فى جامعة دار السلام.. اشتراكية نيريرى ما زالت حاضرة

عبير ربيع
عبير ربيع

آخر تحديث: الأحد 17 مايو 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

مرّ عام على زيارتى لجامعة دار السلام فى تنزانيا، تلك الجامعة التى تمنيت الانخراط فى أىٍّ من برامجها، تأثرًا بحكى أستاذى الراحل حلمى شعراوى عنها، بكونها مركزًا للجيل الثانى من المفكرين المناضلين الأفارقة بعد موجة الاستقلال فى ستينيات القرن العشرين. ففى مايو 2025 أقام مجلس تنمية البحوث الاجتماعية فى أفريقيا (CODESRIA) مؤتمرًا علميًا عن الحرية الأكاديمية الأفريقية لمراجعة «إعلان كمبالا عن الحرية الفكرية والمسئولية الاجتماعية» الصادر عام 1990. وتأكيدًا على رمزية هذه الجامعة فى مسيرة التحرر الأفريقى، عُقد المؤتمر داخل الجامعة التى يمتد حرمها على مساحات شاسعة، تكسوها مسطحات خضراء كثيفة الأشجار، وكذلك الجداول المائية، حتى تشعر كأنك فى محمية طبيعية تتناثر فى أرجائها مبانى الكليات وقاعات المؤتمرات وسكن الطلبة أيضًا.

بدأت جامعة دار السلام بكلية الحقوق التابعة لجامعة لندن عام 1961، وذلك قبل شهرين من استقلال تنجانيقا فى ديسمبر من العام نفسه، ثم أصبحت جزءًا من جامعة شرق أفريقيا عام 1963 بجانب كينيا وأوغندا، قبل إعلان اتحاد تنجانيقا وزنجبار وقيام دولة تنزانيا فى إبريل 1964. وأصبحت جامعة دار السلام جامعةً مستقلة فى 1970، وهو العقد الذى شهد مرحلة دقيقة اختُبرت فيها تصورات بناء الدولة القومية لدى قادة التحرر الوطنى. فبرزت الجامعة كمساحة تحررية للنقاش والنقد، ومنطلقًا لصياغة تصورات بديلة لمستقبل القارة.

يُعرف الحرم الرئيسى للجامعة باسم «حرم جوليوس نيريرى»، قائد الاستقلال الذى ربط أراضى تنجانيقا بجزيرة زنجبار، مؤسسًا بذلك دولة تنزانيا التى نعرفها الآن. ولم تقتصر رؤية نيريرى على تحقيق الوحدة الإقليمية فحسب، بل امتدت إلى بلورة مفهوم الاشتراكية الأفريقية فى وقت اشتد فيه الصراع الفكرى والسياسى بين المعسكرين الغربى والشرقى. وفى هذا السياق، تُفسر الأستاذة الدكتورة حورية مجاهد - إحدى رائدات الدراسات الأفريقية فى مصر - كيف أن الاشتراكية الأفريقية هى فى جوهرها «اشتراكيات أفريقية» تعكس السياسات المتنوعة لقادة التحرر وقت الاستقلال، وأن ما يميز طرح نيريرى هو اعتماده على الثقافة الأفريقية كمكوّن أساسى فى الاشتراكية؛ حيث وظّف مقومات «الجماعية التقليدية» المتمثلة فى العائلة الممتدة، وشيوعية الملكية، والعمل الجماعى، والقيم الروحية، كقوى محركة للتعبئة الجماهيرية نحو الاشتراكية الأفريقية.

لقد جعلت رؤية نيريرى للاشتراكية الأفريقية – التى ركزت على العوامل غير المادية ولم تقطع الصلة مع القيم والممارسات المجتمعية – منه رمزًا وطنيًا وشعبيًا إلى الآن، رغم مرور أكثر من ربع قرن على رحيله. وينعكس ذلك فى انتشار صوره فى الأماكن المختلفة. صحيح أن انتشار صور قادة التحرر يتكرر فى الكثير من الدول، وقد عرفته مصر؛ حيث لم تكن صورة جمال عبد الناصر تقتصر على المؤسسات الرسمية بل وُجدت فى البيوت أيضًا، ومع ذلك صار من النادر ملاحظة صورة ناصر اليوم لعوامل كثيرة، منها رحيل الجيل الذى عاصر فترة التحرر، بجانب التحولات السياسية ومآلاتها. ولكن فى تنزانيا لا تزال صورة نيريرى مرفوعة فى جميع الأماكن الرسمية، وفى المحلات والمطاعم بجانب صورة الرئيسة الحالية. وهكذا يظل نيريرى حاضرًا فى الحياة اليومية، وينظر إليه الجيل الحالى بوصفه رمزًا مؤثرًا.

 

داخل جامعة دار السلام

لم تُمحَ آثار الاشتراكية من الجامعة رغم مرور أكثر من ستين عامًا على الاستقلال، ويمكن ملاحظة ذلك فى الاعتزاز باللغة السواحيلية والالتزام بالتحدث بها، مع دمج محدود للغة الإنجليزية فى مجتمع الطلبة. فالتدريس والكتب الدراسية لا تزال تعتمد على السواحيلية كلغة أساسية، كما أن الطلبة ما زالوا يتواصلون بها، ولهذا وجدت صعوبة فى الدردشة معهم أو حتى فى التعامل داخل أماكن البيع فى الحرم الجامعى.

ونمط الحياة اليومية فى الجامعة يغلب عليه الطابع الجماعى والروح غير الاستهلاكية؛ فعلى سبيل المثال لا تزال أماكن تقديم الوجبات توجد فى ساحة مركزية بها صالة كبيرة تضم العديد من الطاولات الطويلة المنظمة بشكل يسمح بالمشاركة الجماعية لا الجلوس الفردي، مما يدفع الطلبة إلى مشاركة مائدة الطعام ذاتها. وتُعد الوجبات الساخنة هى الخيار الأساسى، وتُقدم بأسعار زهيدة فى أطباق وأدوات مائدة غير بلاستيكية من «الستانلس ستيل» أو «الميلامين» المشابهة لتلك المستخدمة فى المنازل. ولا تنتشر سندوتشات «التيك أواى»، وتحل محلها أكشاك صغيرة تديرها سيدات يقدمن الشاى الأفريقى والمخبوزات المحلية (الشاباتى والسمبوسة)، فى مشهد يستحضر «ستات الشاى» فى الخرطوم. صحيح أن وضع البنية التحتية داخل الجامعة ليس فى أفضل حالاته، ولكن لا يزال نمط التعايش داخل الجامعة يُرسخ قيم الممارسات الجماعية.

تحمل القاعة الرئيسية للمؤتمرات فى الجامعة اسم الزعيم الغانى نكروما؛ فى تأكيد واضح على الروابط الوثيقة التى جمعت قادة التحرر الأفريقي، وهو ما يدفع إلى استمرار سيرة النضال فى عقول طلبة الجامعة، خاصة أن جامعة دار السلام فى فترة السبعينيات والثمانينيات كانت حاضنة لقادة حراك الموجة الثانية من الانتفاضات الشعبية فى العديد من دول القارة بعد تعثر وعود ما بعد الاستقلال. ففى رحاب هذه الجامعة طوّر المفكر والتر رودنى كتابه الأيقونى فى نقد الاستعمار «أوروبا والتخلف فى أفريقيا»، الذى يوضح بالتفصيل كيف أن الحضارات الأفريقية والنظم الاقتصادية قبل الاستعمار لم تكن لتقود إلى تخلف القارة، بل إن الاستعمار وسياساته هما اللذان تسببا فى ذلك. فلك أن تتخيل النقاشات النقدية لهؤلاء المفكرين المناضلين وهم يسيرون بين تلك الأشجار ويجتمعون ويحاضرون فى تلك المبانى، ثم تصدر الجامعة هذه الآراء النقدية فى دوريات وكتب صاغت ما يُعرف بـ«مدرسة دار السلام الفكرية الراديكالية».

وعلى الرغم من ذلك الإرث الفكرى لجامعة دار السلام، إلا أن المشهد فى إحدى منافذ بيع الكتب داخل الحرم الجامعى يبدو مغايرًا؛ حيث تتصدر الواجهة كتب السير الذاتية الحديثة. وعند استفسارى من القائمين على المكتبة عن دافع عرض السير الذاتية لحكام دولة الإمارات بجانب شخصيات مثل «إيلون ماسك»، أوضحوا أن الطلبة يبحثون دائمًا عن النماذج الملهمة، بجانب تطلع الكثير منهم إلى الإمارات كوجهة محتملة للعمل فى المستقبل.

تُعد العلاقة بين نيريرى والصين أساسية فى تاريخ تنزانيا، وعادة ما تتم الإشارة إلى أن الزى الذى كان يرتديه نيريرى مستوحى من الزى الصينى، تأثرًا بالزعيم الصينى «ماو تسى تونج»، خاصة فى نموذج الاشتراكية القائم على الفلاحين والزراعة بدلًا من النموذج المستند إلى العمال والمصنع. ولا تزال الصين حاضرة فى الدولة كما هو الحال فى الكثير من الدول الأفريقية؛ فداخل الحرم الجامعى أقامت الوكالة الصينية المبنى الجديد للمكتبة الرئيسية للجامعة فى شكل معمارى لافت يعلوه شعار «المساعدات الصينية»، مما يعكس نمطًا مختلفًا عن تلك العلاقة وقت الاستقلال.

إن الجامعات مساحات تتجلى فيها التناقضات الجيلية والاقتصادية والسياسية، وفى جامعة دار السلام لا يزال المكوّن الاشتراكى كما صاغه جوليوس نيريرى حاضرًا، ولعل استمراره هو ما يخفف من حدة التناقضات التى تشهدها الجامعات العريقة الأخرى فى القارة!

شكرًا للدكتور Chambi Chachage والطالب Aeshi Hussein Mashaka على الجولة فى الحرم الجامعى.

 

مدرس مساعد بقسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة - طالبة دكتوراه بجامعة ليدن، هولندا.

 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved