سوريا بين توغّل يستنزف الماء وسلطة تُدير الصمت.. من ينقذ الجنوب؟

معتمر أمين
معتمر أمين

آخر تحديث: الجمعة 3 يوليه 2026 - 6:10 م بتوقيت القاهرة

منذ سقوط نظام بشار الأسد فى ديسمبر 2024، لم يتوقف الجيش الإسرائيلى عن التمدد فى الجنوب السورى، متجاوزًا خط فض الاشتباك المتفق عليه عام 1974، ومحوّلا المنطقة العازلة إلى قاعدة انطلاق نحو القنيطرة ودرعا والسويداء، تحت اسم عملية «سهم باشان»؛ وهو اسم مستوحى من قصة توراتية عن «عوج ملك باشان» الذى دارت معركته فى المنطقة الجنوبية السورية نفسها، فى دلالة على أن الاعتبارات الدينية لا تقل حضورًا لدى صانع القرار الإسرائيلى عن الاعتبارات الأمنية. وما جرى فى الأسابيع الأخيرة من توغّل جديد فى قرى عابدين وجملة وتل المغر بريف درعا الغربى، رافقه قصف مدفعى وغارات بالمروحيات، يكشف أن الأمر لم يعد «إجراءات أمنية مؤقتة» كما تصفها إسرائيل، بل مشروع ممنهج يستهدف الماء.

تسيطر إسرائيل حاليًا على أكثر من عشرة مصادر ومسطحات مائية فى الجنوب السورى، أبرزها سد الوحدة على نهر اليرموك، الذى يخزّن نحو 225 مليون متر مكعب ويغذى درعا والرمثا وإربد بنحو 10% من احتياجات الجنوب السورى وشمال الأردن، ثم سد «المنطرة» فى ريف القنيطرة الذى يوفر حوالى 40% من موارد سوريا المائية فى تلك المنطقة، إضافة إلى سدود «كودنة» و«رويحينة» و«غدير البستان» و«جسر الرقاد»، وصولا إلى الاشتباك الدامى قرب سد الجبيلية فى مدينة نوى، الذى سقط فيه تسعة قتلى من الأهالى حاولوا منع تقدّم الجيش الإسرائيلى. والحصيلة أن دمشق فقدت السيطرة على النسبة الكبرى من أحواض الجنوب المائية، فيما لا تغطى الموارد المتبقية، كنبع المزيريب وسد الأشعرى وبعض آبار السويداء، سوى أجزاء ضئيلة من الاحتياج الفعلى. والأثر المباشر يقع على آلاف المزارعين فى درعا والقنيطرة الذين تعتمد أراضيهم على هذه السدود، وعلى سكان قرى باتت مواعيد دخولهم إليها وخروجهم منها تُدار عبر سلطة الاحتلال.


• • •
إن هدف السيطرة على الماء ليس وليد اللحظة فى العقيدة الإسرائيلية؛ فمنذ الخمسينيات كانت أحواض الأردن واليرموك وبانياس محور صراع أدى إلى مواجهات جوية شكّلت أحد أسباب حرب 1967 التى انتهت باحتلال الجولان وثلث موارد المياه العذبة فى المنطقة. وتكرر النمط فى لبنان حين ضمّت إسرائيل مياه نهر الوزّانى وروافد الليطانى خلال احتلالها الجنوب اللبنانى (1978-2000).


اليوم يُعاد إنتاج السيناريو نفسه؛ فالتمركز الدائم حول سد المنطرة وحوض اليرموك يمنح إسرائيل ورقة ضغط سياسية طويلة الأمد على سوريا، ويُبقى الجنوب ضعيفًا اقتصاديًا بما يصعّب إعادة بناء دولة مركزية قوية. ويندرج «ممر داود» ضمن هذا التصور، وهو مشروع يهدف إلى ربط الجولان بمناطق «قسد» شمال شرقى سوريا مرورًا بدرعا والسويداء والتنف، بما يخدم أهدافًا أمنية واقتصادية تشمل الفصل بين سوريا والعراق، إضافة إلى تركيا وإيران، ما يجعله مشروعًا مثيرًا للجدل.


الرئيس السورى أحمد الشرع اختار حتى الآن لغة الاحتجاج الدبلوماسى لا المواجهة، فاتهم إسرائيل بالسعى إلى تحويل الأرض السورية إلى «ساحة فوضى»، مع تأكيده أنه لا يثق بها وأن التوصل إلى ترتيب أمنى معها «لا مفر منه». هذا الخطاب المزدوج يعكس معادلة دولة خارجة من حرب أهلية مدمرة، تُقدَّر كلفة إعادة إعمارها بحوالى 216 مليار دولار، ولا تملك ترف فتح جبهة مع جيش يتفوق عليها تفوقًا ساحقًا. لذلك رفض الشرع الانخراط فى مواجهة حزب الله رغم الضغوط الأمريكية، وأعلن بقاء سوريا خارج الصراع الإقليمى الأوسع.


