المشكلة فى لبنان أعمق كثيرًا من قدرة الاتفاق على حلّها

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الإثنين 20 أبريل 2026 - 7:10 م بتوقيت القاهرة

إن وقف إطلاق النار الموقت الذى أُعلن لم يهدّئ فعليًا سكان الشمال، ومن الصعب لومهم إلى حدٍّ كبير؛ فخوفهم لا ينبع فقط من الذكرى القريبة للحرب، ولا من الاستنزاف الطويل طوال أشهر المواجهة، بل من إدراكٍ أساسى، حتى لو لم يُصَغ دائمًا بالكلمات، ومفاده بأن المشكلة فى لبنان أعمق من أى تسوية مؤقتة.


لقد كتبتُ سابقًا أن الساحة اللبنانية لا تستجيب جيدًا للحلول التكتيكية وحدها؛ أعود إلى هذه النقطة لأننا نرى مرة أُخرى أن الصعوبة ليست فقط فى تحديد مسار الخط، ومَن ينسحب، وكم كيلومترًا، أو أى آلية رقابة ستُفعّل فى الأسابيع القريبة؛ المشكلة هناك أعمق لأنها بنيوية أكثر، وبالتالى أكثر تهديدًا.


• • •
بعد 40 عامًا من العمل فى المنظومة الأمنية، تعلّمت أنه لا يجب التقليل من شأن الشعور بانعدام الأمن لدى السكان المدنيين، بصفته مجرد إحساس، فكثيرًا ما يكون هذا الشعور قادرًا على تشخيص واقع استراتيجى غير محلول، وبالضبط هذا هو الوضع فى الشمال الآن؛ إن الخطأ الأساسى هو النظر إلى لبنان فقط من منظور عسكرى، فالأمر لا يتعلق فقط بعدد منصات الإطلاق التى دُمّرت، أو أين يتواجد عناصر قوة «الرضوان»، أو كم كيلومترًا ابتعدوا عن الحدود، المشكلة فى لبنان ديموغرافية وجغرافية وسياسية ومدنية أيضًا. التهديد الذى سيعود إلى داخل المخازن الخاصة والبيوت فى القرى.


• • •
طوال أعوام، شهد الجنوب اللبنانى عملية متواصلة من «التشيّع» على خط المواجهة مع إسرائيل. لقد عززت الطائفة الشيعية قبضتها على منطقة الحدود، واشتدت هذه العملية بشكل خاص خلال سنوات «الربيع العربى»، وخلال الحرب ضد تنظيم داعش، كجزء من الاستراتيجيا الإقليمية لقاسم سليمانى؛ وفى موازاة إضعاف السكان السّنة فى مناطق حدودية عديدة وتهجيرهم، دخل الشيعة إلى مناطق مفصلية، بما فى ذلك منطقة سورية ــ لبنان ومناطق الحدود.


إن دلالة هذا المسار بسيطة وقاسية فى آنٍ معًا، وهى أن الجنوب اللبنانى اليوم ليس مجرد منطقة يعمل فيها حزب الله، بل هو فضاء جرى فيه، على مدى الزمن، بناء بيئة حياة ودعم وإخفاء واحتضان تتيح له الحفاظ على قوته. ربما لا ينطبق ذلك بالقدر نفسه على كل مواطن وكل قرية، لكن مَن يرفض فهم الصلة الوثيقة بين البنية الديموغرافية للجنوب والبنية التحتية التى يستند إليها حزب الله، فإنه يرفض فهم عُمق المشكلة. وهذا هو بالضبط السبب فى أن اتفاقات من هذا النوع لا تغيّر أسس الواقع. وفقًا للقانون الدولى، لا يمكن منع سكان الجنوب اللبنانى من العودة إلى قراهم، والعالم لن يقبل خطوة كهذه، لكن المعنى العملى واضح: سيعود السكان، ومعهم ستعود أيضًا، وبالتدريج، الظروف التى تسمح بإعادة بناء التهديد.


لا حاجة إلى قواعد صواريخ كبيرة على السياج لإعادة الخطر إلى الشمال؛ يكفى أن تتحرك وسائل قتالية ضمن الحياة المدنية اليومية؛ يكفى أن يتحول مستودع خاص فى قرية إلى مخزن طوارئ مرة أُخرى؛ يكفى أن ينقل شخص واحد، ويخزّن آخر، ويُخفى ثالث، ويُشغّل رابع. مَن الذى سيوقف ذلك فى المدى الطويل؟ مَن سيراقب كل مستودع، وكل شاحنة، وكل بيت، وكل طريق ترابية؟ حتى لو وُجد قدر معيّن من حُسن النية لدى الجيش اللبنانى، فلا توجد طريقة عملية لمنع عملية كهذه على مدى أعوام؛ لذلك، المشكلة فى لبنان هى مشكلة وقت؛ عام، عامان، خمسة أعوام، والروتين يفعل فعله؛ التهديد يعود، وربما ليس بالشكل نفسه، وربما ليس بالحجم نفسه، لكنه يعود، وهذا بالضبط ما يفهمه سكان الشمال جيدًا، حتى من دون استخدام مصطلحات استراتيجية.


وما لا يقلّ أهمية عن ذلك أن حزب الله يحتاج إلى هذه التهدئة، ليس فقط لإعادة التنظيم، وترميم البنية التحتية، والتسلح، بل يحتاج إليها أيضًا لكى نعود نحن، ونعيد الإعمار، ونبنى من جديد، ونتعوّد مرة أُخرى على جمال الهدوء، وعلى البيت، وعلى الحياة اليومية، وعلى الشعور بالأمان؛ فمن وجهة نظره، هذا أيضًا جزء من المنطق: الانتظار حتى يمتلئ الشمال بالحياة مجددًا، ثم العودة إلى تقويضها. وهكذا يكون الثمن الذى يمكن أن يفرضه علينا أثقل، ليس فقط من حيث الضرر المادى، بل أيضًا من حيث الأثر النفسى والمعنوى، فالتهدئة تخدمه أيضًا فى التحضير لضربة مستقبلية أشد، وهذا لا ينطبق فقط على إطلاق النار المباشر، بل أيضًا ــ وربما بشكل أساسى ــ على النيران غير المباشرة. ولإعادة تهديد كبير لإسرائيل، لا حاجة إلى انتشار كثيف مباشرةً على خط الحدود، بل إن الصواريخ والطائرات المسيّرة ووسائل النيران الأُخرى يمكن أن تعمل أيضًا من شمال نهر الليطانى، من مسافات تصل إلى عشرات الكيلومترات؛ لذلك، فإن مجرد الابتعاد عن الحدود، على الرغم من أهميته على المستوى التكتيكى، لا يُعتبر حلًا استراتيجيًا.


إذا كان هناك درس واحد يجب أن يرافقنا منذ 7 أكتوبر، فهو أن المنطقة العازلة يمكن أن تؤخر التهديد، لكنها لا تستطيع تفكيكه، فمَن يريد أمنًا طويل الأمد، عليه أن يعمل ضد القوة التى تُبنى فى العمق. ومن هذا المنطلق، فإن الاحتكاك المستمر على حدود إسرائيل يخدم أعداءها أحيانًا؛ إذ يجذب انتباهنا إلى الحافة، بينما فى العمق، يُعاد بناء الخطر الحقيقى. هذا ما يحدث فى لبنان داخل دولة ضعيفة، مخترقة، وفى كثير من النواحى، أسيرة للقوة التى استولت عليها من الداخل. لا يجوز لإسرائيل أن تعتمد على مَن لا يملك القدرة، أو الإرادة


• • •
من هنا، تنبع أيضًا الخلاصة الثانية: لا يجب التعويل على الجيش اللبنانى كحلّ، فالاستعداد الذى تُبديه الحكومة اللبنانية اليوم أمر إيجابى، لكن يجب النظر إليه بصدق، لأنه ينبع بدرجة أكبر من الضعف والضغط واليأس، وليس من موقع قوة. لا تمتلك الحكومة اللبنانية قدرة حقيقية على نزع سلاح حزب الله فى المدى الطويل، ولا يوجد يقين بأن الجيش اللبنانى سيتمكن، أو يرغب فى خوض مواجهة عميقة ومستمرة معه؛ علاوةً على ذلك، لا يجب الوقوع فى الوهم المعاكس وتعزيز الجيش اللبنانى بشكل مفرط؛ فى الشرق الأوسط، لا تبقى الأسلحة دائمًا فى أيدى مَن حصل عليها؛ فالدول تنهار، والأنظمة تتغير، والجيوش تبدّل ولاءاتها، وما يُعزَّز اليوم باسم الاستقرار ربما يُوجَّه ضدنا غدًا.


