من يدير المشهد؟
أيمن أبو المجد
آخر تحديث:
الأربعاء 8 أبريل 2026 - 2:45 م
بتوقيت القاهرة
في محاولة لقراءة المشهد الخطير والغريب الذي لا يضر فقط منطقة الشرق الأوسط بل العالم كله، سواء عسكريًا أو اقتصاديًا أو جغرافيًا أو بشريًا، سنجد أن هناك بعض الظواهر الهامة ذات الدلالات المؤثرة في التقييم الموضوعي لما يحدث.
أولًا: بالطبع من السهل أن نبرر ما يحدث من الجانب الإسرائيلي على أنه ينبع فقط من الرغبة في الانتشار والاستيلاء على المزيد من الأراضي، والقضاء على إيران—أحد القوى الهامة في المنطقة—والتي يرون فيها تهديدًا لأطماعهم التوسعية. وكذلك إن جزءًا هامًا من تلك المطامع يتم تحميله بصبغة دينية كمبرر يبدو في نظرهم على الأقل مقبولًا للآخرين. وكل هذا معروف ومفهوم، لكن هناك تغييرًا واضحًا وجديدًا في نمط أفعالهم يختلف تمامًا عن ذي قبل. حيث نجد أنهم تاريخيًا، ومنذ نشأت إسرائيل، كانوا ينشرون للعالم نظرية أن إسرائيل دولة مسالمة، ديمقراطية، تتسم بكل سمات الغرب المتحضر، ولذلك فهي مضطهدة من جيرانها؛ سعيًا في كسب تعاطف ومساندة شعوب العالم وحكوماته لهم، وهو ما نجحوا فيه تمامًا ولمدة طويلة، وأصبح من أهم أسلحتهم المؤثرة إعلاميًا في الرأي العام العالمي.
كذلك، سنلاحظ أن العرف والفهم السائد عندنا كان أن إسرائيل تهتم لأقصى الحدود بروح كل إسرائيلي، ومستعدة لبذل كل الجهد للحفاظ على أرواح مواطنيها تحت أي ظرف.
بينما في المشهد الحالي سنجد تغييرًا واضحًا وكبيرًا جدًا، حيث إنهم تخلوا تمامًا عن فكرة الدولة الصغيرة المسكينة التي تحارب للبقاء وسط أعداء، إلى الدولة البلطجية المارقة التي لا تعبأ نهائيًا برأي أحد وتمضي في طريق العنف بلا هوادة، وبلا حتى أي حسابات شبه معقولة للخسائر المحتملة، سواء البشرية عندهم أو المادية أو السياسية على مستوى علاقتها مع دول العالم بأجمعه، حتى مستوى دول أوروبا أو حتى أمريكا!
التغيير ليس في الأهداف، وهي معروفة، لكن في نمط وكيفية تحقيق تلك الأهداف. وبالتالي يصبح السؤال هنا: لماذا؟ خاصة وأن هذا التغيير—كما نشاهد—يجعلهم يخسرون الكثير جدًا من المكاسب التي حصدوها منذ نشأتهم وإلى أيام قليلة قبل 7 أكتوبر 2023، حيث كانت إسرائيل على وشك عقد معاهدة مهمة جدًا مع السعودية، مما كان يمثل نقلة تاريخية، بل وحلمًا كان يبدو بعيد المنال لهم.
ثانيًا: البرفيسور جون ميرشهايمر، الأستاذ بجامعة شيكاجو، والذي كتب كتابه الهام جدًا مع صديقه ستيفن والت بعنوان: منظمة الأيباك واللوبي الصهيوني في أمريكا. حيث فضحوا هذا اللوبي بالتفاصيل الدقيقة وتأثيره الخطير على صناعة السياسة الأمريكية. ويدير بالذكر أن المؤلفين من يهود أمريكا، ويتسمان بالمصداقية والشجاعة التي كلفتهما الكثير بسبب ما كتبا. ميرشهايمر قال أيضًا مؤخرًا أن العلاقة بين إسرائيل وأمريكا حاليًا علاقة غريبة جدًا وغير مسبوقة في تاريخ البشرية بأكمله، من منظور السيطرة التامة لإسرائيل حاليًا على صناعة القرار الأمريكي!
ثالثًا: رغم الإيحاء الدارج أن ترامب المعروف بحبه للظهور المستمر في الإعلام هو الذي يتخذ القرارات ويدير المشهد، لكن التدقيق في الأحداث ربما يجعلنا نعيد النظر في ذلك التخيل!
فمن البداية ولمدة طويلة، منذ بداية رئاسته، وهو يحاول الوقوف ضد إسرائيل وسعيها للدخول في حرب ضد إيران، وجعل تولسي جابارد رئيسة المخابرات القومية (DNI) تخرج بعدة تصريحات تنفي تمامًا وبوضوح أن إيران على وشك الحصول على السلاح النووي. وحتى بعد زيادة الضغوط عليه للدخول في الحرب، لم يتهمها بالتقصير أو عدم الكفاءة، بل اتهمها أنها «طيبة» فقط!
يضاف إلى ذلك استقالة الرجل الثاني في المخابرات الأمريكية اعتراضًا على هذه الحرب، والذي صرح بأنها فقط بسبب الضغط الإسرائيلي ولضررها الشديد على أمريكا. ومنذ اندلاع الحرب يلاحظ الجميع أن ترامب كثيرًا ما يعلن عن أمور ويعكسها، وأن جميع تصريحاته تتسم بالتخبط الشديد وعدم الوضوح في أي اتجاه، وكأنه غريب عن المشهد وغير مؤثر تأثيرًا يليق برئيس «الدولة الأعظم في العالم»—على حد قوله! وهذا يختلف تمامًا عن تصريحاته وتصرفاته أثناء حرب يونيو الماضي ضد إيران. حتى نتنياهو قلل كثيرًا جدًا من ظهوره الإعلامي بعد أن كان ظهوره شبه يومي.
رابعًا: من أغرب الأمور التي تم اكتشافها والإعلان عنها أنه أثناء الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران في يونيو الماضي كان الضباط الإسرائيليون يقتحمون غرف قيادات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) ويُمليون عليهم أوامرهم في كيفية إدارة المعركة، وأن القيادات الأمريكية لم تستطع رفض هذا التدخل أو منعهم من ذلك!
خامسًا: قام وزير الدفاع (الحرب) الأمريكي، والذي يتهمونه هناك بأنه عديم الخبرة والمؤهلات، منذ أيام قليلة بإقالة قائد القوات الأمريكية ومجموعة كبيرة من كبار الجنرالات! وعندما يحدث ذلك أثناء الحرب فهذا يعني أن هناك اختلافات كبيرة بين الجنرالات العسكريين الذين تتخذ قرارات المعارك وبين الإدارة السياسية. بل وخرج قائد القوات الأمريكية—الذي تمت إقالته—بتصريح قال فيه إن الجيش يحتاج إلى رجال!
وبالتالي، لو جمعنا تلك الملاحظات نستطيع أن نستنتج أن هناك تغييرًا في من يدير المشهد الإسرائيلي، وأن الرئيس الأمريكي الحالي يبدو وكأنه ليس صاحب القرار الأول فيما يحدث، وأن حتى الجنرالات الأمريكيين لا يديرون المعركة الكبيرة الخطيرة ذات التأثير المهول على أمريكا وأوروبا وجميع دول العالم.
منذ سنوات قليلة حدث تغيير كبير في اتجاه سيليكون فالي في كاليفورنيا، والمعروفة بأنها معقل التكنولوجيا والتطور المذهل في الذكاء الاصطناعي (AI). وتاريخيًا لم يكن لتلك الشركات أي رغبة أو ميول سياسية، ولكن فجأة حدث تغيير شامل تحت قيادة بعض عمالقة هذه الشركات من ذوي الميول الصهيونية المتشددة لدرجة قصوى، والذين أصبحوا يمتلكون مئات البلايين من الدولارات في سنوات قليلة، وأصبحوا مؤثرين في صناعة القرار السياسي والعسكري بصورة فوق الخيال. هؤلاء يتسمون بالشعور بالنرجسية المطلقة لدرجة مرضية وغير واقعية، مع تخيل أنهم يستطيعون السيطرة على كل شيء من مكاتبهم التي حققوا من خلالها هذه الثروة المادية المهولة، والمصاحبة بالقدرة المطلقة في فرض إرادتهم على القرارات السياسية والعسكرية بلا أي مبالاة لأي ثمن، سواء كان بشريًا أو سياسيًا أو ماديًا. حيث إنهم في وضعٍ آمن من تلك الخسائر التي تقع يوميًا على الجميع من حولهم في جميع دول العالم.
شركات سيليكون فالي هي التي تدير المشهد حاليًا!
وما هي أهدافهم؟
الهدف هو جعل إسرائيل مركز العالم المالي في خلال خمس سنوات بعد إصابة كل المنافسين بخسائر كبيرة بسبب هذه الحرب.
الخليج يخسر، أوروبا تخسر، بل وأمريكا أيضًا، والتي أصبحت في طريقها للخروج من سيطرتهم بعد خسارتهم للظهير الشعبي لهم هناك، ولم يتبقَّ غير أعضاء الكونجرس الذين يتلقون أموال منظمة الأيباك.
ولكن بالنسبة لأصحاب شركات سيليكون فالي الكبرى، فهذه كلها أمور لا تعنيهم، بل مجرد أرقام وإحصائيات على الشاشات يتصورون أنها لن تقف أمام أحلامهم المادية.