هل امتلكت إيران السلاح النووى؟!
بشير عبد الفتاح
آخر تحديث:
الإثنين 6 يوليه 2026 - 7:00 م
بتوقيت القاهرة
دأبت غالبية التقديرات الاستخباراتية والاستراتيجية، بما فيها تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على تأكيد عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا، حتى الآن على الأقل. غير أن جميعها تجنح إلى تصنيفها دولة «عتبة نووية»؛ بمعنى أنها تحوز جل الإمكانات العلمية والمقومات التقنية والمادية، التى تخولها ذلك إذا ما أرادت، وفى مدى زمنى غير بعيد.
يؤرخ خبراء لنزوع البرنامج النووى الإيرانى نحو العسكرة منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضى. وبحلول أواخر تسعينياته، أطلقت طهران برنامجا عاجلا ومكثفا لإنتاج قنبلة نووية، خوفا من إعادة إحياء العراق برنامجه النووي. وبعد انكشاف نواياها للغرب عام 2002، وفى أعقاب الغزو الأمريكى للعراق عام 2003، تخلت إيران عن مآربها، مخافة إعطاء الولايات المتحدة ذريعة لغزوها. لكنها تبنت استراتيجية تحوط حذرة مكنتها، بشكل بطىء وتدريجى، من الاحتفاظ بخيار الجهوزية لتصنيع سلاح نووى، مع إدارة المخاطر الناجمة عن ذلك.
منذ عام 2007، تسلط الاستخبارات الأمريكية الضوء على ميل إيران لاكتساب القدرة على إنتاج القنبلة النووية، من دون حيازتها. ففى شهادته أمام الكونجرس عام 2012، أكد مدير الاستخبارات الوطنية آنذاك، جيمس كلابر، أن «إيران تحتفظ بخيار تطوير أسلحة نووية، من خلال بناء قدرات نووية تجعلها فى وضع أفضل لإنتاج مثل هذه الأسلحة، إذا شاءت، متوخية بذلك إدراك ما يسمى العتبة النووية». وهى الحالة التى تمتلك فيها البنية التحتية التكنولوجية، والقدرات التقنية، والمواد الانشطارية اللازمة لصنع أسلحة نووية خلال مدة وجيزة، من دون تصنيعها أو الإعلان عن امتلاكها فعليا، بما يمكنها من بلوغ حالة «الردع الرمادى».
عقب تخارج ترامب، عام 2018، من خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، اتخذت طهران قرارها بالانتقال من مرحلة «العتبة النووية» إلى حقبة «التحوط النووى». وهى استراتيجية وطنية تسعى من خلالها الدول إلى تطوير بنية تحتية نووية للأغراض السلمية، مع الاحتفاظ بقدرات «الكمون النووى»، بمعنى الجهوزية الكاملة لعسكرة برنامجها النووى وإنتاج السلاح الذرى فى غضون أسابيع أو أشهر معدودات، إذا تعرض أمنها القومى لتهديد وجودى. وقد لجأت إيران إلى استراتيجية امتلاك رادع نووى كامن، تجنبا للكلفة والمخاطر المترتبة على حيازة سلاح نووي، كمثل العزلة الدبلوماسية، والعقوبات الاقتصادية، والضربات العسكرية المتوالية، علاوة على سباق تسلح نووى إقليمى، أو احتمالات التورط فى حروب لا نهائية.
على وقع الاستهداف الأمريكى ــ الإسرائيلى لبلادهم فى يونيو 2025، ثم فى فبراير الماضى، توالت دعوات مسئولين إيرانيين متشددين إلى تعزيز قوة الردع الوطنية، من خلال إنتاج أسلحة نووية، ما أثار مخاوف من احتمال تخلى إيران عن حالة «العتبة النووية»، أو تجاوز استراتيجية «التحوط النووى». فلقد طالب بعض النواب البرلمانيين، وقيادات بالحرس الثورى، بصياغة مشروع قانون عاجل يتيح لبلادهم الانسحاب الكامل من معاهدة حظر الانتشار النووى. ويستند هؤلاء إلى أن بلادهم، لو كانت تمتلك السلاح النووى، الذى يشكل «قوة ردع استراتيجية»، لما تعرضت للعدوان الأمريكى - الإسرائيلى المتكرر.
يعتقد خبراء ومسئولون غربيون أن إيران خرجت من القصف الأمريكى - الإسرائيلى المكثف، وهى تحتفظ بمعظم الإمكانات التى تؤهلها لصنع قنبلة نووية. وذكرت الاستخبارات الأمريكية أن هجمات يونيو 2025 دفنت جزءا كبيرا من مخزون اليورانيوم عالى التخصيب فى أصفهان، لكنها لم تدمره. ومن ثم، تحتفظ إيران بمخزونها، الذى يقترب من ألف رطل من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، فى حاويات داخل أنفاق عميقة تحت منشأة أصفهان النووية، كما تضم موقع تخصيب أعلنت عنه طهران فى يونيو الماضى، دون أن يخضع لأى تفتيش حتى الآن. فيما يحوى مجمع أنفاق محصن للغاية قرب منشأة نطنز أجهزة طرد مركزى متطورة، تمكنها من تخصيب اليورانيوم لمستويات عالية، بمأمن من أعتى الأسلحة والضربات الأمريكية.
تؤكد تقديرات استخباراتية غربية أن المدة التى تحتاجها إيران لصنع سلاح نووى لم تتغير منذ الضربات الأمريكية والإسرائيلية التى طالتها فى يونيو الماضي، وارتأى محللون أنها لن تتخطى عاما كاملا. وبامتلاكها 460 كجم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، نجحت طهران فى تقليص زمن الاختراق؛ حيث تحتاج نحو أسبوع واحد فقط لرفع تلك النسبة إلى 90%، وهو المستوى العسكرى المطلوب لصنع قنبلة نووية، إذا كان لديها منشأة تخصيب عاملة. الأمر الذى يمكن إيران من صنع عشر قنابل نووية، بحسب مفتشين دوليين. كما تمتلك إيران أكثر من 13 ألف رطل من اليورانيوم المخصب بنسبة 5%. وقد طورت المهارات والخبرات اللازمة لإنتاج أجهزة طرد مركزى حديثة وقادرة على رفع تلك النسبة بسرعة وكفاءة. بدوره، أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعيد الضربات، أن إيران يمكنها استئناف التخصيب، بشكل متدرج، فى غضون أشهر. ورغم تشديد مذكرة التفاهم على ضرورة الحفاظ على الوضع القائم بالمنشآت النووية الإيرانية، أظهر تحليل مفصل لصور أقمار اصطناعية التقطت نهاية الشهر الماضى، مضى طهران قدما فى أعمال البناء بموقع نووى سرى تحت الأرض فى جبال بيكاكس، لإقامة منشأة نووية لتخصيب اليورانيوم، تضاف إلى منشآت نطنز، وفوردو، وأصفهان. ولم تسمح طهران لمفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة ذلك الموقع السرى.
فور انتهاء الجولة الأولى من مفاوضات سويسرا، الشهر الفائت، تفاخر ترامب بإحراز انتصار ملموس، لجهة عدم تمكين إيران من إنتاج السلاح النووى، حيث أكد موافقتها على إجراء عمليات تفتيش دقيقة لضمان «الشفافية النووية»، وإبقاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية على معرفة مستدامة ببرنامجها النووى، وفقا لبرنامج ضمانات الوكالة، والاتفاقية الشاملة للضمانات، التى تُلزم طهران بالإعلان عن المواد والأنشطة النووية، وتسمح للمفتشين الدوليين بالتحقق من عدم تحويلها للأغراض العسكرية. وترى واشنطن فى عودة المفتشين الأمميين إلى إيران بداية مسار يستهدف ضمان عدم عسكرة برنامجها النووى، خصوصا بعدما منعت أولئك المفتشين من مباشرة مهامهم، ضمن آخر عملية تحقق من برنامجها النووى أجرتها الوكالة، عقب الغارات الأمريكية - الإسرائيلية فى يونيو 2025.
فى المقابل، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية رفض بلاده السماح لمفتشى الوكالة بزيارة المواقع النووية التى استهدفتها الغارات، فى فوردو، وأصفهان، ونطنز، مشددا على إرجاء البحث فى عودة المفتشين الأمميين إلى ما بعد توقيع الاتفاق النهائى. لافتا إلى أن مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية لا تتضمن أى بند ينص على السماح لأولئك المفتشين بالعودة والتفتيش. وعقب جولة الدوحة التفاوضية الأخيرة، شددت طهران على أنها لم تتعرض للمسألة النووية، مؤكدة أن أى نقاش سيقتصر على كيفية تنفيذ بنود مذكرة التفاهم فقط. ولفتت إلى أن سياسة الغموض النووى، وعدم الكشف عن مواقع أو تفاصيل المواد النووية المخصبة، ستظل إحدى أوراق القوة الإيرانية فى مواجهة الضغوط الأمريكية.
فى وقت سابق من الشهر الماضى، أكد ترامب أن حصول إيران على سلاح نووى سيحفزها على استخدامه، خلال الأسبوع الأول من امتلاكها له، ضد إسرائيل ودول المنطقة. لكنه عاد وأكد، هو ونائبه، أنه لم يعد بمقدورها حيازة ذلك السلاح. فعلاوة على التحديات التقنية المزمنة، نجحت الضربات القاصمة فى إعادة برنامجها النووى سنوات إلى الوراء. كما زعم أن طهران تعهدت له، مؤخرا، بعدم السعى لامتلاك سلاح نووى، سواء من خلال التصنيع أو الشراء. وفى مقابلة مع القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية، التى تعد منبره الإعلامى المفضل، ادعى نتنياهو، قبل قليل، أن إيران امتلكت السلاح النووى، وأنه هاجمها مرتين لإنقاذ إسرائيل من الإبادة بهذا السلاح الفتاك. غير أن تلك الادعاءات قوبلت باستنكار واسع وإدانات شديدة؛ حيث اتهمه آيزنكوت، زعيم حزب «يشار»، والرئيس السابق لهيئة أركان الجيش، بالكذب، والانفصال عن الواقع، والاستغراق فى الأوهام، واختلاق الأباطيل، بهدف إخافة الجماهير واستمالة الناخبين. أما رئيس الوزراء الأسبق، بينيت، فاتهمه بالكذب، وإعادة هندسة الرواية بأثر رجعى، للتغطية على انكشاف ضعفه، وإخفاقه فى وقف تطوير القدرات العسكرية الإيرانية، مستهدفا الترويج لنفسه والظهور بمظهر القائد القوى، الذى لا يجوز استبداله، خصوصا فى زمن الحرب. بدوره، اتهمه زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» اليمينى المعارض، أفيجدور ليبرمان، بالكذب وصرف الأنظار عن ذكرى مرور ألف يوم على كارثة السابع من أكتوبر 2023، وعن الفشل فى لبنان واليمن، مؤكدا أن عجز الإيرانيين عن امتلاك قنابل نووية لم يمنعهم من ابتكار «قنبلة هرمز الجيوسياسية»، بفضل فشل نتنياهو.