صحيح أن حزب الله ضعف كثيرًا، وتلقّى ضربة قاسية، وتضرّر بُعده الاقتصادى؛ فصعوبات التمويل ودفع الرواتب مؤشر مهم إلى التآكل الداخلى، لكن الضعف لا يعنى فقدان القدرة، فحتى لو كان متضررًا، فإنه لا يزال عدوًا خطِرًا يمتلك قدرات يمكن أن تُلحق ضررًا كبيرًا بإسرائيل إذا أُتيحت له الفرصة لإعادة بناء نفسه. ولهذا تحديدًا، يجب النظر إلى الفترة الحالية على أنها نافذة فرصة لمواصلة استنزافه: ضرب البنى التحتية ومسارات التهريب والتمويل والتسلح، والعلاقات بينه وبين إيران.


فى نهاية المطاف، إذا كانت هذه هى صورة الوضع فعلًا، فالمحصلة هى أنه لا يوجد حلّ سحرى فى لبنان، وبالتالى لن يكون هناك خطوة واحدة تزيل التهديد؛ التحدى الحقيقى هو إدارة المخاطر فى المدى الطويل، عبر مزيج من خطوات عديدة، يعتمد كلٌّ منها على الآخر.


على الصعيد العسكرى، هذا يعنى إقامة حيّز أمنى واسع، مع وجودٍ ثابت ومتحرك للجيش الإسرائيلى، إلى جانب حملة متواصلة ضد بناء قوة حزب الله فى العمق، من دون العودة إلى سياسة الاحتواء التى سادت فى الأعوام السابقة. يجب عدم الانتظار حتى ينضج التهديد مجددًا، بل ضربه بشكل منهجى منذ مرحلة التشكّل. على الصعيد السياسى، ينبغى لإسرائيل تعميق العلاقة بالحكومة اللبنانية ومحاولة الدفع بترتيبات عملية معها، لكن من دون أوهام ــ ليس انطلاقًا من الاعتقاد أنها ستحلّ المشكلة وحدها، بل لتمكينها من تعزيز قوتها سياسيًا والاستفادة من الواقع الجديد. وفى موازاة ذلك، يجب إشراك الدول الأوروبية فى الضغط على بيروت لتتحمّل مسئولياتها داخل أراضيها.


على الصعيدين الاقتصادى والقانونى، هناك حاجة إلى حملة أكثر شراسةً ضد أموال «الإرهاب»، وضد قنوات التمويل، وضد مؤسسات، مثل «القرض الحسن»، التى تمكّن حزب الله من الاستمرار وإعادة بناء نفسه وتعزيز قوته. من دون إلحاق ضررٍ مستمر بمصادر التمويل، فحتى الإنجازات العسكرية تتآكل بمرور الوقت.


• • •
علاوةً على هذا كله، يجب القول بصراحة إن الساحة اللبنانية لا تقف معتمدةً على نفسها، ففى كثير من النواحى، يمرّ التأثير فى لبنان أيضًا عبر طهران؛ مَن يريد تقليص الخطر من الشمال، لا يمكنه الاكتفاء بما يحدث فى بيروت، أو جنوب نهر الليطانى؛ للسيطرة على الساحة اللبنانية بشكل أفضل، يجب الاستمرار فى استهداف مركز الثقل الإيرانى الذى يموّل حزب الله ويوجّهه ويدعمه.


لا يوجد هنا حلّ كامل، وما يوجد هو سياسة أكثر جديةً لإدارة المخاطر: مزيج من الحضور العسكرى، والضغط المستمر على بناء القوة، والتعزيز المدروس للمسار السياسى، وضرب اقتصادى وقانونى للآليات التى تُبقى حزب الله حيًا؛ هذا لن يزيل المشكلة، لكنه يمكن أن يقلّصها ويؤخرها، ويمنعها من العودة مرة أُخرى إلى ذلك الواقع المألوف والخطِر.

 

إيال تسير كوهين
قناة N12
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved