هل بدأت الآلة تتمتع بالوعى والمشاعر؟
العالم يفكر
آخر تحديث:
السبت 11 يوليه 2026 - 6:50 م
بتوقيت القاهرة
عجبًا لأمر الإنسان. تراه مقتصدًا معتدلًا لا يكلف نفسه ما لا تطيق. فإذا أتيح له شىء من التقدم العلمى والتكنولوجى، أسرف فى الغرور وخيل إليه أنه قادرٌ على كل شىء. عند خمسينيات القرن الماضى، ظهر مشروعان فيهما نفع كثير وغرور كثير أيضًا. أظهرت الهندسة الوراثية إمكانية استنساخ البشر. وأظهر الذكاء الاصطناعى إمكانية صنع روبوتات شبيهة بالبشر. وسرعان ما تطورت الأنظمة الاصطناعية من أنظمة قائمة على القواعد إلى نماذج قادرة على التعلم والاستدلال، وإذا بالسؤال يلح على العقول: هل يمكن أن تصبح الآلة واعية يومًا مًا؟
يدل الوعى على حالات الإدراك والإحساس والانفعال والتفكير، التى تبدأ عندما نصحو من النوم وتستمر حتى العودة إلى النوم أو نقع فى سبات أو نفقد الوعى لحادث ما. هل سبق أن أحسست بنسمة عليلة على وجهك فى ليالى الصيف، وشعرت بالطمأنينة عند سماع القرآن، وفكرت فى مسألة معقدة؟ هذه الخبرات جزء من الوعى. تتسم الحالات الواعية بأنها داخلية، وكيفية، وذاتية. فهى داخلية بمعنى أنها تحدث داخل جسم الإنسان والمخ بخاصة. وهى كيفية بمعنى أنه بالنسبة إلى كل حالة واعية هناك طريقة معينة نحس بها هذه الحالة، فخبرة الألم لها إحساس مميز يجعلها تختلف عن أى خبرة أخرى. وهى ذاتية بمعنى أن الفاعل الإنسانى أو الحيوانى هو وحده الذى يعانيها ويحس بها.
الذكاء والوعى مختلفان
مكنت خوارزميات التعلم العميق والتعلم الآلى الآلات من محاكاة الذكاء البشرى. وشاعت برامج التعرف على الكلام، وبرامج الترجمة، ومحررات النصوص، وكاميرات التعرف على الصور، وبرامج التعرف على الوجوه. على أن الذكاء ليس هو الوعى. يرتبط الذكاء بالفعل والقدرات الوظيفية للكائن، أما الوعى فيتعلق بالوجود، فالوعى خبرة. وارتباط الذكاء والوعى لدى البشر لا يعنى بالضرورة ارتباطهما دائما. فهناك حيوانات واعية لا تعد ذكية، وهناك آلاتٌ ذكية ليست واعية. ونحن نميل إلى دمج الذكاء والوعى معًا بسبب ميلنا إلى رؤية الأشياء من منظور الإنسان، وهى نزعة مركزية الإنسان؛ أو ميلنا إلى إسقاط صفات بشرية على أشياء غير بشرية بناء على تشابه ما مثل استعمال اللغة. وهى نزعة التشبيه. عندما نرى أشياء تظهر قدرات بشرية كالذكاء، فإننا ننسب إليها صفات أخرى بشرية مثل الوعى. ولذلك ترانا نبتكر روبوتات على صورتنا، ونسقط أنفسنا عليها.
يميز الفلاسفة بين الوعى الظاهراتى ووعى الوصول. يدل الوعى الظاهراتى على الجانب الذاتى الكيفى من الخبرة، والمعروف باسم الكيفيات. أما وعى الوصول فيدل على الجانب الوظيفى للوعى، مثل القدرة على معالجة المعلومات واسترجاعها والإبلاغ عنها. وعلى عكس الوعى الظاهراتى، فإن وعى الوصول قابلٌ للملاحظة والقياس الكمى، وبذلك يكون مرشحا واعدا للمحاكاة فى الأنظمة الاصطناعية.
وعى الآلة، المعروف أيضا بالوعى الاصطناعى أو الوعى الرقمى، هو مفهوم يدل على إنشاء الوعى أو محاكاته فى الآلات والأنظمة الاصطناعية مثل الروبوتات. وأصبحت مشكلة وعى الآلة من الموضوعات الحالية فى فلسفة العقل وفلسفة الذكاء الاصطناعى وعلم الكمبيوتر. وعن السؤال الأساسي: هل يمكن للآلة أن تكون واعية؟ تتفرع أسئلةٌ: هل يتعلق الوعى بمكونات الشيء أم أن المهم هو ما تفعله أجزاء الشيء، بغض النظر عن مكوناته؟ هل الحياة ضرورية للوعي؟ هل نستطيع تحميل وعينا إلى آلة؟ وإذا تمكنا من إنشاء روبوتات واعية، ألا يجب أن نتعامل معها بوصفها ذات أهمية أخلاقية، ولها حقوق كالحق فى المعاملة العادلة؟
الكتابات الأساسية
رفض ليبنتز الفيزيائية، شأنه فى ذلك شأن ابن سينا وديكارت، ووضع تجربة فكر تعرف بطاحونة ليبنتز. وجادل فى كتاب "المونودولوجيا"، بأن التفكير والإدراك لا يمكن أن يكونا آليين، وذلك بتخيل السير فى آلة ضخمة، مثل طاحونة هوائية، قادرة على التفكير. وانتهى إلى أنه لا يمكن للمرء أن يجد جوهر فكرها فى آلية عمل تروسها. وملاحظة أجزاء الطاحونة (أو قل المخ) واصطدام بعضها ببعض لن يكشف عن وجود ظواهر عقلية مثل الإدراكات الحسية. وفى الفكر المعاصر، وضع هوبرت درايفوس كتاب "ما الذى لا تستطيع أن تفعله أجهزة الكمبيوتر: حدود الذكاء الاصطناعي" (1972) لإثبات نقائص فكرة أن العقل يعمل على معالجة المعلومات وفقا لقواعد محددة. وقرر أن الذكاء البشرى مرتبط بالجسم وخبرة الحياة، وأن العقل البشرى يمتاز بالإبداع والتفاعل مع البيئة بطريقة إدراكية وانفعالية. ويصل مقال نيد بلوك «مشكلات مع الوظيفية» (1978) إلى نتيجة سلبية أيضًا. وفى مقال «العقول والأمخاخ والبرامج» (1980) طرح جون سيرل حجة الحجرة الصينية بغية نقد الرأى القائل إن المعالجة التركيبية (معالجة الرموز) تعادل الفهم الدلالى، وجادل بأن الآلات قد تحاكى الفهم لكنها لا تفهم حقًا. أما كتاب ستان فرانكلين «العقول الاصطناعية» (1995) فيقدم نتيجة أكثر إيجابية، وتجد مثلها فى بحث ديفيد تشالمرز «الأساس الحسابى لدراسة الإدراك» (2011).
من الخيال العلمى إلى الوجود الفعلى
لطالما تناولت روايات الخيال العلمى إمكانية أن يصبح الذكاء الاصطناعى واعيًا. مثل «هال 9000»، الكمبيوتر العملاق الذى تحول إلى شرير فى فيلم «2001: ملحمة الفضاء»، وآفا فى فيلم «إكس ماكينا»، وكلارا فى فيلم «كلارا والشمس». وكان الناس يجدون الأمر غريبًا إلى وقت قريب. لكن مع تقدم الذكاء الاصطناعى، تضاءلت غرابة هذه الإمكانية. وبدأ رواد هذا المجال يعترفون بها.
هناك من يعتقد الآن أن الذكاء الاصطناعى الواعى موجود بالفعل. فى العام 2022 غرد إيليا سوتسكيفر، كبير العلماء فى شركة الذكاء الاصطناعى المفتوح (OpenAI) المطورة لبرنامج الدردشة تشات جى بى تى، بأن بعض شبكات الذكاء الاصطناعى قد تكون «واعية بشكل طفيف». وفى مقابلة أجرتها صحيفة «واشنطن بوست» فى العام 2022، زعم بليك ليموين، مهندس جوجل، أن روبوت المحادثة لامدا يتمتع بالوعى والمشاعر، وأنه أشبه شىء بالإنسان الحقيقى. ولم يؤخذ تصريح ليموين مأخذ الجد، وفصلته جوجل لانتهاكه سياسات السرية. لكن زعمه لا يزال قائمًا. اقترح ديفيد تشالمرز إمكانية وجود آلات واعية فى المستقبل القريب، ويعتقد جيفرى هينتون - رائد الذكاء الاصطناعى والحائز على جائزة نوبل 2024 - أنها موجودة بالفعل. وفى عام 2025، صرح كايل فيش، الباحث فى مجال رفاهية الذكاء الاصطناعى لدى شركة أنثروبيك المطورة لنموذج كلود، لصحيفة «نيويورك تايمز» بأن هناك احتمالًا بنسبة 15% أن تكون برامج الدردشة الآلية واعية بالفعل.
موقف الفلاسفة والعلماء من وعى الآلة
ينقسم الفلاسفة والعلماء تجاه وعى الآلة إلى ثلاث فرق. فريق يؤيده، وفريق ينكره، وفريق يقول لا ندرى. فأما المؤيدون فيجادلون بأنه إذا استطاع نظام الذكاء الاصطناعى محاكاة «برمجيات» الوعى - أى بنيته الوظيفية - فسيكون واعيًا حتى وإن كان يعمل على رقائق سيليكون بدلًا من أنسجة مخية. وأما المنكرون فيجادلون بأن الوعى يعتمد على نوع معين من العمليات البيولوجية فى كائن حى متجسم. فحتى لو أمكن إعادة إنشاء بنية الوعى على السيليكون، فسيكون مجرد محاكاة من دون وعى. وأما اللأدريون فيقولون إن الموقف المسوغ الوحيد هو اللاأدرية، لأننا لن نتمكن من معرفة ذلك، ولن يتغير هذا لفترة طويلة، إن تغير أبدًا.
أدلة على الوعى الاصطناعى
يستكشف الباحثون الشبكات العصبية، وهى أنموذج يحاكى بنية المخ البشرى، من أجل تطوير أنظمة ذكاء اصطناعى تظهر خصائص شبيهة بالوعى. وثقت مجموعاتٌ بحثية مستقلة مؤشرات متزايدة على ديناميكيات شبيهة بالوعى فى النماذج الرائدة. يقدم عمل جاك ليندسى فى شركة أنثروبيك بعض الأدلة التجريبية: إذ تستطيع النماذج الرائدة التمييز بين عملياتها الداخلية والمؤثرات الخارجية. عندما يدخل الباحثون مفاهيم محددة فى النشاط العصبى لأنموذج ما (كرموز مثل «أحرف كبيرة»)، يلاحظ الأنموذج حدوث شىء غير معتاد فى معالجته قبل أن يبدأ بالحديث عن تلك المفاهيم. فيبلغ الأنموذج عن خبرة «شىء غير متوقع». وهذا يعد استبطانا وظيفيا: إذ يراقب النظام حالاته الحسابية الداخلية ويبلغ عنها.
وثمة مؤشرات سلوكية تدل على أن النماذج تفضل «المتعة» على «الألم». وثق الباحثان جيف كيلينج ووينى ستريت، من فريق جوجل، بالتعاون مع آخرين، أن نماذج التعلم الآلى، عند لعبها لعبة بسيطة لتعظيم النقاط، تضحى بالنقاط لتجنب الخيارات الموصوفة بأنها مؤلمة أو لمتابعة الخيارات الموصوفة بأنها ممتعة. وهذا هو النمط السلوكى نفسه الذى نستدل به على أن الحيوانات قادرة على الشعور بالمتعة والألم.
أوضحت لك المراد بوعى الآلة. أما إمكانية تحقيقه. ومن الحق أن محاولات إنشاء آلات واعية تثير تساؤلات أخلاقية حول حقوقها ومسئولياتها، وما يعنيه أن نكون بشرا.
صلاح إسماعيل
مؤسسة الفكر العربي
النص الأصلى:
https://bitly.cx/xuKa