احذروا من الدجل الطبى والدجالين

سامح مرقص
سامح مرقص

آخر تحديث: الخميس 14 مايو 2026 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

يروج الدجل الطبى لممارسات وعلاجات زائفة، واعدًا بشفاء سريع وكامل لأمراض خطيرة دون أى دليل علمى. ويعتمد انتشاره على خوف المرضى ويأسهم، لا سيما أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة أو خطيرة، ورغبتهم فى حلول سريعة، وتقبّلهم بثقة عالية لعلاجات ذات غلاف دينى.

يشمل الدجل الطبى علاجات الأعشاب، ووصف أدوية غير مرخصة لإنقاص الوزن أو تقوية المناعة، واستخدام زيوت أو مياه مقدسة لعلاج جميع الأمراض، وتقديم نصائح غذائية قد تُسبب مشكلات صحية. وأخطر أنواع الدجل هو إيقاف الأدوية العلاجية المهمة بحجة تنظيف الجسم من السموم، مما يؤدى إلى مضاعفات طبية خطيرة ووفاة المريض.

من بين الادعاءات الغريبة فى الدجل الطبى، التى لفتت انتباهى، أن تناول الدجاج يسبب السرطان، وأن البيض يسبب التهاب الجيوب الأنفية، دون تقديم أى تفسير علمى كامل.

قررت الرد على هذه الادعاءات بدافع الحرص على المصلحة العامة، وخوفًا من أن يتجنب الناس تناول الأطعمة ذات القيمة الغذائية العالية.

أكدت معظم الدراسات العلمية عدم وجود دليل قاطع على وجود علاقة سببية مباشرة بين تناول الدجاج والإصابة بالسرطان. وتعانى مزاعم دراسة إيطالية حديثة تربط بين تناول الدواجن أسبوعيًا وسرطانات الجهاز الهضمى من عدة عيوب، منها عدم ذكر طرق الطهى، وعدم التمييز بين الدجاج المصنّع والطازج، وعدم قياس عوامل نمط الحياة الأخرى.

يكمن الخطر الحقيقى فى طرق الطهى، كالشواء والقلى، التى تُنتج مواد محترقة ضارة، وتُصاحب جميع أنواع اللحوم، وليس الدجاج فقط. فتناول هذه المواد المحترقة المصاحبة لشواء وقلى جميع أنواع اللحوم بكميات كبيرة وبصفة مستمرة قد يسبب سرطانًا فى الجهاز الهضمى.

ويشير بعض الباحثين إلى أن تغذية الدواجن بالهرمونات أو الأدوية قد تسبب مشكلات صحية، ولكن هذا لم يثبت بعد.

أما بالنسبة إلى الادعاء بأن البيض يسبب التهاب الجيوب الأنفية، فهذا غير صحيح تمامًا، ولا يوجد دليل علمى يدعمه.

وعند التعليق على المنتجات الغذائية ذات الأهمية التجارية، من الضرورى توضيح مصدر المعلومات وعدم وجود تضارب فى المصالح. أما بخصوص تعليقاتى حول تناول الدجاج والبيض، فإن المعلومات مستقاة من مصادر علمية موثوقة، وليس لدى أى مصلحة شخصية فى تجارة الدواجن أو البيض.

هناك نقطة مهمة أخرى، وهى أن من سمات الدجالين ادعاء الخبرة الطبية دون مؤهلات، أو استخدام لقب «دكتور» دون شهادة. وهذا نادر الحدوث فى الدول المتقدمة، حيث توجد مؤسسات مسئولة عن حماية المرضى، مثل المجلس الطبى العام، الذى يضع القوانين واللوائح المتعلقة بحق ممارسة الطب. ويجب على جميع الأطباء الالتزام بقيم ومبادئ هذا المجلس، وكذلك قسم أبقراط، الذى ينص على «مراعاة مصالح المرضى، وتقديم إنقاذ حياتهم على أى أولويات أخرى، والالتزام بالأخلاقيات والمحافظة على شرف المهنة، والالتزام بحدود الخبرة والقدرة، وعدم الإقدام على المغامرات غير المحسوبة، ويتمثل ذلك فى التشجيع على تحويل الحالات إلى الأكثر اختصاصًا».

يدعى الدجالون امتلاكهم قدرات خاصة والحقيقة المطلقة، وأن لديهم رسالة عظيمة لإنقاذ البشرية، ويروجون لعلاجاتهم من خلال قصص وتجارب شخصية تحت ستار دينى بدلًا من الأدلة العلمية. كما يستخدمون طريقة واحدة لعلاج جميع الأمراض، ويقللون من شأن الطب الحديث، ويقدمون علاجات لأمراض ليس لها علاج معروف، مثل العلاج النهائى للسرطان أو العلاج الكامل للإيدز.

ويتعامل الدجالون مع الناس بثقة مفرطة، ولا يعترفون بأخطائهم أو نقص معرفتهم، ويتجنبون المناقشات العلمية، ويعتبرون أى نقد مؤامرة، ويبثّون الأمل الكاذب من خلال قصص مؤثرة ذات طابع دينى، ويعتمدون على لغة درامية لجذب الجمهور، ويحبون الظهور المتكرر فى وسائل الإعلام.

إن أخطر نصيحة يقدمها هؤلاء الدجالون، بجرأة مذهلة، هى التوقف عن تناول الأدوية والاعتماد كليًا على النظام الغذائى، مدّعين أنهم هدف لمؤامرات من قبل شركات الأدوية بسبب نهجهم الخالى من الأدوية فى العلاج.

واختُتم المقال بمقتطفات من مقال أعجبنى للأستاذة ابتهال عبدالوهاب بعنوان: «حين تنتصر الخرافة على العقل: تأملات فى الوعى الجمعى»، وأوضحت فيه أن المجتمع الذى يتقبل الدجل الطبى لا يثق فى المؤسسات الصحية، ويعانى من فجوة معرفية تجعله عرضة لتصديق المعلومات غير الدقيقة لأنها تبدو مطمئنة.

وتناول المقال أيضًا تداخل العلم مع الخرافات والدين والعادات، واستبدال اليقين العلمى براحة الوهم، وسهولة تستر الخرافات والشعوذة بالعلم، وأن استخدام لقب «دكتور» يضفى شرعية على الدجال.

كما كشف المقال عن دور وسائل الإعلام فى تقديم الدجل على أنه شجاعة فى مواجهة التيار السائد، بحيث يصبح رفض العلم فضيلة، والتفكير النقدى تعقيدًا لا داعى له.

استخدمت الأستاذة ابتهال مصطلح «قنديل أم هاشم» كرمز لدجل العادات الشعبية. إلا أن يحيى حقى، فى الواقع، لم يدافع عن العلم فى كتابه قنديل أم هاشم، بل تعاطف مع التقاليد الشعبية، وقدّم زيت القنديل كعلاج عجز الطب الحديث عن تحقيقه. وهذا يعكس تحيزًا فكريًا لدى الكاتب، لا يمتّ إلى الواقع العلمى بصلة.

لم تُخفِ الأستاذة ابتهال رفضها للدجل، وقالت دون مواربة إنه يجب التخلص من «قنديل أم هاشم» الذى لا يزال مشتعلًا فى الواقع المصرى، وإن السبيل الوحيد للتحرر من أسره هو استبداله بقنديل العلم لتبديد ظلام الخرافات ومنح العقل شجاعة الإبصار.

كما يوضح خالد منتصر فى كتاباته المستنيرة كيف يتحول المجتمع من البحث عن الحقيقة إلى استهلاك الوهم، رافضًا عبء التفكير النقدى، ومتقبلًا الوهم الذى يمنح اليقين دون عناء. ويصبح هذا المجتمع فريسة سهلة للدجالين الذين يقدمون حلولًا بسيطة متخفية فى ثوب دينى، لكنها ضارة بالصحة.

ختامًا، يجب حظر تدريس الممارسات الطبية التى تتعارض مع العلوم الطبية الحديثة وإعطاؤها شرعية أكاديمية. وينبغى على نقابة الأطباء ووزارة الصحة والسكان والمجلس الصحى المصرى والمجلس الأعلى للجامعات الوقوف بحزم ضد أى قرار قد يساعد على استمرار الدجل الطبى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved