الشرخ بين الأحزاب الحريدية واليمين بقيادة نتنياهو عميق وحقيقى

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الجمعة 15 مايو 2026 - 6:10 م بتوقيت القاهرة

لنبدأ من النهاية؛ خلافا للتحليلات والتقديرات المتعددة المنتشرة فى هذه الأيام على الساحة السياسية، وفى الإعلام، فإن الأزمة بين الأحزاب الحريدية ومعسكر اليمين بقيادة نتنياهو عميقة وحقيقية. ومثلما قال الزعيم المسن الحاخام دوف لاندو: «لم يعد لدينا ثقة برئيس الحكومة. لم نعد نشعر بأننا شركاؤه، ولسنا ملزمين تجاهه. كل الحديث عن الكتلة لم يعد قائما».


يكمن خلف هذا الشرخ غير المسبوق إحباط عميق فى الشارع الحريدى إزاء ما ينظر إليه هناك باعتباره الحاجة الوجودية الأكثر إلحاحا: استمرار وجود عالم المعاهد الدينية (اليشيفوت) بصيغته التقليدية القديمة، تلك التى تسمح لكل طالب توراة حقيقى بالبقاء فى المعهد والانشغال بدراسته التلمودية؛ هذا هو الإيمان الأعمق والأكثر تجذرا فى الفكر الحريدى.


لقد نظمت قدرة الشبان الحريديم على دراسة التوراة فى دولة اليهود قانونيا طوال عقود، إلى أن جاءت المحكمة العليا وأبطلت ذلك. ومن دون تسوية قانونية لهذه القضية، لا يكاد يكون هناك مبرر لوجود الأحزاب الحريدية أصلا.


نتنياهو يفهم ذلك، وكذلك فهمه معسكر اليسار أكثر من مرة، حين طرح على الحريديم فى محطات سياسية عديدة إعفاء كامل وشامل لجميع طلاب المعاهد الدينية من التجنيد، فى مقابل الانضمام إلى ائتلاف وسط - يسار، لكن الشارع الحريدى شعر فى الأعوام الأخيرة بأنه متماهٍ مع نتنياهو، لذلك طالب بالشراكة مع المعسكر الذى يقوده، ومن هنا نشأت «الكتلة» التى أُقيمت فى بداية جولات الانتخابات الخمس المتتالية، والتى كان من مهندسيها موتى بابتشيك ورؤساء الأحزاب الحريدية؛ غير أن هذه الكتلة اتضح فى الأعوام الأخيرة أنها أحادية الجانب.


فقط الآن، بعد أربعة أعوام من المماطلة المعتادة عبر ذرائع عديدة، وعندما أصبحت الانتخابات تلاحقه، نظر نتنياهو مباشرة إلى شركائه الحريديم، ربما كخطوة ضمن حملة انتخابية، وقال بصوت عالٍ ما كان الجميع يعرفه همسا: «ليس لدىّ رغبة فى الدفع بالقانون قدما».
إن تفكك هذا التحالف ليس أمرا سهلا بالنسبة إلى الجمهور الحريدى، فالجيل الحريدى الشاب، فى معظمه، يتماهى مع رئيس الحكومة، ولذلك يعد هذا تطورا بعيد المدى، وانكشف نتنياهو كشخص استنزف الشراكة الائتلافية حتى نهايتها، فاستغل ولاء الأحزاب الحريدية القائلة إنه «ليس لديها من تتوجه إليه» من أجل الحفاظ على ائتلاف يعمل فى اتجاه واحد: الأحزاب الحريدية كانت شبكة الأمان للحكومة، لكن مطلبها بتسوية قانون التجنيد لم يتحقق، ويبدو كأنه لم يكن هناك نية حقيقية لتحقيقه أصلا.

 


على الصعيد السياسى، يعتقد نتنياهو أن إسقاط الحكومة، على خلفية قانون التجنيد، تطور جيد بالنسبة إليه، والرسالة الضمنية هى: أنا لم أخضع للحريديم، ولذلك يا معسكر التغيير، توقفوا عن حملة التجنيد، ومن وجهة نظره، فإن ثمن الأزمة مقبول، بل ربما يكون مثاليا، إذ سيتم تقديم موعد الانتخابات مدة شهرين، أو ثلاثة على الأكثر، عن الموعد الأصلى، مع التخلص من حملة «التهرب من الخدمة».


لكن رئيس الحكومة أخطأ مرتين: المرة الأولى، لأن خصومه لن يتوقفوا عن مهاجمته بسبب قضية التجنيد، بل على العكس، فعلى الأرجح أنهم سيطلقون حملة جديدة تقول إن نتنياهو وعد الحريديم بالإعفاء من التجنيد بعد الانتخابات مباشرة. صوتوا لنا لكى نمنع ذلك. أما الخطأ الثانى، فهو أن الأزمة، ورسالة القيادة الحريدية، والعناوين التى تتحدث عن تفكك المعسكر، أمور كلها تشكل دفعة هائلة لمعسكر معارضى نتنياهو؛ فهذا المعسكر سيندفع مجددا وينظم قواه كلها ضمن ما يبدو كأنه زخم لا يجوز تفويته؛ لذلك، هذه الغلطة الهائلة من نتنياهو تعكس قصر نظرٍ مقلقا.


أكتب هذه السطور من بوينس آيرس، حيث أقوم بمهمة صحفية لتغطية رحلة قادة روحيين ورؤساء معاهد دينية حريدية لجمع تبرعات بديلة لعالم التوراة، بعد أن أوقفت المحكمة العليا تمويل الدولة؛ وفى شارع الإكوادور فى بوينس آيرس، تجمع الآلاف من أبناء الجالية الحريدية، وهم يهتفون للقادة المسنين الذين جاءوا لضمان ازدهار المعاهد الدينية. وأُقيمت فى بداية الأسبوع فعاليات مشابهة فى ساو باولو، ومن المتوقع أن تستمر الجولة. إن هذا الشعور بالطوارئ، وإن كان مفيدا لجمع الأموال البديلة، لكنه حقيقى، ويشمل العالم الحريدى الدولى بأسره. ويمكن أيضا العثور عليه فى الرسالة المكتوبة بخط يد الزعيم الدينى دوف لاندو، وفى كلماته الواضحة التى أعلن فيها فقدانه الثقة بنتنياهو.


آرييه أرليخ
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved