كرة القدم والعلاقات الدولية
أحمد عبد ربه
آخر تحديث:
السبت 13 يونيو 2026 - 7:00 م
بتوقيت القاهرة
تعد الرياضة بشكل عام، وكرة القدم، لما تتمتع به من شعبية عالمية، بشكل خاص، من أهم الموضوعات التى تؤثر فى العلاقات الدولية والسياسة العالمية. ولذلك فإن الأحداث الرياضية الكبرى، مثل المونديال (كأس العالم لكرة القدم)، وكل من الأولمبياد الصيفى والشتوى، وغيرها من المسابقات الدولية والإقليمية، سواء على مستوى الفرق الرياضية أو المنتخبات القومية، تعد فرصة للكثير من الأنظمة السياسية ومنابرها الدبلوماسية والإعلامية من أجل إيصال الرسائل السياسية والدعاية القومية، فضلًا عن المكاسب الاقتصادية!
والحقيقة أن تأثير الرياضة فى العلاقات الدولية لم يحظ باهتمام أكاديمى واسع سوى فى العقد الأخير من الحرب الباردة، لكن تداخل السياسة مع الرياضة على الساحة العالمية يعود إلى ما يقرب من قرن ماض من الزمان. فعلى سبيل المثال، كانت أولمبياد برلين عام ١٩٣٦ عرضًا سياسيًا قبل أن تكون حدثًا رياضيًا. أرادت ألمانيا النازية استخدام الحدث لتقديم صورة تعبر عن قوتها وانضباطها. أما أولمبياد طوكيو عام ١٩٦٤، فكانت أول مناسبة للنظام السياسى اليابانى للظهور أمام العالم وجيرانه الآسيويين بوجه جديد، بدلًا من الوجه القبيح الذى ظهر به منذ بداية القرن العشرين، كما كانت مناسبة مهمة لإعادة بناء البنية التحتية وتحقيق التنمية الاقتصادية.
كذلك فإن كأس العالم لكرة القدم فى الأرجنتين عام ١٩٧٨ جرت فى ظل حكم عسكرى كان يحاول أن يغطى القمع بصورة وطنية احتفالية. وفى عام ٢٠١٠، أرادت جنوب أفريقيا أن تقول للعالم إنها خرجت من تاريخها الطويل فى الفصل العنصرى إلى مرحلة جديدة.
كذلك كانت كل من أولمبياد موسكو عام ١٩٨٠ ولوس أنجلوس عام ١٩٨٤ مناسبتين لتبادل الرسائل السياسية بين المعسكر الشرقى بقيادة الاتحاد السوفيتى، ونظيره الغربى بزعامة الولايات المتحدة، وسط حملة بيانات ومقاطعات تبادلها الطرفان. كما استغلت المعارضة الكورية أولمبياد سول عام ١٩٨٨ لإحراج النظام العسكرى أمام العالم، وكانت هذه المناسبة بداية حقيقية للتحول الديمقراطى فى كوريا الجنوبية! أما فى مونديال قطر عام ٢٠٢٢، فقد أرادت الدوحة أن تثبت أن الدولة الصغيرة، إذا امتلكت المال والطموح، يمكن أن تصبح مركزًا للحدث العالمى الأكبر فى اللعبة الأكثر شعبية، وحققت ذلك بالفعل. ومن المتوقع أن يكون مونديال السعودية عام ٢٠٣٤ مناسبة عالمية مهمة للنظام السياسى السعودى لإظهار الوجه الجديد للمملكة فى عهد ولى العهد محمد بن سلمان.
كل هذه الأمثلة، وغيرها الكثير، تعنى أن الرياضة فى العلاقات الدولية ليست ترفًا ولا ترفيهًا، بل هى جزء من القوة الناعمة فى السياسة الخارجية لأى نظام سياسى، يستطيع من خلالها إرسال رسائل سياسية ودعائية لدعم وجوده على المسرح العالمى. ومن هنا نرى الصراعات السياسية والإعلامية الكبيرة بين كثير من الدول على استضافة هذه الأحداث الرياضية الكبرى.
ولا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية تعرف جيدًا قيمة الصورة والدعاية، فجزء كبير من نفوذها فى العالم لم يأت من الجيوش والأساطيل والدولار فقط، بل من أدوات القوة الناعمة أيضًا: هوليوود، والجامعات، والموسيقى، والتكنولوجيا، والمدن الكبرى، والسياحة، واللغة الإنجليزية، وفكرة الحلم الأمريكى. وعبر هذه الأدوات مجتمعة، تمكنت واشنطن لعقود طويلة من أن تقدم نفسها كبلد مفتوح، ليبرالى، حر، متنوع، يستقبل الناس من كل مكان ويعيد تشكيلهم داخل بوتقة واحدة. ربما كان فى هذه الصورة الكثير من الاصطناع، لكنها كانت قوية ومؤثرة بلا شك.
• • •
لكن كأس العالم الحالى يضع هذه الصورة أمام اختبار صعب، لأن المشجعين لا يسافرون فقط لمشاهدة المباريات، بل أيضًا بغرض السياحة والتسوق والتقاط الصور للمنشآت الرياضية والخدمية والشوارع، والفنادق والمطاعم والمتنزهات. وقد أصبحت هذه الصور، مع رواج تطبيقات التواصل الاجتماعى، مصدرًا للهوية والفخر والمكانة الاجتماعية، كما يشعر المشجعون بأنهم جزء من هوية البلد المضيف، حتى لو كانت إقامتهم فيه ستستمر بضعة أيام فقط! لكن ماذا يحدث حين يصطدم هؤلاء المشجعون بحدود مغلقة وغير مرحبة بهم؟
على مدار الأشهر الماضية، رفضت السفارات والقنصليات الأمريكية الكثير من طلبات الحصول على التأشيرة بغرض مشاهدة بعض مباريات كأس العالم، رغم أن معظم هذه الطلبات قُدمت كاملة ومرفقًا بها الكثير من المستندات المطلوبة لإثبات العودة، مثل أوراق العمل والحسابات البنكية، وتذاكر المباريات المعتمدة من الاتحاد الدولى لكرة القدم (فيفا)! حدث هذا فى القاهرة وجوهانسبرج وأنقرة وساو باولو وبيونس آيرس وغيرها من عواصم الدول المشاركة فى البطولة. وقد قدم برنامج إخبارى أمريكى عدة حوارات مع جماهير غاضبة فى بيونس آيرس، عبروا فيها عن صدمتهم من التعامل والرفض غير المبرر، وخيبة أملهم لعدم القدرة على السفر رغم شراء تذاكر المباريات وحجز الإقامة مسبقًا.
الأمر لم يتوقف عند الجماهير، فعمليات المنع أو التعطيل عن الدخول، أو التعامل بغلاظة وبإجراءات مهينة، طالت اللاعبين والإداريين، بل والحكام المشاركين أيضًا! فالحكم الصومالى عمر عبد القادر كان من الأسماء المختارة للمشاركة فى كأس العالم. جاء الرجل من بلد لا يملك فى العادة حضورًا كبيرًا فى مثل هذه المناسبات، وكان يمكن أن تكون مشاركته تاريخية، وخصوصًا فى ظل تصنيفه الرفيع ضمن حكام القارة الإفريقية! حصل عمر على تأشيرة الدخول وجواز دبلوماسى من بلده لتسهيل الإجراءات فى المطار، وكان، أولا وأخيرًا، مرشحًا رسميًا من الجهة المنظمة للحدث، لكن ما إن وصل إلى مطار ميامى حتى مُنع من الدخول، من دون أسباب معلنة، سوى تعقيب من مصدر فى إدارة الهجرة ادعى أن المنع كان لأسباب أمنية من دون توضيح ماهيتها! ثم جاءت المفارقة حين قرر الاتحاد الأوروبى لكرة القدم اختيار عمر لإدارة كأس السوبر الأوروبى، الذى سيقام فى أغسطس من هذا العام، فى رسالة قوية ومحرجة ومقصودة إلى الاتحاد الدولى والولايات المتحدة.
ثم جاءت قصة بعثة السنغال لتزيد الطين بلة، حين انتشرت لقطات للاعبى المنتخب السنغالى وهم يخضعون لتفتيش أمنى على مدرج المطار قبل السفر من رالى فى نورث كارولاينا إلى سان أنطونيو فى تكساس. وأوضح الاتحاد السنغالى لاحقًا أن الأمر كان جزءًا من ترتيبات لوجستية لتسهيل السفر وتجنب المرور بالإجراءات العادية داخل الصالات. ربما كان هذا صحيحًا، وربما كان الإجراء قانونيًا، لكن الصور الذهنية لا تُبنى بواسطة التصريحات الرسمية فقط. فما رآه كثيرون لم يكن «تسهيلًا»، بل فريق إفريقى يقف على أرض المطار ليُفتش أمام الناس والكاميرات. وفى زمن الصور والفيديوهات القصيرة، لا ينتظر الجمهور البيانات التوضيحية، فالانطباعات تُرسم بمجرد وقوع الحدث!
ثم إن هناك جبريل الرجوب، رئيس الاتحاد الفلسطينى لكرة القدم. لم يتأهل المنتخب الفلسطينى إلى البطولة، لكن الفيفا عادة ما تدعو رؤساء الاتحادات للمشاركة فى هذا الحدث باعتباره احتفالًا عالميًا باللعبة. حضر الرجوب الافتتاح فى المكسيك بالفعل، لكنه لم يحصل على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة مع بقية مسئولى الاتحادات، ومرة أخرى من دون أسباب! يمكن للجهات الرسمية أن تقول إن لها حق السيادة على حدودها، وهذا صحيح، بل ردده، للغرابة، رئيس الاتحاد الدولى لكرة القدم. لكن السياق هنا مهم، لأن كأس العالم ليس زيارة خاصة ولا مؤتمرًا سياسيًا أو أمنيًا، بل حدث عالمى تمنحه فيفا لدولة أو دول مضيفة باسم العالم. وبالتالى، فإن لم تكن هناك أسباب قوية لتبرير هذا المنع، فإنه يُحسب بوصفه تمييزًا، وخصوصًا أن رئيس الاتحاد من فلسطين، وهو سياق لا يمكن التظاهر بتجاهله!
• • •
الأسوأ من ذلك كله كان موقف رئيس الفيفا جيانى إنفانتينو. قال الرجل إن ما حدث مؤسف، لكنه أضاف أن الفيفا ليست «حاكمة للعالم»، مطالبًا الصحفيين الذين حضروا مؤتمره بالهدوء، لأنه، بحسب قوله، لا يستطيع التحكم فى قرارات الحكومات والشرطة. من الناحية الرسمية، هذا الكلام صحيح، لكن الفيفا ليست جمعية خيرية صغيرة تفاجأت بأن البطولة تقام فى دولة ذات حدود وقوانين، بل هى المؤسسة التى منحت حق التنظيم، وتعرف منذ البداية أن كأس العالم ليس مجرد ملاعب، بل حركة بشرية هائلة. وعادة ما يُمنح حق التنظيم فى مقابل وعود واضحة من الدولة المضيفة بتسهيل الإجراءات اللازمة لهذه الحركة. فإذا كانت الفيفا، بكل سطوتها ومواردها المعروفة، لا تستطيع ضمان دخول الحكام والمسئولين والجماهير بالحد الأدنى من السلاسة والكرامة، فعليها على الأقل ألا تختبئ وراء لغة باردة كأن الأمر بسيط!
هنا بالضبط يظهر التناقض الأمريكى. تستطيع الولايات المتحدة غالبًا تنظيم بطولة ناجحة من حيث البنية التحتية. لديها ملاعب ضخمة، وشركات عملاقة، وخبرة أمنية، وشبكات نقل جوى، وقدرة تسويقية لا ينافسها فيها كثيرون. لكن السؤال ليس عن القدرة فقط، بل عن الروح التى ستصاحبها، وخصوصًا عندما تقارن الجماهير هذه الاستضافة باستضافة المكسيك وكندا! قد تكون كلتا الدولتين أقل فى الإمكانات، وستشهدان عددًا أقل بكثير من المباريات مقارنة بالولايات المتحدة، لكن بلا شك ستكسبان معركة القوة الناعمة هذه المرة!
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر