وما زال الجدل مستمرًّا!
إيهاب الملاح
آخر تحديث:
السبت 2 مايو 2026 - 5:05 م
بتوقيت القاهرة
(1)
بالرغم من مرور قرن بأكمله على صدور هذا الكتاب؛ فإن الجدل والنقاش، بل والصراع حوله، وحول أثره وتأثيره، ما زال مستمرًّا حتى وقتنا هذا!
فى تاريخ الأمم العريقة والشعوب الباحثة عن مكان لها تحت الشمس، يُؤرَّخ دائمًا لمحطاتها المفصلية ونقاط التأثير فى مسارات نهضتها (هبوطًا وصعودًا) بتاريخ الأفكار التى حرّكت الراكد من المياه، بالأحجار الثقيلة التى تُلقى فيها لتحدث الهزات الارتدادية الواسعة، فتطرح الأسئلة، وتزيل الحواجز، وتتخطى الأسوار التى كُرِّست على مدى قرون طويلة لتطمس أى وقدة ذهنية من أى نوع، أو تئد أى نشاط عقلى أو منحى «عقلانى» فى قراءة تراثنا ومواجهة أنفسنا والعالم من حولنا.
هكذا نستطيع أن نقف عند محطات تأسيسية فى تاريخ الفكر المصرى الحديث، وبالتبعية الفكر العربى الحديث، فى النصف الأول من القرن العشرين. كان صدور كتاب الشيخ على عبدالرازق «الإسلام وأصول الحكم» عام 1925 حدثًا مدويًّا ما زالت أصداؤه باقية حتى الآن!
وكان صدور كتاب الدكتور طه حسين «فى الشعر الجاهلى» بعده بعام واحد انفجارًا معرفيًّا مدويًّا بدوره، بعدما تم توظيفه سياسيًّا فى الحراك المصرى -آنذاك- وصراعات الأحزاب السياسية والقصر الملكى.. إلخ، وهو ما هو معروف عن تاريخ تلك الفترة.
لكن ما يبقى دائمًا وأبدًا من أى فكرة (أو أفكار) هو قدرتها على التجاوز والتأثير وطرح الأسئلة والاشتباك حولها، ومدى ما تجذّره فى تربة الثقافة من مفاهيم تأسيسية تقود إلى أفق أبعد وأوسع مما كانت عليه قبل ظهور هذه الفكرة أو تلك.
(2)
لم يُثِر كتاب فى تاريخ الثقافة العربية الحديثة ما أثاره كتاب «فى الشعر الجاهلى" الذى أصدره طه حسين فى مارس من عام 1926 (وربما بالدرجة ذاتها كتاب الشيخ على عبد الرازق عن «الإسلام وأصول الحكم»). قامت الدنيا ولم تقعد بسبب هذا الكتاب، وتم الزج بالدينى والسياسى فى التفسيرات التى قُدِّمت له، واندلع طوفان من الهجوم الدعائى الجارف ضد طه حسين، وحملة غير مسبوقة على الكتاب وصاحبه.
واقترنت حملات التشكيك بالذمة العلمية بحملات التشكيك فى سلامة العقيدة، كما انهالت حملات التكفير التى اختلطت بدوافع سياسية ونوازع اجتماعية غير بريئة، وصدر فى الرد على الكتاب كتبٌ لا عدّ لها ولا حصر، أكثرها لا قيمة له، انصبّ فيه الهجوم على شخص طه حسين والإساءة إليه ومعايرته بعاهته، وأقلّها انصبّ على الأفكار التى ناقشها وفكرة المنهج التى طرحها.
لكن فى النهاية انقشعت هذه الغيوم مخلفة آثارها، وتبقى من هذا الكتاب الحجر الضخم الذى ألقاه فى مياه الفكر الراكدة، وفتح الباب على مصراعيه لاستيعاب فكرة «المنهج» بمعناها الفلسفى والمعرفى فى الدراسات الإنسانية، والتأكيد على الحق فى طرح السؤال؛ أى سؤال، ومراجعة الأفكار أيًّا ما كانت.
كان «الشك»، و«عدم التسليم والإذعان بأى مقولات سابقة»، هما جوهر الفكرة التى فصّل القولَ فيها كتابُ «فى الشعر الجاهلى»، لكن، وكما سبقت الإشارة، فإن أهم ما أحدثه الكتاب فى تاريخ الثقافة العربية، ليس فى النتائج التى توصّل إليها، ولا التفاصيل التى ناقشها حول مادته المختارة من الشعر العربى فى الجاهلية، ولا الدراسة الضافية التى قدّمها طه حسين للغات واللهجات السائدة فى الجزيرة العربية آنذاك، إنما فى الآثار الكبرى التى تمخضت عنها المناقشات والزوابع التى ثارت بسببه، وكان من نتاجها، بعد عقود من صدور الكتاب، هو تأصيل فكرة «المنهج» فى البحث العلمى، وعدم الوقوف عند سابق الآراء المتناقلة والمتوارثة فى أى شأن من شئون الحياة، وعلى رأسها الفكر والثقافة والدرس الأدبى.
(3)
وعلى كثرة ما صدر من طبعات من هذا الكتاب بسبب تعرض صاحبه، أولًا، للمساءلة أمام النيابة والتشهير به على صفحات الجرائد آنذاك، وصولًا إلى اتهامه بالكفر والمروق من الدين، وبسبب، ثانيًا، مصادرة طبعاته ومنع ظهوره لسنوات طويلة، فإن الطبعة التى أصدرتها (مكتبة الأسرة المصرية) قبل عشر سنوات تقريبًا أو يزيد، تكتسب قيمة خاصة وأهمية تاريخية، لعدة أسباب:
أولًا: أن هذه الطبعة جاءت مصوَّرة عن الطبعة الأولى التى صدرت عام 1926، وبالتالى فهى تحتفظ بالنص فى صورته الأولى التى نشرها طه حسين، وأراد أن يكون الكتاب بفصوله ومحتواه على هذه الهيئة قبل تعرضه للمنع والمصادرة، وقبل أن يعيد إصداره بتغييرات طفيفة فى العنوان والفصول.
ثانيًا: جاءت هذه الطبعة مزودة بالمقدمة الضافية القيمة التى كتبها تلميذ طه حسين، الناقد والأكاديمى الراحل عبد المنعم تليمة، وهى دراسة عميقة بعنوان «مدخل إلى قراءة الشعر الجاهلى»؛ وقراءة عميقة ورصينة للكتاب، وتقدّم تحليلًا وافيًا لأطروحاته والنظريات التى استند عليها، ولفكرة «المنهج» التى كانت بلا شك واحدة من المحطات المفصلية، ليس فى درس الأدب العربى وحده، بل فى مجمل الفكر والثقافة العربية الحديثة بلا منازع.
ثالثًا: ذُيِّلت هذه الطبعة بدراسة أخرى كتبها الناقد الراحل جابر عصفور، صاحب الاهتمام الخاص والكبير بتراث العميد، والذى خصص له واحدًا من أهم كتبه، وأكثرها عمقًا، ومقاربةً لمنجز طه حسين النقدى.