تنظر أنقرة بدورها إلى التوسع الإسرائيلى باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومى، وحذّر أردوغان مرارًا من أن الاعتداءات على سوريا ولبنان تشكّل تهديدًا لأمن تركيا، فيما اعتبر وزير خارجيته أن المشكلة فى المنطقة «إسرائيلية» لا فلسطينية أو سورية أو لبنانية. ويمتد التنافس التركى الإسرائيلى فى سوريا من ملف دمج «قسد» فى الجيش السورى، إلى مساعٍ تركية لبناء إطار أمنى إقليمى يضم السعودية ومصر وباكستان فى مواجهة تحالف إسرائيلى مضاد يضم اليونان وقبرص والهند، لكن الطرفين يفضّلان أدوات الضغط الدبلوماسى، تفاديًا لصدام مباشر رغم تصاعد حدة الخطاب. أما السعودية فاختارت مسارًا مختلفًا قوامه الدعم الاقتصادى والسياسى، تُوّج بزيارة الشرع الأولى للرياض فى فبراير 2025، وبصندوق استثمارى بمليارات الدولارات لإعادة تأهيل البنية التحتية، إلى جانب انخراط سعودى مباشر فى الضغط لرفع العقوبات الأمريكية عن دمشق. وجدد ولى العهد السعودى رفض المملكة «أى تدخل أجنبى فى الشأن السورى بما فى ذلك الاعتداءات الإسرائيلية»، والمطالبة بالانسحاب الفورى وغير المشروط من الجولان.


أما الموقف الأمريكى فهو الأكثر التباسًا؛ فمن جهة، أتمّت واشنطن سحب قواتها من قواعدها فى شمال شرقى سوريا وسلّمتها كاملة للحكومة السورية، ودفع مبعوثها إلى سوريا نحو استئناف المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، وتوقّع التوصل إلى اتفاق تطبيع قد يسبق حتى اتفاقًا مماثلًا مع لبنان. ومن جهة أخرى، مارست واشنطن ضغوطًا على سوريا لإقحام جيشها فى مواجهة عسكرية مع حزب الله لصالح إسرائيل، وهو ما رفضته الحكومة السورية. هذا التناقض بين خطاب الوساطة وخطاب الضغط يعكس حقيقة نوايا إدارة ترامب تجاه سوريا، إذ تتجاذبها رغبة عملية فى استقرار يخدم إعادة الإعمار والاستحواذ الأمريكى، وفى الوقت نفسه الميل إلى تبنى الرواية الإسرائيلية بشأن ما ينبغى أن يبقى عليه الجنوب السورى.


• • •
هنا تستحق المفارقة وقفة: فالفصائل التى تشكّل اليوم عصب السلطة فى دمشق كانت إلى وقت قريب تُصنَّف «إرهابية» فى القوائم الدولية، ورفعت لعقود شعار الجهاد حتى «تحرير القدس» بوصفه واجبًا لا يقبل المساومة، لكن تحول هذا الخطاب اليوم، بعد الوصول إلى الحكم، إلى إدارة نزاع بالبيانات والاحتجاجات الدبلوماسية بدل الميدان، بينما تتوسع دبابات إسرائيل على أرض سورية بلا رادع. وهذا ليس بالضرورة نفاقًا سياسيًا، بل هو أقرب إلى مواجهة الفصيل المسلح بواقع الدولة؛ فالجهاد الذى كان شعارًا مركزيًا فى أدبيات الحركة يصطدم بحقيقة أن الدولة الوليدة لا تملك جيشًا ولا سلاحًا ولا حلفاء.


هذا التفسير الواقعى لا يُلغى سؤالًا أعمق طالما ناقشه فقهاء السياسة؛ فالمفاضلة بين أنماط الحكم لا تُبنى فقط على عدالة الحاكم أو شرعيته الدينية، بل أيضًا على قدرته على حفظ كيان الدولة وتماسكها، انطلاقًا من قاعدة «درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح»، وقول جمهور من الفقهاء إن حاكمًا يحفظ الأمن والوحدة خير من فوضى تفكك البلاد واحتلال الأرض. وهذا لا يعنى تفضيل الاستبداد على العدل، فالاستبداد نفسه من أعظم المفاسد، لكنه يعنى أن معيار «تماسك الدولة» لا يجوز إسقاطه من المعادلة عند الحكم على أى نظام سياسى، سواء أكان البائد أم الوليد. فالمقياس الذى يُدان به نظام الأسد لتفريطه بالسيادة وتركه الجولان محتلًا لعقود، هو المقياس نفسه الذى يجب أن يُقاس به أى نظام لاحق يعجز عن حماية أرضه، أيًا كانت خلفيته الأيديولوجية أو شرعيته الثورية.


باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved