مجلس شورى النواب .. وسُخرة المصريين
سمير عمر
آخر تحديث:
الأحد 14 يونيو 2026 - 6:20 م
بتوقيت القاهرة
فى السابع والعشرين من نوفمبر سنة 1866 اجتمع أعضاء مجلس شورى النواب فى مصر داخل مقر المجلس بالقلعة، وباشروا أعمالهم بانتخاب لجان المجلس الخمس طبقا لما تقضى به المدة الثامنة من اللائحة النظامية.
ووزع الأعضاء أنفسهم وكان عددهم خمسة وسبعين عضوا على اللجان بواقع خمسة عشر عضوا بكل لجنة، ليبدأ المجلس بعدها أعماله.
لكن ما هى هذه الأعمال التى كان ينبغى على الأعضاء فى ذلك الوقت ممارستها؟
يقول الأستاذ عبد الرحمن الرافعى فى الجزء الثانى من كتابه الوثيقة «عصر إسماعيل»:
«كان للمجلس أن يتداول فيما تعرضه عليه الحكومة من الشئون ويبدى رأيه فيها، وكان له كذلك أن يتداول فى الاقتراحات التى يقدمها أحد الأعضاء».
وكان أول المقترحات التى تقدم بها الأعضاء ما تقدم به هلال بك سيد وكان أحد نواب الدقهلية، وكان موضوعه: بحث مسألة «السُخرة» والسخرة هى العمل بدون أجر محدد أو حتى بدون أجر وفى ظل ظروف عمل قاسية، واقترح هلال بك وضع نظام يخخف من وطأة السُخرة.
فتداول الأعضاء هذه المسألة فى عدة جلسات، ثم أحيلت على لجنة سميت «لجنة العمليات» ومؤلفة من خمسة أعضاء، وهم محمد بك سعيد، حسن أفندى شعراوى، يوسف محمد، أحمد الشريف، الشيخ محمد الصيرفى، وقد بحثت اللجنة هذه المسألة واشترك فى البحث اسماعيل بك صديق وسلامة بك إبراهيم، وثاقب باشا، وعلى بك مبارك.
وبعد المداولات قدمت اللجنة تقريرا مطولا كانت خلاصته كما يقول عبد الرحمن الرافعى على النحو التالى:
كان تنظيم أعمال السُخرة على أساس اعتبارها من المنافع العامة، وأنها مفروضة على من تتراوح أعمارهم بين 15 و50 سنة من أهل البلاد التى تستفيد من أعمال السُخرة، وجعلها مبنية على قاعدة المساواة بين الأهالى، «والمساواة فى الظلم عدل» كما قال تقرير اللجنة.
ووافق المجلس على تقرير اللجنة، الذى يرسخ العمل بالسُخرة بل وطلب الأعضاء عمل إحصاء للأنفس طبقا لهذه القاعدة أى قاعدة «المساواة فى الظلم عدل» حتى يؤخذ الأنفار للسخرة بالدور.
هذه الواقعة تعكس الارتباط الوثيق بين التطور الاقتصادى والاجتماعى للمجتمع المصرى من ناحية والتطور السياسى من ناحية أخرى، فإذا كان مجلس شورى النواب هو أول مجلس نيابى بالمفهوم الغربى تعرفه مصر، فإنه كان انعكاسا طبيعيا للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فى البلاد وقت إنشائه.
وما فعله النواب فى قضية السُخرة ليس سوى نموذج كاشف لطبيعة المرحلة التى لم تبدأ عند مناقشة الاقتراح المقدم من «هلال بك السيد» بل سبقته بعقود عندما بدأ محمد على تأسيس مصر الحديثة بعد أن تخلص من نفوذ المماليك، وعوضا عن الاعتماد على المماليك فى تسيير شئون المالية العامة للدولة، كرس محمد على نظام الاحتكار ليس فيما يتعلق بنظام ملكية الأراضى الزراعية وحسب بل احتكار السلطة والثروة وتركيزها فى يده هو ورجال عصره، ليعيد تكريس فكرة الدولة المركزية واعتماد نظام الحكم على رأس الدولة، وهذا وإن كان ظهر بوضوح فى عهد محمد على إلا أن جذوره تمتد لتاريخ مصر القديم حيث كان الحاكم يهيمن على كامل تفاصيل المشهد، ويحاط فى أغلب الأحيان بقداسة لا ينازعه فيها أحد، ومن خلال رأس الدولة يعاد تقسيم الأدوار وتوزيع الثروة، وهذا ما حدث تماما فى عهد محمد على.
ثم بدأت دائرة النفوذ فى الاتساع لتضم عددا من الأعيان وملاك الأراضى الزراعية وهؤلاء بدورهم هم من كانوا أصحاب النصيب الأكبر من فرص الارتقاء الاجتماعى ومن ثم التأثير السياسى، ومن هذه الطبقة التى اتسعت حتى عصر إسماعيل تشكل أول مجلس نيابى عرفته مصر سنة 1866.
صحيح أن هذا المجلس شهد العديد من المواقف التى حاول فيها الأعضاء ممارسة أعمالهم النيابية على النمط الغربى، وصحيح أيضا أنهم شكلوا نواة العمل السياسى التى تفاعلت مع التطور الاقتصادى والاجتماعى الذى شهدته مصر لاحقا.
لكنهم كانوا فى النهاية يعبرون عن شبكة المصالح الاقتصادية، والانتماءات الطبقية والخلفيات الاجتماعية، التى ينتمون إليها، وهكذا هو حال المجالس النيابية التى شهدتها مصر فيما بعد، حتى جاءت ثورة يوليو لتعيد تشكيل المشهد برمته وتضع قواعد جديدة للحراك الاجتماعى الذى انعكس بدوره على تشكيلة برلمانات ما بعد يوليو وحتى ظهور تجربة التعددية الحزبية الثانية فى عام 1976.