريتين، على الأقل، أبلغتا عن تعرضهما لإطلاق نار أثناء محاولتهما عبور المضيق. حيث هاجم الحرس الثورى عدة سفن تجارية، معلنًا خضوع الممر المائى لسيطرة إيرانية مشددة، من خلال حرب بحرية غير متماثلة تعتمد على ما يُسمى «أسطول البعوض»، الذى يضم ترسانة من قوارب حربية منخفضة التكلفة لكنها سريعة وصغيرة، بمقدورها إطلاق الصواريخ والمسيّرات من مواقع مموهة على الشاطئ. على الجبهة الأخرى، يهدد ترامب بمواصلة الحصار البحرى على الموانئ الإيرانية حتى إدراك اتفاق شامل. وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الجيش الأمريكى يستعد لمداهمة ناقلات نفط مرتبطة بإيران، والسيطرة على سفن تجارية بالمياه الدولية، وذلك بغرض توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط. وتزامنًا مع تهديدات ترامب باستئناف الهجمات على إيران حال انهيار المفاوضات المتعثرة، عقد اجتماعًا لغرفة عمليات الحرب إثر معاودة طهران إغلاق المضيق.
بينما يطل شبح الحرب البحرية، تستحضر إدارة ترامب عملية «فرس النبى» عام 1988، حينما حسمت البحرية الأمريكية مواجهة بحرية فى مضيق هرمز ضد إيران، تولدت من إصابة الفرقاطة الأمريكية «سامويل روبرتس» بلغم بحرى إيرانى. فوقتئذ، أمر الرئيس رونالد ريجان بضرب منصات النفط الإيرانية التى تُستخدم كقواعد لزوارق الحرس الثورى السريعة وزرع الألغام، ما أدى إلى تدمير فرقاطتى «سهند» و«سابلان» الإيرانيتين، وزوارق سريعة، ومنصتى نفط، بما يعادل نصف القوات البحرية الإيرانية حينها، فى واحدة من أعنف المواجهات البحرية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. الأمر الذى تسبب فى شل القدرات البحرية الإيرانية، كما شكل نقطة تحول استراتيجية أسهمت فى إجبار طهران على تجرع كأس السم، والقبول بوقف إطلاق النار لإنهاء حرب السنوات الثمانى مع العراق.